النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

في ذكرى مولد الأديب سليمان البستاني

رابط مختصر
العدد 10649 الثلاثاء 5 يونيو 2018 الموافق 20 رمضان 1439

في مجرى الثقافة وتلاقح الأفكار وتعانق العبقريات الفطرية تلتقي مياه نهر أسيل في أزمير من حيث شرب هوميروس ومياه نهر روبين في قضاء الخروب من حيث شرب إبن البستاني سليمان، سليمان أديباً حكيماً وشاعراً وجدانياً، وتناغمت تراتيل معبد أبوللوس الإغريقي مع تراتيل معبد عشتار الكنعاني، فكان اللقاء بين شاعر الإغريق الكبير هوميروس وشاعر الأرز (لبنان) الحكيم سليمان البستاني في ساحة الإلياذة، حيث أصل الشعر كان إغريقياً تفوه به هوميروس الأعمى ذات البصيرة وفطرة الشعر، وأتحف سليمان العرب ذاك الشعر بلسان عربي مبين، وبنظم شعري مبدع أمين، فمن يقرأ إلياذة سليمان يستشعر يقينا أنه يقرأ أصلاً عربياً لا تعريباً عن إغريقية هوميروس، فكان اللقاء بينهما في ساحة الوغى حيث سيوف أثينا وسيوف إسبرطا إلتقتا، سيف يقارع سيفا، وسيف يشق هامة وسيف يقطع أوصالاً ويمزق صدوراً وينثر على الأرض أطرافاً ورؤوساً وجثثاً هامدة وأخرى تتنفس ولا حراك فيها والدماء تجري جري السيل تروي الأرض من دماء أبنائها (أبناء الأرض)...هذه الأرض ومنذ نشأتها كونياً وهي تنبت الشجر والبشر وتترسخ بجبال من الصخر، والبشر مثل الشجر، بجذوره وساقه وفروعه وأغصانه وأوراقه وثماره، ومن الشجر ما ليس به ثمر، مجازاً ثمره ظل يستظل الناس تحت خيمة أوراقه، والأشجار كلها طيبة ليس بينها شجرة خبيثة، بينما الشجرة الخبيثة هي تعبير مجازي عن خبث في البشر لا الشجر. وشاعرنا الأديب الحكيم البستاني غصن من فرع من شجرة طيبة، كريمة الثمر، كثيفة الأوراق كأنها الغيوم في جو السماء، فروعها كثيرة متعددة الأوصاف، شجرة كلها ثمر ومن الثمر كرم العطاء. ليس هناك من وصف أكثر عدلاً وأحكم إنصافاً من هذا الوصف بحق عائلة البستاني التي وهبت للبنان وللعرب وللعالم نخبة متجددة من العباقرة في شتى مجالات الحياة، ففروع هذه العائلة منتشرة حاضرة في جميع قارات العالم، وحيثما استوطنوا كانوا شعاع نور من الفكر والعمل والعطاء، فمنهم الأديب المبدع والشاعر والعالم والسياسي الأمين والموسوعي مثل بطرس البستاني المشهور بالمعلم والذي أنتج «دائرة المعارف»، وكانت لسليمان البستاني مساهمة في هذه الموسوعة بعد وفاة المعلم بطرس البستاني الذي أنتج من هذه الموسوعة الستة الأولى من مجلداتها، والخمسة الباقية تمت على يد إبنه سليم ونسيبه سليمان البستاني. لقد حبى الله هذه العائلة بنعمة الذكاء وكرم العطاء. 

إن لترجمته الإلياذة، تعريباً مبيناً، قصة ترقى إلى قصص الأساطير، فقد رآى فيه صديقه الدكتور يعقوب صروف قدرة مميزة لإغناء المكتبة العربية بترجمة من الملحمة الإغريقية «الإلياذة»، فاقترح عليه أن يباشر بهذا المشروع الكبير الذي يحتاج إلى إمكانيات في اللغات ومهارات إبداعية في الكتابة والتعبير وقدرة على المثابرة في العمل الدؤوب الذي يحتاج من الوقت الكثير ومن الجهد الكبير، فرغم أنه يجيد أكثر من عشر لغات ومنها اليونانية، إلا أنه أراد أن يتعرف على الترجمات الحية للإلياذة قبل قراءة الأصل اليوناني، فاطلع على الترجمات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وهذه القراءات كانت رحلته في عالم الترجمة لهذا العمل العظيم، ومن ثم انكب على النص اليوناني قراءة دقيقة ودراسة متمعنة، إضافة إلى قراءات في التاريخ الإغريقي والثقافة الإغريقية، حتى يستطيع أن يستند إلى قاعدة معرفية واسعة وقوية تعينه على البيان الإغريقي إلى البيان العربي دون ثغرة ولا عوج ولا خلل، فأراد بهذه الجهود الثقافية والفكرية أن يؤلف إلياذة عربية توازي وتساوي أصلها الإغريقي، وقد جعل منهما توأما، فولدت الثقافة بجهده الخلاق إلياذة عربية وهي تعانق أختها الإغريقية... قضى من سنين الزمن عشرين عاماً وهو منكب على تأليف إلياذته تعريباً مما كان ينشده هوميروس في زمانه قبل ما يقارب الثلاثين قرناً - ثلاثة آلاف عام - فقرب الحكيم سليمان البستاني الزمان الذي مضى بالزمان الحاضر، وخلد الملحمة العربية بجانب أختها الكبرى الملحمة الإغريقية، فحق له علينا أن نشكره ونجله على جهده العبقري الذي أنتج ملحمة عربية بروح إغريقية. كدأب الشعراء والمنشدين في زمان هوميروس، يفتتح الشاعر أول بيت بنداء إلى أحد الإلة أو إحدى الآلهات، لتعدد الآلهة عند الإغريق، وعندما يتوجه هوميروس إلى إلهة الشعر في أول بيت فإنه لم يضف صفة الشعر إليها كون الإغريق يعلمون أن النداء موجه إلى إلهة الشعر، بينما الثقافات الأخرى تأخذ الترجمات على علل كلماتها إن لم تكن قد أضافت التعريف إليها، تدارك البستاني هذا الأمر في الأصل وضرورة تخطي الأصل إلى شيئ مضيئ من الإضافة في الترجمة، فافتتح الإلياذة العربية بهذا البيت:

 ربة الشعر عن آخيل ابن فيلا أنشدينا واروي احتداماً وبيلاً 

لقد عرف البستاني الإلٰهة بأنها «ربة الشعر»، وهذا التعريف لم أجده في الترجمات الانجليزية ولا الفرنسية ولا الفارسية، وهو بهذه الإضافة قد أضاء للقارئ معرفة بأن هوميروس قد وجه نداءه Αϊδε Θεα (آيدا ثيا - أي «يا إلهة أنشدي») إلى «ربة الشعر» وليس إلى أية آلهة أخرى... وأتحف الترجمة بمقدمة مكملة للملحمة، والمقدمة كتاب كامل الأركان في موضوع أدب الشعر والتعريف بالشعر الإغريقي في موازاة الشعر في الثقافات الأخرى، وتعريف غني بالإلياذة، وهو بهذه المقدمة فتح أمام القارئ العربي بابا يلج به إلى روح الثقافة الإغريقية والتعريف الدقيق بملحمة الإلياذة، ولم يكتف بهذه المقدمة، خدمة للقارئ وللثقافة العربية، بل تحمل جهدا فكريا إضافيا بأن ذيل الشعر العربي للإلياذة بمعلومات في الهوامش تنير مسيرة القراءة في عالم الإلياذة... فجعل من إلياذته موسوعة في الثقافة الإغريقية بما حملت من دين دنيوي وآلهة متعددة بتعدد مناحي الحياة عند الإغريق، ولقد أخذ الإلياذة أمانة من يد الإغريق وسلمها إلى الإنسان العربي على صحن من المعرفة برائحة ثقافية وطعم حضاري... 

 الإلياذة عند ختام الترجمة وصدورها من دار الهلال في مصر عام 1904 كانت احتفالية ثقافية - حضارية بحد ذاتها، فما كان لهذا الحدث الثقافي الكبير أن يمر دون تكريم يليق بفارسه سليمان البستاني، فأقام له رجال الأدب والثقافة حفلا تكريميا كبيرا في 14 يونيو 1904 في فندق شيرد بالقاهرة، حفل كبير بمناسبة حدث ثقافي كبير إحتفاء بإنسان كبير. 

سليمان هذا الذي يتفرع من شجرة البستاني ليس له مثيل سوى النوادر من البشر، فهو العليم بأكثر من عشر لغات وهو الضليع في ثقافة اللغات، ويروى عنه أثناء زيارته إلى الأستانة عام 1908 أنه خطب بالعربية والتركية والإنجليزية والفرنسية ببلاغة وطلاقة، حيث تشخصت عيون الحاضرين عليه عجبا وإعجابا، وهو المتبحر في علوم الرياضيات والكيمياء والزراعة والتجارة وعلم المعادن والقانون وعلم الإجتماع، إنه بحق جامعة أكاديمية لكل العلوم...

 حقا إنه الإنسان الرسالة، وقد قال فيه جبران خليل جبران: «عندما مات سليمان البستاني - (1 يونيو 1925) -، وقفت فكرة كل من عرفه أو سمع به، متهيبة خاشعة مستغربة انحجاب روح طيبة، كانت نورا في عيوننا ونغمة عذبة في آذاننا، وأصل أميل إلى العصامي، الذي كان يعتبر الإلتزام أساس النجاح غاب وهو في ذروة نجاحه»... في الثاني والعشرين من شهر مايو عام 1856 شهدت، سطوع نجم سليمان البستاني في أفق الوجود، قرية بكتشين في إقليم الخروب التابع لقضاء الشوف في لبنان حيث تعلم في طفولته العربية والسريانية، وهو مذ ذاك التاريخ حي خالد ما دامت الحضارة تنبض بروح الثقافة...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا