النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

القـــوة والعقيــــدة

رابط مختصر
العدد 10646 السبت 2 يونيو 2018 الموافق 17 رمضان 1439

ليس للإنسان قيمة بدون عقيدة، وما ينزهنا عن باقي المخلوقات هو العقل الذي وهبنا الله إياه لنفكر ونتدبر، ونرعى جسدنا الذي هو وعاء عقلنا، والحياة الناجحة تعتمد على مقدرتنا على تحقيق التوازن بين حاجاتنا الجسدية من طعام ونوم ورياضة وغيرها وحاجاتنا الروحية من إيمان وعقيدة.

طالما كانت تقول لي والدتي رحمها الله إن «القوة من الداخل»، من ثقة الإنسان بنفسه وإصراره على تجاوز التحديات، وقدرته على الخلق والابتكار، وهذه كلها أمور تتطلب قوة جسدية وتحتاج في الوقت نفسه إلى التحلي بعقيدة صادقة.

لقد أعطانا الله تعالى العقل لنعرف كيف ندمج بين الروح والجسد، فالاثنين لهما علينا حق، وهما وقود حياتنا في مسيرتنا لإعمار هذه الأرض جيلا بعد جيل، ومهما اختلفت المعطيات عبر العصور، يبقى العقل والعقيدة يعملان معا من أجل الفوز بالدنيا والآخرة.

وعندما أعطانا الله العقل أعطانا الذكاء، والذكاء أملى علينا أن يكون لكل منا عقيدة، وبما أن «الانسان ابن بيئته» فغالبا ما تكون العقيدة السائدة لدى الجمع هي عقيدة الفرد، أما أن يكون الإنسان قويا فهذا أمر يفعله بيده.

وإن رجلا متدينا يصلي ويصوم، لكنه مريض ضعيف هزيل مشوش الذهن، لن تكون عقديته قوية بالشكل الكافي، وسيكون عرضة لهزات قوية، وربما لن يتمكن من الإخلاص دائما لمبادئه وعقيدته.

علينا أن نبدأ بأنفسنا، وأن نهيئ لجسدنا الذي هو مخزن روحنا وعقلنا وعقيدتنا، ظروف الحياة الصحيحة والصحية، وأن نحافظ عليه خاليا من الأمراض الجسدية والنفسية التي تعقيه ليس فقط عن عقديته، وإنما عن الحياة بمجملها.

وإن التمسك بالعقيدة وحمايتها يتطلب قوة جسدية على صعيد الإنسان، وقوة عسكرية واقتصادية ومالية وثقافية على صعيد الدولة.

لقد ثبت على مر التاريخ أن القوة هي من تحرك العقائد، تنزع بعضها وتغرس أخرى، حتى أن مقولة «الناس على دين ملوكهم» تبدو صحيحة في كثير من المراحل التي مرت بها البشرية، فالمسيحية لم يكن لها لتحقق هذا الانتشار لولا اعتناقها من قبل الإمبراطور الروماني قسطنطين مطلع القرن الرابع للميلاد، وصلاح الدين الأيوبي تمكن من إعادة القدس لحاضنتها الإسلامية بعد طرد الصليبيين منها، وأوروبا أيضا خاضت حروبا كبيرة انحسرت بنتيجتها الكاثوليكية أمام البروتستانتية.

القوة ليست عسكرية فقط، بل هناك قوة مالية واقتصادية، فعندما ننظر إلى ألمانيا بعد أن خسرت الحرب نجدها الآن قد ربحت الاقتصاد، وأصبحت اليوم أقوى دولة في أوروبا ومن أقوى دول العالم، دون أن تتخلى عن عقيدتها، فلا زال الحزب المسيحي مسيطرا بشكل كبير أو صغير، وكذلك اليابان التي خرجت من الحرب شبه مدمرة، إلا أن شعبها تمكن من التجمع مرة ثانية حول عقيدته ومبادئه ومقدساته، والالتفاف حول الإمبراطور الياباني، وإعادة البناء من جديد.

لكن إذا كانت العقيدة محرك الشعوب نحو التجمع والبناء، يمكن أن تكون في الوقت ذاته مدخلا لاستغلال الشعوب والسيطرة على مقدراتها وتسخيرها للعمل وفقا لأجندات خارجية مشبوهة، فها نحن نرى مثلا كيف أن إيران تتخذ العقيدة مطية من أجل التدخل في كثير من الدول، وتترك خلفها عواقب وخيمة على جميع جوانب الحياة من اقتصاد وتعليم وصحة وغيرها، وتخلق الفتن والحروب بين أبناء البلد الواحد، وها هو اليمن أمامنا مثالا صارخا على ذلك.

للإنسان عقيدة، وللدول أيضا عقيدة عسكرية وسياسية واقتصادية، لكن عدم مقدرة القادة على تحقيق التوازن بين جسد الدولة الذي هو قوتها الاقتصادية وعقيدتها التي هي طموح القوة والتوسع يقود إلى تقويض الدولة.

فالضعيف يأكل الأضعف، والقوي يأكل الضعيف، والأقوى يأكل الجميع، وفي عالم توجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة القوة العسكرية الأولى في العالم، يمكنك تحقيق بعض المكاسب والانتصارات الصغيرة هنا وهناك، لكن من الناحية الاستراتيجية، أنت دائما تحت رحمة الأقوى، والذي إذا لم يعجبه تحركك أو نواياك فسوف يعود دائما، يفرض إرادته وسلطته ويأخذ كل شيء.

لقد رأينا الكثير من الدول تدخل في حروب أكبر منها، عندما غزا صدام حسين الكويت، وعندما قاد هوجو شافيز فانزويلا لمعاداة الولايات المتحدة مثلا، حققا بعض الانتصارات الهامشية في البداية، لكن النهاية كانت كارثية لبلديهما، فالقوة سلاح ذو حدين، وإن لم تستخدم بحكمة تصبح مدمرة لأصحابها.

الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، يعطيان مثالين مختلفين تماما على دول تمكنت من تحقيق قفزات هائلة في معدلات التنمية ودخول الحضارة الحديثة والانفتاح على عقائد العالم المختلفة، دون التخلي عن العقيدة الأساسية، بل والتمسك بها وتأصيلها في كثير من الأحيان.

ولقد حبانا الله عز وجل في دول الخليج العربي بقادة يعملون على توفير الرفاهية لمواطنيهم، وإتاحة أسباب القوة والعزة والرفعة لهم، وبناء قدراتهم، فصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد يتكلم عن الاقتصاد والسياسة وكأنهما صنوان متلازمان، وكذلك الحال بالنسبة للأمير محمد بن سلمان، وسمو الشيخ محمد بن زايد وسمو الشيخ محمد بن راشد، وما نشهده من معدلات تنمية مرتفعة في هذه الدول إنما هو نتائج تلك الرؤية.

وإن ترك الناس يغرقون في مستنقعات الفقر والمرض والجهل يجعلهم عرضة للاستلاب من قوة خارجية، وها نحن نرى كيف دخلت إيران إلى اليمن مثلا من باب تقديم المساعدات وشراء الذمم والعقائد، وزرعت فتنة بين أبناء البلد الواحد، انفجرت فيما بعد وأخذت طابعا دينيا، وباتوا يضعون الأطفال على الجبهات ويعدونهم بالجنة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا