النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

تغريدة وزير الخارجية

رابط مختصر
العدد 10642 الثلاثاء 29 مايو 2018 الموافق 13 رمضان 1439

المفهوم القانوني للدفاع الشرعي عن النفس هو: (القيام بتصرف غير مشروع دوليا للرد على تصرف غير مشروع وقع ابتداء، وفي كلتا الحالتين -الفعل ورد الفعل- يتم استخدام القوة المسلحة، والدفاع الشرعي يستهدف دفع أو رد الخطر الجسيم من قبل المعتدي والعمل على إيقافه لحماية أمن الدولة وحقوقها الأساسية).

وبهذا المفهوم فإن (الدفاع الشرعي عن النفس) هو فكرة عرفتها جميع الأنظمة القانونية ومختلف الشرائع كحق طبيعي وغريزي، وقد نص قانون عقوبات الثورة الفرنسية عام (1791م) على أنه (في حالة الدفاع المشروع لا توجد جريمة مطلقا، ولذلك لا يحكم بأي تعويض مدني)، وهذا ما أقره قانون العقوبات الفرنسي القديم لعام (1810م)، وما أكدته من قبل الشريعة الإسلامية استنادا إلى قوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، حيث يعرف (الدفاع الشرعي) في الشريعة الإسلامية بـ (دفع الصائل)، وجاء في الحديث الشريف (من شهر على المسلمين سيفا فقد أحل دمه)، وهو الأمر الذي تبنته مختلف الشرائع القانونية والفلسفات الوضعية.

وكما ثبت هذا الحق في الأنظمة القانونية الداخلية، فقد أقر كذلك كمبدأ أساسي في القانوني الدولي الذي يعترف بفكرة (الدفاع الشرعي عن النفس) منذ وقت طويل، إذ نصت عليه الاتفاقية الخامسة من اتفاقيات لاهاي لسنة (1907م) الخاصة بحقوق وواجبات الدول والأشخاص المحايدين في أحوال حصول حرب برية.

كما أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة في نص المادة (51) التي تمتعت بموجبها الدول بحرية اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة بعيدا عن السلطة المركزية الدولية التي تحتكر استخدام القوة المسلحة في (مجلس الأمن الدولي) وذلك في حالة الدفاع الشرعي وطبقا للشروط المحددة لمشروعيته، كما اعترف الميثاق بإمكانية ممارسة الدول لحق (الدفاع الشرعي عن النفس) سواء بصورة فردية أو بأسلوب جماعي من خلال تضامن الدول مع الدولة المعتدى عليها فور وقوع العدوان ومن دون أن يبنى ذلك على تنظيم أو ترتيب مسبق، وذلك عندما يطلب المعتدى عليه المعاونة من الدول الأخرى ويلبى طلبه، وهو ما حدث في حرب الخليج الثانية عام (1990م) حينما طلبت حكومة الكويت الشرعية وبعض الدول العربية الخليجية معاونة دول عربية وأجنبية لدفع عدوان العراق على دولة الكويت ودرء احتمالات اعتدائه على دول خليجية أخرى. 

تأتي هذه المقدمة وما تضمنته من معلومات موثقة بسبب ما أثارته بعض الأقلام والأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات والصحف حول ما عبر عنه معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية مملكة البحرين في تغريدته بشأن حق الدفاع عن النفس حيث كتب بالنص: (طالما أن إيران أخلت بالوضع القائم في المنطقة، واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة ومنها إسرائيل أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر).

فأين المشكلة في ذلك؟ أليس من حق الدول الدفاع الشرعي عن نفسها؟ وأليس هذا المبدأ هو المبدأ الذي كفلته الشرائع الدينية والقوانين الوضعية ومبادئ الأمم المتحدة؟ ألا يعد هذا المبدأ أحد أهم ركائز إنشاء منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؟ أو أن هذا الحق يكون لدول دون غيرها؟ ومباح لدول تجاوزت الخطوط الحمراء ودعمت الإرهاب في كل البقاع وأطلقت الصواريخ على دول الجوار وتدخلت في شؤونها الداخلية باستغلال موجة (الربيع العربي) لتنفيذ مخططاتها باستخدام أذرعها الخبيثة لتحقيق مبادئ ثورة الخميني المنصوص عليها في الدستور الإيراني؟

إذن، ما هو الهدف من الهجمة الشرسة على تغريدة وزير خارجية البحرين وعلى شخصه الكريم؟ هل من أجل تقديم المبررات لدولة مارقة مثل إيران للعبث بأمن المنطقة والعالم كما تشاء، واستخدام كل أساليب الاعتداء على دول الجوار، واحتلال عواصم بعض الدول العربية ببساطة؟ أليس ذلك تدخلا واعتداء على حدود وحرمات الدول أي كانت؟! 

إن كل التصرفات الإيرانية غير المسؤولة، وتصريحات الاستعلاء والغرور لكبار قادة إيران السياسيين والعسكريين، وتدخلها العسكري الميداني في بغداد ودمشق وبيروت وغزة واليمن، وتحريك أذرعها التخريبية في البحرين والسعودية والكويت والمغرب، ورفض القيادة الإيرانية لدعوات دولة الإمارات العربية المتحدة ومبادراتها المتكررة لإيجاد حل سلمي لحل مشكلة الجزر الثلاث بالتفاوض الثنائي أو رفع القضية لمحكمة العدل الدولية للفصل فيها، كل تلك التصرفات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن إيران هي عمود الإرهاب والعنف والطائفية وانعدام الأمن والاستقرار في المنطقة منذ قيام نظام ولاية الفقيه عام (1979م).

لذلك، فإن ارتفاع الأصوات المعارضة لحق الدفاع عن النفس أمر يثير الاستغراب، فهل المطلوب إفشال الاتصالات والمفاوضات التي تقوم بها دولة فلسطين -التي تدير قيادتها من رام الله على أرض فلسطين المحررة- في سبيل التوصل إلى الحل النهائي لقيام (دولة فلسطين) وعاصمتها القدس الشرقية إلى جانب (دولة اسرائيل) في إطار مبادرة السلام العربية؟

 إن مبادرة السلام العربية التي أطلقها المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز في القمة العربية في بيروت عام (2002م) نالت تأييدا عربيا منقطع النظير لهدفها الساعي إلى تحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط بالدرجة الأولى، عبر إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية معترف بها دوليا على حدود عام (1967م)، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، لذلك فإنه لا غرابة في أن تكون لدول عربية علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل، كدولة قطر التي يوجد بعاصمتها مكتب إسرائيلي يمارس مهامه السياسية تحت الغطاء التجاري، والأردن ومصر اللتان تستضيفان سفارتي إسرائيل في عاصمتيهما القاهرة وعمان؟!

لقد أثارت تغريدة وزير خارجية البحرين غضب الكثيرين، إلا أن المتابع سوف يلاحظ بأن الذي أثار كل هذه الضجة هم من نصبوا أنفسهم مدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني والمتاجرين بالقضية الفلسطينية من أجل أهداف ومصالح سياسية وأحلام تاريخية، وهما تحديدا بلدان كان لهما تاريخ أسود مع الأمة العربية وشعوبها. 

(إيران وتركيا) اللتان وجدتا ضالتهما لتحقيق أهدافهما وبسط نفوذهما في أرجاء الوطن العربي الذي تقطعت أوصاله وضعفت كياناته وتمزقت مواطن شعوبه وأحوالهم وتعقدت أفكارهم ومعتقداتهم لتدين بالولاء للمذهب والقبيلة مما مهد الطريق للطائفية للسيطرة على الشارع السني والشارع الشيعي على حد سواء.

ولكن، لماذا هذه الحملة الشعواء على تغريدة وزير الخارجية التي تمحورت حول (حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها)، بقراءة واقع الأحداث وتطوراتها، نجد أن ذلك الأمر ما كان ليكن لولا:

أولا: كان هدف تغريدة معالي وزير الخارجية إلقاء الضوء على مبدأ عام وهو (حق الدفاع الشرعي عن النفس)، إلا أن جهات محسوبة على تركيا وإيران سعت إلى تحويل النظر عن الهدف الأساس من التغريدة واستخدامها لتأجيج الشارع العربي وزيادة انقسامه، بعد ان تكشفت العلاقات بين تركيا وإسرائيل ومنها اعتراف تركيا بالقدس عاصمة لإسرائيل وبعد أن وجدت إيران مؤشرات الوقوف أمام أحلامها وإعادتها إلى حجمها الطبيعي ودورها المحدود في المنطقة بعد انحسار (الربيع العربي) وشعاراته المزيفة حول المظلومية وحقوق الإنسان البراقة قد باتت تلوح في الأفق بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في (8 مايو 2018م) انسحاب بلاده رسميا من الاتفاق النووي.

ثانيا: شعور إيران وتركيا بأنهما ستفقدان ركنا أساسيا من أركان مخططاتهما التوسعية على اعتبار أنهما وريثتا الإمبراطورية الساسانية والإمبراطورية العثمانية وأن رسالتهما هي استعادة أمجادهما التاريخية التي تشكلت منذ نجاح ثورة الخميني ووصول أوردغان للحكم وانتهازهما الفرصة تلو الأخرى لتثبيت أقدامهما في عدد من الدول العربية، خصوصا وأنهما ادعتا زيفا بأنهما حماة القضية الفلسطينية والمدافع الأول عنها، لتسرقا دور مصر التاريخي ومواقفها السياسية والعسكرية الشجاعة ودخولها في حروب عديدة من أجل فلسطين منذ عام (1948م)، ودور المملكة العربية السعودية ودعمها اللامحدود (سياسيا وماليا) للفلسطينيين ودفاعها المستميت عن قضيتهم العادلة في كل المحافل الدولية كانسحابها التاريخي من جلسة مجلس الأمن الدولي لعدم تمكنه بآلياته الحالية من تنفيذ قرارته لحل قضية الشعب الفلسطيني بسبب الفيتو الأمريكي.

ثالثا: استغلال تغريدة وزير خارجية البحرين لزعزعة المشهد الفلسطيني ودعم الانقسام، وتمويل كل من خرج عن السلطة الفلسطينية الشرعية باستخدام عدالة القضية لتحقيق الأهداف الإيرانية الخبيثة، لذلك قامت إيران بتقديم الدعم المالي والعسكري لحركة حماس والجهاد الإسلامي، سيما بعد صعود حماس على منصة الحكم إثر فوزها بالانتخابات التشريعية عام (2006م)، ليتطور ذلك الدعم إلى إنشاء تمثيل دبلوماسي للحركة في طهران، مما أدى إلى فتور علاقة طهران مع (منظمة التحرير الفلسطينية) الممثل الشرعي لفلسطين والمعترف به دوليا.

ومن أجل بناء التضامن العربي الجديد على أسس ومعطيات جديدة تؤكد قدرة الأمة العربية على إدارة أزماتها وإيجاد الحلول السياسية لها وتعزيز مصالحها وحماية سيادتها الوطنية ورص صفوفها أمام التهديدات والأخطار المحدقة بها من كل جانب، أعتقد أنه قد آن الأوان لوضع النقاط على الحروف، والبدء في عملية تغيير وتجديد واسعة في العمل العربي المشترك، بإعادة دور (جامعة الدول العربية) السياسي والاقتصادي لتعزيز الوحدة والتضامن العربي الذي بواسطته وحده يستطيع العرب الوقوف أمام كل التهديدات والمخاطر الخارجية خاصة من إيران وتركيا. 

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا