النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

أول علامات الانتصار انتفاضة

رابط مختصر
العدد 10640 الأحد 27 مايو 2018 الموافق 11 رمضان 1439

أشاع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس موجة تشاؤم عربية، عمت معظم العواصم العربية، شابتها مسحة من اليأس تمظهرت فيما حملته وسائل الإعلام التقليدي والرقمي، من تحليلات وردود فعل، فاتها الالتفات نحو ردة الفعل الفلسطينية التي تمثلت في انتفاضة العودة. ويمكن تلخيص محتوى نزعة التشاؤم تلك في النقاط التالية:

•        جاء القرار غير آبهٍ بأي ردة فعل عربية متوقعة، وكأنما سيناريوهات الرئيس الأمريكي، لم تشتمل على احتمال مقاومة عربية مناهضة للقرار، شبيهة بتلك الانتفاضات العربية التي رافقت العديد من القرارات المجحفة بحق الشعب الفلسطيني، وحقوقه المشروعة التي اعترفت له بها قوانين منظمات دولية، من بينها الأمم المتحدة. فباستثناء انتفاضة الشعب الفلسطيني، جاءت ردود الفعل العربية باهتة وخجولة، ليس على المستوى الرسمي فحسب، بل حتى الشعبي منها، اللهم إلا إذا استثنينا الموقفين الكويتيين، في مجلس الأمم، والقمة الإسلامية.

•        نجح القرار، من وجهة نظر المتشائمين، في الضغط على مجموعة من الدول، من بينها بعض دول أمريكا اللاتينية في محاكاة واشنطن، والمسارعة بنقل سفاراتها إلى القدس، تحت أوهام وعود إسرائيلية بمساعدات مالية في حال إقدام تلك الدولة على تلك الخطوة المشينة.

•        النهايات التي وصلت لها الانتفاضة الفلسطينية، وهي ليست الأولى من نوعها، فرغم التضحيات الباهظة غير المسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني – الصهيوني، باستثناء ما تعرض له الشعب الفلسطيني في نكبة 1948، وهزيمة 1967، حيث تجاوز عدد المصابين الألفين، وبلغ عدد الشهداء السبعين. وبدلاً من أن تؤتي هذه التضحيات أوكلها، وجدنا العدو الصهيوني يضاعف من إجراءات قمعه، فلم تتوقف طلعات طائرات السلاح الجوي الصهيوني عن قصف المناطق السكانية الآمنة في غزة.

•        الأسوأ من كل ذلك، ان قرار النقل، وتلك التضحيات، لم تنجح في دفع الفلسطينيين إلى تجميد خلافاتهم الثانوية، والالتفاف حول قيادة موحدة. فما يزال الشرخ الفلسطيني، كما ترى هذه النظرة المتشائمة يشطر الجسد الفلسطيني، ويفسح في المجال أمام مشروعات صهيونية تمررها أيد غير يهودية، تحكمها مع المؤسسة العبرية علاقات مصالح تنفذ من خلال ذلك الشرخ.

غاب عن تلك النظرة المغرقة في تشاؤمها، والتي تروج لها وسائل إعلام عربية وأجنبية مجموعة من الحقائق التي يمكن سردها في النقاط التالية:

•        أن النضال ضد العدو الصهيوني، بطبيعته الاستيطانية، لا يمكن ان يسير في خط أحادي الأبعاد، وفي طريق مستقيمة. فهو على العكس من ذلك متعرج، وكثير الالتواءات، ويسير في أبعاد متعددة ومتعارضة. ومن ثم فمن غير المنطق، ولا المعقول أن نتوقع من الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة ان تجني ثمارها، وبشكل ملموس، في فترة زمنية قصيرة نسبياً، عندما يؤخذ الاعتبار قوانين الصراع الفلسطيني - الصهيوني، ودروبه. ومن ثم فصمود الانتفاضة هذه الفترة، رغم قصرها، والإصرار على تقديم التضحيات بشكل غير محدود، هما في حد ذاتهما مؤشرين قويين على أن كفة موازين القوى، ولو بشكل بطيء وضئيل، لم تعد مائلة بشكل مطلق لصالح الطرف الصهيوني، بل بدأت بالتحرك في اتجاه معاكس له. ومن تغب عنه مثل هذه النظرة البانورامية المتعددة الأوجه، هو الضحية المباشرة لقرار ترامب، والمكاسب الخادعة التي رافقته.

•        أن التراخي العربي الذي طفى على سطح ردة الفعل على ذلك القرار، ودون إعطائه أي من المبررات التي نقلت البعض منها وسائل الإعلام العربي، ينبغي أن يقرأ في ضوء الواقع العربي المتشظي، ليس على المستوى الرسمي فحسب، وإنما على الصعيد الشعبي أيضا وأولاً، وان يقوم مأخوذاً بعين الاعتبار ضخامة الهجمة التي تتعرض لها البلاد العربية، سواء من القوى الإقليمية او العالمية، ليس الكيان الصهيوني، سوى واحد منها، ثانياً وليس أخيراً. وبالتالي، فمن المستحيل مطالبة جسد تنخره الأمراض، وتتكالب عليه القوى المحيطة به، ان يمارس دوراً إيجابياً في صراع من طبيعة وحجم الصراع العربي – الصهيوني. لكن، وكما تشكل انطلاقة الانتفاضة خطوة صحيحة في الاتجاه السليم، كذلك تلوح في الأفق العربي ملامح تحولات جذرية بدأت اجنتها الأولى تتحرك في أرحام البلاد العربية المختلفة. وهو أمر، كما الانتفاضة الفلسطينية يبشر بخير.

•        أن الولايات المتحدة، ومن ورائها بعض القوى الدولية الأخرى، ومعها الكيان الصهيوني، لم تستطع أن تضفي على قرار النقل البريق الذي كانت تحلم به، ولا الدعم الدولي الذي كانت تبحث عنه. فعدد لا يستهان به من الدول الأوروبية الغربية أبدت امتعاضها من ذلك القرار، وضاعف من تعثر القرار الأمريكي الباحث عن تأييد دولي ضخم، وإن لم يكن ذلك واضح للعيان، موقف كل من موسكو وبكين.

مجمل ما سبق الإشارة له يشير نحو حقيقة واحدة، ربما تحجبها سحب اليأس العربي، وهي أن مرحلة جديدة من مراحل النضال الفلسطيني تدشن نفسها اليوم، رغما عن أنف آلة الحرب الصهيونية، وأن هذه المرحلة لها مقاييس مختلفة لم يعتد عليها فضاء الفكر العربي السياسي، بما فيه قسمه المعاصر. وأن هذه المرحلة تنبئ، دون أية عواطف، أن موازين القوى بدأت في التحرك لصالح القضية الفلسطينية. 

مرة أخرى، لا يعني ذلك أن الانتفاضة الفلسطينية سوف تحقق نصراً نوعياً ملموساً على العدو الصهيوني، ولا ينبغي ان تزرع هذه المقولة أية أوهام بجني مكاسب فلسطينية ملموسة في المستقبل القريب او المنظور، لكن ما يعنيه ذلك ان مقولة التفوق الصهيوني المطلق بدأت تهتز من جذورها، وعلى من يقودون معارك الصراع مع تلك الآلة الصهيونية، فلسطينيين كانو أم عرب، أن يضعوا هذه الحقيقة، عندما يرسمون استراتيجيتهم المستقبلية التي تعيد الحق لأصحابه.

وكما أن أول الغيث قطرة، كذلك الأمر بالنسبة للصراع العربي الصهيوني، أول الانتصار انتفاضة التي بدأت وخرجت من قمقمها، وليس هناك من في وسعه أن يعيدها أليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا