النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

افتتاح السفارة الأمريكية في مدينة القدس

رابط مختصر
العدد 10635 الثلاثاء 22 مايو 2018 الموافق 6 رمضان 1439

 نقل السفارة من العاصمة (الحالية) تل أبيب الى القدس (العاصمة المرتقبة) لم يكن مفاجأة من حيث التنفيذ؛ لأن هذا التنفيذ كان معطلاً من قبل الرؤساء السابقين، منذ صدور قانون القدس عام 1995 من قبل الكونغرس الأمريكي، ونص القانون على ضرورة الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية وأنه يجب نقل السفارة الامريكية الى مدينة القدس خلال فترة لا تتعدى خمس سنوات، وجاء هذا القانون الامريكي استجابة لقانون مدينة القدس الذي صدر بقرار من الكنيست الاسرائيلي عام 1980 الذي نص على أن القدس الموحدة (شرقية وغربية) هي العاصمة الأبدية للدولة العبرية. هذه قرارات تتعدى حدود القرارات الدولية الملزمة منذ فُرضت الدولة العبرية على الأرض الفلسطينية بقرار أممي صادر من هيئة الامم المتحدة حديثة الولادة بعد مخاض الحرب العالمية الثانية، وشيء من التاريخ لا بد أن نعرج عليه في هذا السياق بغية فضح نفاق الدول الكبرى التي أدخلت منطقة الشرق العربي في دوامة متواصلة من العنف والاٍرهاب والحروب بفرضها دولة غريبة في الوسط العربي، واتخذت من التضخيم الاعلامي لما يسمى المحرقة ضد اليهود وسيلة لتنفيذ الوعد الاستعماري المعروف بوعد بلفور، الاعلام الحربي والسياسي للدول المنتصرة التي كانت تصرخ متباكية في جميع المناسبات عن مجازر هتلر ضد اليهود، مع أن المجازر كانت ضد اليهود والغجر واليسار الألماني والشعوب التي غزتها النازية، وكان نصيب الروس من المجازر هو الأعظم، وفي الوقت ذاته كان الشعب الهندي في منطقة البنغال محروما من المنتوجات الغذائية التي أنتجتها يداه، وبقرار حربي - سياسي من قبل رئيس وزراء بريطانيا السير وينستون تشرشل تم تنفيذ جريمة تجويع هذا الشعب الذي استشهد منه جوعا أربعة ملايين إنسان إناثا وذكورا من جميع الفئات العمرية، مع أن الشعب الهندي أسهم في الحرب بجانب بريطانيا بجنود في أرض المعارك، وعندما علم تشرشل بموت الأربعة ملايين إنسان جوعا تندر بالسؤال الاستفزازي الوقح: «ألم يكن المهاتما غاندي بينهم؟»؛ هذا شيء من التاريخ المخزي الذي يكشف عن نفاق الذين كانوا يبكون على اليهود، بينما كانوا ينفذون جرائم ضد الانسانية في مستعمراتهم، فهتلر وتشرشل متعادلان في مسابقة الجريمة ضد الانسانية.
لقد رأينا قيمة أخلاقية في إدراج هذه الجزئية من التاريخ المغيب عن تفاعلات ونتائج الحرب العالمية الثانية التي تكشف عن نفاق فاضح في نهج ازدواج المعايير عند الدول الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا وأمريكا، وما تأسيس دولة إسرائيل إلا نتاج لنهج ازدواج المعايير، واليوم تتعدى الدولة الكبرى الأعظم على قرارات الامم المتحدة في احتفالية نقل السفارة الامريكية الى مدينة القدس التي هي موضع نقاش وتفاهم بين الأطراف المعنية قبل الاتفاق على الحل النهائي.
بعد تأسيس (فرض) دولة اسرائيل بعام واحد، 1949، أعلنت اسرائيل القدس عاصمة لها، لكن أمريكا عارضت ذلك الاعلان، وتبع ذلك الاعلان خطة أردنية لجعل القدس عاصمة ثانية في عام 1950، كذلك عارضت أمريكا هذا القرار، وبعد احتلال اسرائيل لبقية الاراضي الفلسطينية عام 1967 عارضت أمريكا قرار اسرائيل ضم القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية إليها، وقد اقترحت في حينه الولايات المتحدة أن يكون مستقبل القدس موضوع تسوية تفاوضية، وقد التزمت الإدارات الامريكية اللاحقة بهذه السياسة التي تصر على رفض الإجراءات الأحادية بشأن مستقبل القدس، منها الامتناع عن نقل السفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس. هذه المواقف الامريكية تتفق مع القرارات الاممية. لكن بعد مفاوضات أوسلو الثنائية السرية بين منظمة التحرير واسرائيل التي وأدت مؤتمر مدريد الدولي والإقليمي الطابع وبالتزام اممي، وتأسيس السلطة الفلسطينية، انفتحت الأبواب امام اسرائيل أولا للتوسع الاستيطاني، وأمريكا ثانيا لتخطي قرارات الامم المتحدة التي كانت هي ملتزمة بها سابقا (قبل أوسلو)، فجاء القرار البرلماني من الكونغرس الامريكي عام 1995 بقانون القدس الذي يفيد بأن القدس هي عاصمة اسرائيل وأنه يجب نقل السفارة الامريكية إليها في غضون خمس سنوات. تأخر التنفيذ إلى أن جاء السيد ترامب الى عرش الرئاسة في البيت الأبيض، وكان قد وعد في أثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الامريكية الى مدينة القدس، ونفذ ما وعد به، وهذا التنفيذ هو مناقض لمواقف أمريكا السابقة ومخالف للقرارات الاممية، فكان الاحتفال التاريخي الكبير، ليس بنقل سفارة أمريكا الى مدينة القدس فقط، بل بإهانة الأمم المتحدة وعدم إعطاء أي اعتبار للدول العربية والاسلامية، فالقرار الامريكي محرج للأمم المتحدة ومذل للعرب والمسلمين، ومدعاة للحيرة إلى درجة الخوف لدى الحلفاء الأوروبيين.
إسرائيل كانت قد أعدت العدة التي رأتها ضرورية لليوم التاريخي الذي ثبَّت القدس عاصمة لها، فكان حدثا سياسيا بامتياز، لكن العدة التي أعدتها واعتمدتها اسرائيل تخطت السياسة، فدثرت السياسة بعباءة الدين، عباءة مطرزة بخيوط التاريخ، هكذا كان الاحتفال والاحتفاء بفتح السفارة الامريكية في مدينة القدس، دين وتاريخ وتغييب للسياسة.
كلمة الرئيس الامريكي المتلفزة خلت من أي إشارة الى السياسة ولم تذكر أي دولة، لا عربية ولا أوروبية، سوى حق اسرائيل التاريخي والديني، وجاءت على ذكر «جبل الهيكل» أو قبة الصخرة، وقال ان البعض يسميها الحرم الشريف، وأشار إشارة عابرة الى التزام أمريكا بالسلام، وطبعا التعريف السياسي لهذا السلام في ظل الانحياز الامريكي المطلق لإسرائيل يعني الاستسلام للارادة الإسرائيلية. أما كلمة نتانياهو فقد كانت دينا وتاريخا بالكامل مع بعض العبارات باللغة العبرية، والتأكيد على أن الشعب الإسرائيلي قد عاد إلى بيته، وبتعبير صريح يفوح بنشوة الانتصار يفيد بأن الهيكل بيدنا، وقالها بالعبرية: (هَرْ هَبِيْت بِيَدِنُو)، وإمعانا في الدين والتاريخ، وجعل السياسة مداسا لهما، أصدرت إحدى المؤسسات التعليمية الدينية (مِكْداش) ألف عملة سُكَّت للذكرى والتذكير خصيصا لهذا اليوم، بقيمة رمزية تساوي خمسين دولارا أمريكيا. الوجه الأول للعملة دين بامتياز، إذ يتضمن هذا الوجه رسم حمامة بيضاء في منقارها غصن زيتون وهي عائدة إلى الهيكل (هيكل سليمان)، وعلى الحواف كلمات مقتطفة من الكتاب المقدس اليهودي سفر النبي اليهودي أشعياء (... كالحمام الى بيوتها...). وللعلم فإن الكتاب المقدس اليهودي مكون من ثلاث مجموعات، هي التوراة، أي الشريعة، والكتب وهي مجموعة كتب كتبها الأنبياء وتسمى بالعبرية «كِتوبيم»، وكتب الأنبياء وتسمى بالعبرية «نِبِيِّيْم». الوجه الآخر للعملة تاريخ متوج برمز ديني، التاريخ فيه يرسم صورة كورش الكبير، مؤسس الدولة الأخمينية الفارسية الذي أعاد المسبيين من اليهود من بابل الى القدس قبل 2500 عام، وبجانب كورش صورة الرئيس الامريكي ترامب الذي في عهده تم الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وعلى اليسار رمز الامبراطورية الفارسية؛ الأسد والسيف والشمس، على اليمين الختم الرسمي للدولة الامريكية؛ ويعلو الصورتين والرمزين الشمعدان اليهودي المقدس ذات الشمعات السبع، والمعروف عند اليهود بالمينورة، وهو الشمعدان الذي كان يضيئ هيكل سليمان وهو الآن شعار لدولة إسرائيل، والكتابة بثلاث لغات هي العبرية رمز لليهودية، والإنجليزية رمز للمسيحية، والعربية رمز للإسلام، وهكذا يجتمع ثالوث الدين على مدى التاريخ تحت ظلال الدولة العبرية مثلما تبتغيها الصهيونية العالمية؛ حب رمزي صهيوني بامتياز.
أمريكا أولا وإسرائيل ثانيا، وليس غيرهما لا كيان ولا أحد، احتفلا باليوم العظيم لهما وهو الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، إنه منعطف سياسي-تاريخي كبير له دلالات تتخطى فلسطين إلى البعد الدولي بعد الإطاحة بمكانة الأمم المتحدة، وهذا المنعطف من المحتمل المتوقع أن يمثل المعول الأول في حفر مقبرة الامم المتحدة، مثلما حصل مع عصبة الأمم الذي كان نتاجا للحرب العالمية الأولى، وموتها كان فاتحة للحرب العالمية الثانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا