النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

قراءة في بلديّات تونس 2018

رابط مختصر
العدد 10629 الأربعاء 16 مايو 2018 الموافق 30 شعبان 1439

 منذ شهر تقريباً لم يكن صوت يعلو في تونس فوق صوت (بلديات 2018)، وها قد طوت هذه المحطة الانتخابية الجديدة رسمياً صفحتها، ومرّت بسلام وبأخفّ الأضرار، لتفسح المجال للمحللين والسياسيين لقراءتها على ضوء نتائجها التي لم تكن مفاجِئة للبعض بقدر ما نزلت نزول الصاعقة على البعض الآخر. لكنها في العموم كانت برداً وسلاماً على مسار التحول الديمقراطي في تونس التي تبقى الاستثناء العربي الوحيد والجميل على درب التغيّر السلمي بفضل ما وصل إليه المواطن التونسي من حسّ مدنيّ ووعي سياسيّ وقدرة على الفهم والتمحيص.. فماذا أخبرت عنه الصناديق؟ وهل هي حقاً أصدق إنباءً من التحاليل والتكهنات وعمليات سبر الآراء التي سبقت الانتخابات؟. 

 أمّا أهميّة هذه الانتخابات البلدية فتكمن فيما أصبح يتوفّر للتونسي من ثقة في العملية الانتخابية؛ إذْ، ومنذ أن عُهِدت الانتخابات في تونس إلى هيئة عليا مستقلة، صار التونسي في مأمن من المسرحيات الديمقرطية الكاذبة التي كانت تُنفق فيها المليارات من أجل نتائج محسومة. أما اليوم فقد أصبح صوت الناخب التونسي ذا وزن ومعدوداً بل وحاسماً كما شهدت بذلك الانتخابات الرئاسية 2014م.

 أمّا مخرجات هذه الانتخابات فمجالسُ بلدية لها من الصلاحيات، التي كفلها لها الدستور الجديد ومجلة الجماعات المحلية المصادق عليها مؤخراً، ما يسمح لها بإدارة الشأن المحلي باستقلالية إدارية ومالية في القرار عن المركز طبعاً مع المتابعة والمحاسبة من مجلس نواب الشعب والحكومة. وهذه الوضعية الجديدة تعرف بالديمقراطية التشاركية من خلال المشاركة في الحكم المحلي عبر المجالس البلدية وهي صورة راقية وجديدة من صور الانتقال الديمقراطي في تونس. 

كما تكمن أهمية هذه الانتخابات كونها تأتي شهوراً قليلة قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019م، وعليه فهي بمثابة المحرار لقياس حجم الأحزاب السياسية ومدى ثقة الناخب التونسي فيها وفي قياداتها ولا سيما الحاكمة منها اليوم ونعني حزب حركة النهضة وحركة نداء تونس وحزب آفاق تونس القوى الأبرز في حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن وثيقة قرطاج. 

وإذا اعتبرنا أنّ معيار قياس نجاح الانتخابات عموماً هو نسبة التصويت العام للناخبين نلحظ جليا تراجع ثقة التونسيين في الأحزاب، إذْ لم تتجاوز نسبة التصويت 35% من عدد المسجلين في القائمات الانتخابية، وهذا أخطر ما يمكن أن يحصل لديمقراطية ناشئة مثل التي تعيشها تونس، فالعزوف عن المشاركة في محطة بهذه الأهمية في سياق ترسيخ مسار ديمقراطي مازال يخطو خطواته الأولى ويبحث عن محطات شبيهة ليزداد تجذّرًا على أرض الواقع، يُعدُّ مؤشراً خطيراً. لكن البعض، ومن هذا المنطلق (ديمقراطية ناشئة) اعتبر أنّ نسبة المشاركة محترمة في أوّل تجربة انتخابات بلدية حرة، أو حتى مقارنة بديمقراطيات عريقة في العالم. 

إنّ ما أفرجت عنه صناديق الاقتراع يبرز تراجع الأحزاب أمام القائمات المستقلة أوغير الحزبية (مجتمعة)، حيث فازت هذه القائمات بنحو 33% من الأصوات في حين لم تحصل حركة النهضة سوى على نحو 29% وحركة نداء تونس على ما يقارب 21%. كما لوحظ عزوف الشباب عن المشاركة في الإدلاء بأصواتهم في نوع من العقاب الجماعي للطبقة السياسية التي أخلت بوعودها الانتخابية 2014 ولا سيما في التنمية والتشغيل.

ولعلّ دخول المستقلين على خط التنافس الانتخابي يعتبر المعطى الأبرز حيث فازت قائمات المستقلين مجتمعة أمام أحزاب كانت تعتقد أنها «كبرى» ولا سيما حزب نداء تونس الذي فقَدَ قرابة 870 ألف صوت من جملة مليون و280 ألف صوت صوّتوا له في انتخابات 2014. ولئن كانت هذه القائمات المستقلة غير متجانسة فإنها قد بعثت برسالة مضمونة الوصول إلى هذه الأحزاب «الكبرى» وغيرها للقيام بمراجعات كبرى وهي على أبواب محطة انتخابية أكبر العام القادم. والمراجعة الدقيقة عمل حضاري يفترض أن تمارسه كل الأحزاب والقوى السياسية بلا استثناء وعلى قياداتها أن تنزل من عليائها وتلامس نبض المواطن ليعرفوا حقيقة آلامه وأوجاعه بدلاً من تجاهله وتهميشه. 

إنّ المجالس البلدية التي سوف تتشكل قريباً لن تكون في سياحة أو رحلة ترفيهية، وإنما ستكون مهمتها أصعب؛ ذلك أنّ أعضاءها سيكونون في مواجهة مباشرة مع مشاغل المواطنين لذا فهم مطالبون فقط بالنجاح في تحقيق كل الوعود الانتخابية حتى لا يفقد التونسيون نهائيا ثقتهم في الطبقة السياسية، وحتى لا يتحول ذلك الحلم الجميـل الذي حلم به الناس ذات 2011 إلى كابوس مرير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا