النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

طقوس عيد العمال !!!

رابط مختصر
العدد 10628 الثلاثاء 15 مايو 2018 الموافق 29 شعبان 1439

مازلنا في شهر مايو، حيث أول يوم فيه هو عيد العمال العالمي، والحديث عن هذا اليوم لا ينحصر في اليوم ذاته ولا في الشهر ذاته، بل أن عظمة هذا اليوم تقتضي من الكتاب والمفكرين البحث والتفكر فيه والكتابة عنه في أي يوم من أيام السنة، لأن لهذا العيد ثمناً دموياً دفعه عمال أمريكا واستراليا وكندا كنقاط انطلاق للحركات العمالية المطلبية، وهذا الثمن في ذروته كان بطش شرطة شيكاغو ضد الحركات العمالية عام 1886، وهي تطالب بحقها في تقليص ساعات العمل الى ثمان ساعات بدل الساعات التي كانت تتخطى الاثنتي عشرة ساعة كل يوم، فتفاعل بطش الشرطة الحامية للرأسمالية بدم العمال الذين لا حامي لهم سوى وعيهم وإرادتهم وإصرارهم على التصدي للجشع الراسمالي... فلم يأتِ هذا العيد هبة من دولة و لا مؤسسة للعمال بل سالت من أجله دماء العمال في مدينة شيكاغو، عاصمة الدولة الرأسمالية الرائدة و الكبرى، ومدن راسمالية أخرى... إن هَبَّةَ العمال في مدينة شيكاغو بالذات أحرجت رئيس الجمهورية وأربكت مجلس الشيوخ، وجعلتهم يراجعون حساباتهم ويرضخون للمطالب العمالية، وهي مطالب شرعية تقرها قوانين الطبيعة قبل قوانين البشر، وبفضل هذه المطالِب والنضال من أجل تحقيقها يتحقق كذلك تهذيب السلوك الرأسمالي أمام القوى المنتجة، ويتعلم أصحاب رأس المال كيف يوازنون بين الجشع والأمن، بين الربح والأجر، ولا يمكن لرأس المال أن يتعلم دون أن تتوالى الدروس عليه من نضالات القوى المنتجة (العمال والذين لا يملكون سوى طاقة عملهم... وفكرهم!!!) إن تواصل نضال العمال والفلاحين والحرفيين والموظفين وصغار التجار، وبدعم من المفكرين والمثقفين والمؤسسات الاجتماعية والأكاديمية هو السبيل الحضاري الوحيد الفاعل واللازم والمقتدر على كبح جماح جشع من بيدهم المقدرات الاقتصادية، والذين هم الطبقة الرأسمالية في عصرنا الراهن، وتفعيل الرقابة الشعبية من خلال المؤسسات الديمقراطية على الذين بيدهم حبك المعادلات السياسية في السلطة التنفيذية من أجل ضمان السلم الاجتماعي ومنه السلم الوطني والارتقاء بمفهوم السلم إلى معادلات السلام العالمي. وهذا يؤشر بوضوح أن الطبقات الإجتماعية التي في مجملها لا تملك وسائل الانتاج ولا هي في مواقع القرارات المصيرية في المطابخ السياسية، وهي التي تمثل القاعدة الأساس لكيان الدولة ومؤسساتها، تقع عليها مسؤولية تهذيب المهووسين جشعاً بالسعي وراء الربح بأي ثمن، وتوجيه أصحاب القرارات الوطنية في مطابخ السياسة، هذه مسؤولية حضارية لا يحمل شهادة التأهيل لها إلاّ هذه الطبقات الاجتماعية التي لا تملك من الوسائل شيئاً سوى طاقاتها الجسدية والفكرية، وهي المعنية بالحياة الكريمة للشعب في ظل الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي والوطني. هذه الطبقات هي الضامنة لسلامة الحضارة البشرية وهي الحامية الوحيدة لها، وأن نضالات هذه الطبقات الاجتماعية تمثل محطات على مسار التقدم، وكل محطة تستحق أن يكون لها عيد، وعيد العمال هو تمجيد لمحطة نضالية رائدة. 

إن لهذا اليوم تاريخاً يشع بوهج الحق من نور العمل، حق الإنسان المنتج والذي بدون وهج عمله لا دولة ولا مجتمع ولا حضارة، فلازم على جميع المؤسسات، الاقتصادية و السياسية والاجتماعية والبحثية وغيرها، إحقاق الحق لما يطالب به صاحب الحق، وصاحب الحق هنا هو ذاك الانسان الصامت العامل المنتج الذي يحمل ثقل الحضارة بما تحمل من دولة واقتصاد وثقافة ونَفَسِ الديمومة في الوجود. إن هوية العامل من فعل الإنتاج بالعمل قد تبلورت في كامل حلتها مع التحول من مجمل الانظمة الاقتصادية السابقة، التي أصبحت تاريخاً، الى النظام الرأسمالي الحالي، فالنظام الراسمالي السائد هو الذي بلور هوية العامل بفعل العلاقة الإنتاجية بين مالكي وسائل الانتاج والقوى العاملة من أجل إنتاج السلعة التي تتضمن عدداً من القِيَمِ (جمع قيمة) فصلها المفكر الكبير كارل ماركس في مؤلفه الموسع «رأس المال». 

إن أكبر نصر حققه نضال العمال هو رضوخ الاقتصاد الراسمالي والسياسة الديمقراطية لمطالب عمال شيكاغو بتخفيض ساعات العمل الى 8 ساعات، وليس هناك من نصر آخر منذ ذاك التاريخ يذكر ويمكن إضافته الى قائمة الانتصارات، رغم تحقق بعض الإنجازات، وليس انتصارات، مثل الضمان الاجتماعي ونظام التقاعد وبعض من الضمان الصحي غير المكتمل، وحالة هذه الطبقات بعد استقواء النظام الراسمالي، خاصة بعد فشل أول تجربة اشتراكية في الاتحاد السوفييتي، آخذة في التدهور خاصة مع تخطي الرأسمالية عتبة الإمبريالية العالمية الى عالمية العولمة وسيطرت راس المال على دفة السياسة. 

إن هذه العلاقة العكسية بين عالمية العولمة وانكماش الدور النضالي للعمال وحلفائه من الطبقات الاجتماعية الأخرى يطرح سؤالاً مؤلماً وهو: ما جدوى الاحتفال بعيد للعمال، وحال العمال من سوء الى أسوء ؟... المثقفون والأحزاب اليسارية وحتى اليمينية الدينية تتسابق لالقاء خطب التذكير والتمجيد وكتابة المقالات من موقع الالتزام الأدبي للتذكير بهذا اليوم المجيد، والعامل حاله اليوم أسوأ من حاله بالامس، وحاله في الغد على ظهر الغيب... ولا نرى في عيد العمال حضوراً فاعلاً للعمال أنفسهم، ولا نرى مع العيد رفعاً لشأن العامل ولا تطويراً لوضعه المعاشي و المعيشي... 

عيد العمال في حده الأدنى وعلى أقل تقدير، مثل بقية الأعياد، كان لا بد له أن يحمل في جعبته شيئاً ملموساً لجميع العمال، كأن تلتزم جميع المؤسسات التي يعمل فيها العمال بدفع راتب إضافي كامل كعيدية لجميع العمال، عندها يمكننا أن نسمي اليوم عيداً، وإلاّ فانه لا يعدو كونه مهرجاناً خطابياً تبرز فيه الأحزاب ويتبارى فيه المثقفون وبأفكارهم التي تتكرر كل عام وتواري إدارات المؤسسات سوآتها وراء لافتاتها... عيد أشبه بطقس من الطقوس التي تحوم بالهمهمات حول نفسها وهي تمجد أيقونات عفى عليها الزمن... ما هكذا يكون عيد العمال، فهذا العيد ليس كأي عيد، إنه ذاك العيد الذي بذكراه يتجدد الدم فيه، وترتسم على خطى ذكراه مطالب جوهرية جديدة يتحقق لها الانتصار كمثيلتها في القرن التاسع عشر في مدينة شيكاغو. ويتناغم قول المتنبي في ذكره للعيد مع المعنى الذي نبتغيه من عيد العمال في هذا البيت:

عيدٌ بأية حالٍ عُدْتَ يا عيدُ 

بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ... 

إن تحالف الطبقات الاجتماعية المنتجة في حاجة الى دراسة الواقع الانتاجي الذي تطور بفعل الأتمتة وبفعل الأساليب الإدارية الحديثة، وكيف أن إنتاجية العامل والموظف قد تصاعد وازداد قياساً بالمستويات الإنتاجية السابقة، وأن المعادلة الاقتصادية تسمح لتقليل ساعات العمل الى ست ساعات، وهذا لا يؤثر سلباً على المحصلة الاقتصادية، بل يساهم في إيجابيات كثيرة، منها تقليل مستويات البطالة ومعدلات الجريمة ويعطي العامل فرصاً للتعلم وللتفرغ لعائلته والعمل التطوعي في المجتمع، إضافة الى معدلات إنتاجية أعلى، وهذه كلها إنجازات اقتصادية وسياسية واجتماعية نوعية تساهم في دعم الاستقرار والأمن الاجتماعي والوطني... هذا هو المنعطف الجديد أمام العمال وتحالف القوى المنتجة الأخرى، وهذا يقتضي هندسة حراك نضالي جديد يواكب الواقع الجديد المتجدد، وتحقيق الست ساعات عمل في القرن الواحد والعشرين بعد قرنين من تحقق الثامن ساعات في القرن التاسع عشر يعتبر انتصاراً يعلو فوق الإنجازات، وعندها يغرس هذا الانتصار سارية بيرقه في ساحة التاريخ، ويستحق عيداً جديداً...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا