النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

قطر.. بين المطرقة والسندان

رابط مختصر
العدد 10628 الثلاثاء 15 مايو 2018 الموافق 29 شعبان 1439

وأخيراً أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في (8 مايو 2018م) انسحاب بلاده رسمياً من الاتفاق النووي الذي أُبرم خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما في (يوليو 2015م) بين إيران ومجموعة (5+1)، وأنهى تجميد الأصول الإيرانية المقدَّرة بحوالي (140 مليار دولار) من المصارف الأجنبية، وسمحَ ببيع النفط الإيراني في الأسواق العالمية، وفتحَ الأبواب للشركات الأمريكية والأوروبية للاستثمار في إيران، إلا أنَّ الأثر الأكبر والأخطر لذلك الاتفاق هو عدم تضمّنه أيّ إشارة لمنع إيران من صناعة الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية، لتحصل إيران بموجب ذلك الاتفاق على دور إقليمي واسع بمباركة أمريكية يحقِّق لها أحلامها التاريخية في فَرض نفوذها وبسط سيطرتها على المنطقة.

ورغم خطورة هذا الاتفاق، فإن التوصل إليه تمّ دون الأخذ في عين الاعتبار وجهة نظر دول مجلس التعاون المعنيّة مباشرةً بهذا الملف الحسَّاس، حيث اكتفت الإدارة الأمريكية السابقة بعقد اجتماعات شكلية لوزراء خارجية دول المجلس أو كبار المسؤولين -وقد حضرتُ عددا منها- وكانت تُقدِّم خلالها معلومات عامة وسطحية لسير المباحثات ووعود وتطمينات شفهية بكبح جماح إيران عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس، ليصبح ذلك الاتفاق هو الركيزة الأساسية لإعادة تشكيل (الشرق الأوسط الجديد).

إلا أن الانسحاب الأمريكي التاريخي من الاتفاق النووي، والذي رحَّبت به المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة وأيَّدت استئناف العقوبات المشدَّدة على النظام الإيراني، واكتفت كل من الكويت وسلطة عُمان بالإمساك بمنتصف العصا ولم تُحدِّد موقفها، بينما اتسمت ردة الفعل القطرية بالضبابية، فلم يتضمَّن البيان الصادر عن وزارة الخارجية موقفاً واضحاً من ذلك الانسحاب الذي ستكون له تأثيراته الجليّة على المنطقة التي تعاني الكثير من انتشار نقاط الغليان في سوريا والعراق واليمن وفلسطين.

فهل يمكن أن تصبح (أزمة الملف النووي الإيراني) طريقاً لحل الأزمة القطرية؟ وهل يمكن تطويع هذا القرار التاريخي لمصلحة منظومة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية)؟

كل المؤشرات الحالية لأزمة الملف النووي الإيراني تؤكِّد أن قطر تعيش في ورطة كبيرة جداً، حيث يبدو أن الأزمة القطرية -التي طواها النسيان خلال الفترة الماضية- ستعود إلى الواجهة من جديد في ظل التحركات الدبلوماسية لحلها عن طريق الوسيط الكويتي والضغط الأمريكي، وذلك على نحو يرضي الدول الأربع المقاطِعة والولايات المتحدة التي يهمها جداً إنهاء المقاطعة عن قطر وعودتها لمظلة مجلس التعاون، ولكن ماذا عن الموقف القطري من ذلك؟

إن تطورات الأحداث الأخيرة تتجاوز في أبعادها الملف النووي الإيراني، وتصل إلى حَد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وستكون الولايات المتحدة -لا محالة- في صفٍ واحد مع إسرائيل، لذلك يصبح دور دول مجلس التعاون محورياً في هذه المواجهة؛ لاستغلال هذه الفرصة لتدمير القوة النووية الإيرانية ووقف سياستها الساعية لخلق نفوذ عسكري وسياسي طائفي في الخليج العربي والشرق الأوسط.

والاستغلال الأمثل لهذه الفرصة الذهبية يتطلَّب إيجاد حل سريع للأزمة القطرية؛ نظراً لأهمية الوحدة الخليجية الأمريكية في مواجهة إيران، وللدور الاستراتيجي المتعاظم لقاعدة العديد الجوية في المواجهة المتوقعة، حيث ستلعب هذه القاعدة -ومقرها الدوحة- دوراً مؤثراً في خطة الهجوم على إيران ومفاعلاتها النووية، وقد تصل إلى إسقاط نظام الملالي وقيام حكومة إيرانية بقيادة زعيمة المعارضة (مريم رجوي) الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في المنفى.

تعرَّضت دول الخليج العربي -خلال التاريخ الحديث- للكثير من التهديدات والتحديات، حيث شعرَت بالخطر الذي يهدد استقلالها وسيادتها بعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس عام (1968م) وانكشاف الغطاء الأمني عنها وتزايد قوة وخطر دول شمال الإقليم في عالم يموج بتيارات عاصفة كالقومية العربية بقيادة عبدالناصر والبعث والشيوعية في سوريا والعراق، واتهام تلك الأنظمة العربية (التقدمية) دول الخليج العربي الحديثة الاستقلال بالدول (الرجعية)، إلا أنها تمكَّنت في الفترات اللاحقة من إثبات وجودها كقوة لها مكانتها ودورها السياسي والاقتصادي الإقليمي والدولي المؤثِّر على سير الأحداث في المنطقة، خاصة بعد إنشاء منظومة مجلس التعاون عام (1981م) وازدياد الطلب على النفط في الأسواق العالمية، إلا أن هذه المنظومة تعرَّضت لأخطر تحدٍّ ممكن أن يتسبَّب في انهيارها وهو الأزمة القطرية التي تفجَّرت في (5 يونيو 2017م) وتجاوزت تداعياتها جميع الخطوط الحمراء التي تحكم علاقات الأخوّة والدم والقبلية والمصير المشترك، فقامت الأقلام المأجورة والفضائيات وشركات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتفنَّنت بتأجيج الفتن إلى درجة عدم الاكتراث بالتحديات والمخاطر المحيطة بدول الخليج.

ورغم كل ذلك فإن مجلس التعاون الآن أمام فرصة ذهبية للعودة من جديد، والعمل بروح التعاون لكبح جماح إيران وطمس طموحها وغرورها إلى الأبد، وتحقيق المصالح المشتركة للحلفاء الاستراتيجيين في المنطقة، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟

يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال النقاط الآتية:

أولاً: إن عالم السياسة لا يعترف إلا بالمصالح، فقد توافقت مصالح (إيران وروسيا وتركيا وسوريا) وتعمل جميعها لتنفيذ أهدافها وحماية مصالحها ضاربة بعرض الحائط تطلعات الشعب السوري وأحلامه بإقامة دولة القانون والتعددية السياسية لتستمر الأزمة السورية وتوابعها المأساوية منذ (مارس 2011م) وحتى يومنا هذا, وما يؤكِّد ذلك أيضاً المقولة الخالدة لونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إبَّان الحرب العالمية الثانية بأنه (على استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل هزيمة ألمانيا) ويعني بالشيطان عدوه الأكبر (روسيا)، كل ذلك لتحقيق مصالح بريطانيا العظمى، وهذا ينطبق على ما يدور حالياً حول أزمة الملف النووي الإيراني.

ثانياً: لم يعد لإيران أيّ تأييد لدى الشعب العربي يمكنها أن تعوِّل عليه، خصوصاً بعد أن تجاوزت حدودها وتدخَّلت في شؤون الدول العربية وأشعلت فيها نيران الحروب والصراعات والفتن، وأكَّدت نواياها باستخدام الإسلام السياسي والطائفية لتحقيق مبدأ تصدير الثورة الخمينية وتشييع العرب السُّنة والسيطرة عليهم، أو بمعنى آخر (استعمار القرن الواحد العشرين) تحت شعارات المظلومية وحماية حقوق الإنسان بالتحالف مع تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي الذي يتفق في توجّهاته وأهدافه مع إيران.

ثالثاً: تدل مؤشرات الأزمة القطرية بأن طريق الحل لم يزل غامضاً رغم التحرّك الدبلوماسي المكثَّف في الفترة الأخيرة، الذي بدأ بزيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو للمملكة العربية السعودية في (نهاية شهر أبريل) الماضي وطلبه من الرياض إيجاد حل للأزمة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية القطري للكويت في (23 أبريل) الماضي حيث سلَّم صاحب السمو أمير دولة الكويت رسالة خطية من أمير دولة قطر، وقيام نائب وزير الخارجية الكويتي السفير خالد الجارالله -مؤخراً- بنقل رسالة من صاحب السمو أمير دولة الكويت إلى أمير دولة قطر في (2 مايو) الجاري، في توقيت يثير الكثير من علامات الاستفهام والتساؤل أهمها: هل الدوحة بدأت في تغيير سياستها والبحث بجدية عن حل في إطار قائمة المطالب الـ(13)؟ وهل الرسالة التي قام بنقلها نائب وزير الخارجية الكويتي إلى الدوحة تتعلَّق بخطة التحرّك المتوقع للوساطة الكويتية بما يحقق رغبة الجانب الأمريكي في إنهاء الأزمة؟

الرابع: من الضروري جداً في ظل هذه الظروف الخطيرة والاستثنائية، توحيد السياسية الخارجية الخليجية تجاه القضايا الدولية والإقليمية بما يضمَن حماية أمن ومصالح المنطقة، ويحقِّق الحَد الأدنى من التوافق لدور المجلس وسياسته كمنظمة إقليمية جامعة تجاه إيران.

أعتقد بأن التحركات الدبلوماسية الساعية لإنهاء الأزمة القطرية لم تكتمل بعد، إلا أنها تؤكِّد بلا شك بأنه قد أصبح من المهم أن تُدرك دول مجلس التعاون ضرورة استغلال هذه الفرصة التاريخية لتعديل مسار الأحداث التي تمر بالمنطقة بسبب التجاوزات الإيرانية غير المسبوقة وسياستها الطائفية الهادفة إلى مَدّ نفوذها في العواصم العربية وتحريكها لخلاياها وأذرعها التخريبية في البحرين واليمن والسعودية ولبنان وغزة وبغداد وسوريا والمغرب الذي يعتبر آخر ضحايا تصرفاتها المرفوضة ما أدى إلى إعلان المملكة المغربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران مطلع هذا الشهر.

لذلك؛ فإن المسؤولية الكبرى تقع الآن وفي هذه المرحلة الصعبة على عاتق قطر التي تعيش في مأزق حقيقي بسبب تنامي علاقتها مع إيران منذ بدء الأزمة في (يونيو 2017م) وارتمائها في أحضانها ووجود عناصر من الحرس الثوري على أراضيها من جانب، وعلاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، خصوصاً وأن أكبر القواعد الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط توجد في قطر.

وعلى مستوى المنظومة الخليجية، فعلى قطر تغيير سياستها والالتزام بالقرارات الخليجية الخاصة بإيران، وهي قرارات مُتَّفق عليها بإجماع قادة دول المجلس، وأن تعمل بشكل جاد لإنهاء الأزمة في إطار المطالب الـ(13) للدول المقاطعة، والتي تصبّ جميعها في صالح أمن واستقرار المنطقة عموماً، وتتركَّز على ضرورة إيقاف كافة أشكال الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين، وسحب القوات الأجنبية من أراضيها الذي يُعدّ وجودها خرقاً صريحاً للاتفاقيات الأمنية والعسكرية بين دول مجلس التعاون.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا