النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

التغيير من الأسفل أم الأعلى؟

رابط مختصر
العدد 10625 السبت 12 مايو 2018 الموافق 26 شعبان 1439

الصحيح والمنطقي أن يأتي التغيير في المجتمعات من الأسفل للأعلى، من القاعدة إلى القمة، حيث يرسم الناس شكل مستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي عبر قنوات دستورية متفق عليها كالبرلمانات والمجالس التمثيلية المنتخبة.

لكن هذا لا يحدث في عالمنا العربي مع الأسف لسبب بارز وواضح هو تراجع القاعدة الجماهيرية العريضة فكريا وثقافيا وتلاشي قدرتها على فرز قيادات وطنية تمثل بحق المصلحة العليا للأمة.

أنا لا اعتقد أن انتخابات تحصل في أي بلد عربي في الوقت الحاضر ستفرز نتائج تمثل مصلحة الناس، وحتى في أعرق الديمقراطيات العربية مثل لبنان يظهر لنا أنه من الواضح أن هذا البلد الذي اكتوى بنيران الحرب لسنين طويلة لن يكون مختلفا عن غيره.

في الماضي كان وعينا أكبر وثقافتنا أعمق، وكنا قادرين بشكل أكبر على تحديد الأهداف العليا لأمتنا، وما الذي نريد، كان الطريق أمامنا أوضح، ومن السهل جدا أن نحدد عدونا من صديقنا، أما الآن فلم يعد هناك اتفاق على المعايير والقيم، وباتت مفهوم الوطن والوطنية محل اختلاف كبير.

وأكبر دليل على ذلك ما حدث في دول ما يسمى بـ «الربيع العربي»، عندما استخدمت القاعدة الجماهيرية لتخريب أوطانها فيما هي تعتقد أنها تسير على طريق التغيير الذي طال انتظاره، وتنام على أحلام وطن ديمقراطي متقدم ينتفي فيه الظلم والفساد، لكنها تصحى على وطن متشرذم تعبث فيه الأيادي الخارجية من كل حدب وصوب.

وبقي الأمر كذلك حتى أتى قرار التغيير من الأعلى مرة أخرى بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن كاد أن يضيع، كما حدث في مصر.

اليوم تذهب القاعدة الجماهيرية للانتخاب وهي لا تعرف ماذا تريد من القائد؟ وتفرز الانتخابات «الديمقراطية» مرة أخرى قادة غير كفوئين وذوي مصالح حزبية فئوية وربما ارتباطات خارجية، في مشهد يؤكد مرة تلو أخرى أن القاعدة ليست مؤهلة.

ربما ما يخفف عنا مصابنا هو أننا لسنا وحدنا في هذا العالمين مصابون بداء اللامبلاة وتغليب المصلحة الفردية. تقول رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف في حوار صحفي أجري مؤخرا معها إن برامج التوعية الاجتماعية والاقتصادية وتطبيق سياسات ضريبية جديدة تطول النخبويين متزامنة مع برامج تنموية للفقراء خلال فترة حكمها، أسهم في سحب ما يقارب 38 مليون شخص من تحت خط الفقر، ودفعت بالبرازيل إلى خارج قائمة الدول الأكثر فقراً لأول مرة منذ عقود.

لكن المفارقة التي تسوقها سيدة برازيليا السابقة، هو أنه حين جاء موعد الانتخابات في 2016 لا أحد من الـ38 مليون فقير سابق أتى لنصرتها، الأمر الذي دفع حزبها لإجراء استقصاء اجتماعي للبحث عن أسباب غياب أصوات هؤلاء، وتقول روسيفا إن أغلب الإجابات التي حصلوا عليها من عينات الجمهور الذي استهدفته البرامج التنموية، حول أسباب تحسن أوضاعهم المعيشية وانتقالهم صعوداً للطبقة الوسطى، كانت ترد الأمر «لعناية الله» أولاً، ومن ثم يأتي ثانياً في سلم الإجابات «الاجتهاد الفردي»، وثالثاً «دعم العائلة»، ويأتي أخيراً «تقدير برامج الدولة المعنية» بهذه الشرائح.

في الاتجاه ذاتي يقول مخرج سينمائي أرجنتيني إن هيئة تنموية، كلفته مرة بإجراء فيلم تسجيلي عن إحدى المناطق الفقيرة، في بلاده، خصصت لها منحة مالية كبيرة نسبياً، لمعرفة كيف يرغب سكانها في إنفاقها، وكانت المناطق وفق وصفه لا صرف صحياً، ولا مشافي، ولا مراكز خدمات بلدية، ولا مدارس، ولكن بالطبع ثمة مخفر شرطة، وبعد أسبوع من العمل، تبين أن مجتمع المنطقة متفق في أغلبيته على أن ما يحتاجون إليه، أو بالأحرى ما يرغبون فيه، هو ملعب كرة قدم!.

في البحرين لدينا مشروع إصلاحي رائد أطلقه ويقوده جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وهو مشروع رسَّخ فيم الديموقراطية والمشاركة الشعبية في ظل نظام ملكي دستوري، إلا أن القاعدة الجماهيرية أو بعض منها استغل مكتسبات هذا المشروع في تنفيذ أجندة طائفية تتغذى من خارج الحدود، وحاول جاهدًا القضاء على التنوع في المجتمع البحريني، وأخضع السياسة للدين، ووصل به الأمر إلى الخروج للشارع لإعلان البحرين جمهورية إسلامية تتبع ولاية الفقيه!

ما حصل في البحرين في تلك الفترة شبيه بما يحصل في لبنان حاليا، حيث تستغل شريحة من الناس الديمقراطية التي رسم معالمها اتفاق الطائف في تكريس سيطرتها على البلد فكريا وثقافيا بل وعقائديا، وقضم المزيد من الأراضي شمالا باتجاه بيروت وطرابلس وغيرها فيما هي تدعي أن وجهتها هي الجنوب والقدس تحديدًا.

سنكون على موعد في البحرين مع انتخابات نيابية في شهر أكتوبر القادم، وأسأل الله أن نكون قد تعلمنا الدرس جيدا بعد خمس دورات انتخابية، وأن ندرك مسؤوليتنا في منح صوتنا لمن يحمل مشروعا وطنيا يضع مصلحة الناس والوطن في المقدمة، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

من المؤسف الإقرار أنه ليس أمامنا في ظل هذا الواقع البائس لوطننا العربي إلا أن نسأل الله عز وجل أن يهيئ لنا - بعيدا عن صناديق الاقتراع - قادة وطنيين يرأفون بحالنا ويروعن مصالحنا، وأن يوفر لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا