النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

ديانا الشيخ وأوسمتها الثلاثة

رابط مختصر
العدد 10614 الثلاثاء 1 مايو 2018 الموافق 15 شعبان 1439

لقد تشرفت وسعدت كثيرًا باستلام هدية قيمة ثمينة من السيدة الفاضلة ديانا الشيخ، والهدية كتاب من نسج أفكارها ومشاعرها التي أفرزتها رحلة مضنية مع آلام السرطان وتحدي هذا المرض الخبيث والإصرار على الحياة بروح الأمل؛ والكتاب قليل الصفحات، مختصر موجز مفيد من درر الكلمات، وخزينة من كنوز الدروس والمعاني والحِكَمِ؛ والكتاب الكُتَيِّبُ هو سِفْرٌ شبيه بسفر الأنبياء، يحمل رسالة الأمل إلى الذين يعانون آلام المرض ومعاناة المحن، يرسم نبوءة انتصار الخَيْرِ على الشر، وإرادة الصبر على آلام المرض، 

رسالتها، كشبيهتها من بقية الرسالات، تبدأ بديباجة الإهداء، بهذه الكلمات المكثفة التي تتنفس بالأمل: «إلى أولئك الأبطال الذين يناضلون في الخفاء... إلى تلك الأرواح الصامدة في معارك السرطان... إلى الأقوياء ألذين يهزمون المرض بصبرهم وكفاحهم... إلى المبتسمين رغم الآلام... أهدي هذا الكتاب»... وبعد هذا الإهداء تضيف صفحة الشكر ؛ تشكر الزوج والأبناء والوالدين والأخوة والناس جميعًا؛ فلم تستطع الآلام أن تحصر فكرها ومشاعرها في ذات نفسها ولنفسها، بل استطاعت أن تكسر حاجز الألم وتشارك المرضى معاناتهم وتوجب حق الذين حولها بالشكر اللطيف والثناء الجميل... فالنفوس الجميلة تنبعث منها عطر الرياحين... 

الكتاب يحمل خمسًا وثلاثين رسالة، وكل رسالة تضاهي أختها ولها قيمتها الذاتية، وكل رسالة هي نجمة في سماء الأمل، وجملة الرسائل كلها هي باقة ورد عطر من الأمل ؛ كان بودّي أن تتيح لي مساحة الكتابة، وهي مساحة محدودة، كي أقتبس من كل رسالة شذرة، ولكن لاستحالة هذه الرغبة، رأيت أنه من حق القارئ أن أنقل إليه ولو رسالة، فاخترت الرسالة الثانية والعشرين المعنونة «أنظر لما تفعل»؛ لم أختر هذه الرسالة بشكل عشوائي، ولكني اقتنيتها واخترتها إذ رأيت أنها «أُمُّ الرسالات»؛ وهذه هي كلمات هذه الرسالة: «إن سر الإنجازات العظيمة في الحياة يكمن في تكرار أفعال بسيطة، مما يعطيها قوة وثباتًا وأثرًا، لقد عرفت هذا السر واخترت لنفسي روتينًا لا أكسره إلاّ عندما يعييني المرض بشكل لا أقوى معه على الحراك. أزور أمي بانتظام، أدير شؤون منزلي، أقوم بجولات التصوير وأنشر الصور على الانستغرام، أشارك في معارض فنية (شاركت في معرض فني بخمس وأربعين لوحة فنية وهي تعاني من آلام المرض)، وأخطط لأنشطة اجتماعية، أتحدث مع مرضى في بدايات مرضهم لأوجههم وأخفف عنهم، أهتم بنفسي وبشؤوني الخاصة، وكلها أعمال ثمينة في محصلتها. لقد أصبح للأدوات البسيطة سحر خاص، ففرشاة الرسم أصبحت ترسم حياتي من جديد، وكاميرا التصوير أضحت تجمد في كل لحظة سعادة وإلهام محتفظة بمشاعرها وألوانها لتنقلها لعيون الآخرين طازجة حية، وقيادة السيارة صارت رحلة استكشافية يومية أبحث فيها عن الدهشة والسعادة. إن التركيز على ما أريد تحقيقه أكثر من الحياة لا على ما حرمني المرض من فعله، جعلني أتحرك بطاقة مختلفة تدهش من عايش مرضًا صعبًا كمرضي. أحاور نفسي دائمًا ماذا يعني لو أنني لم أشف بالكامل؟ ماذا يعني لو حملت آلامي معي إلى حيث سعادتي وفرحي؟ لا يزال هناك متسع لي في هذا العالم. ولا زال هناك ما أقدمه»... ومع نهاية كلمات هذه الرسالة أقف احترامًا وإجلالًا لهذه السيدة المناضلة التي أضاءت طريق التفاؤل والأمل لجميع المرضى، وعلى رأسهم مرضى السرطان... 

في رحلة الصبر على الألم، صبرت صبر أيوب، وكانت تفكر فيمن مثلها من مرضى السرطان وتضيف معاناتهم إلى معاناتها، وترسم في ذهنها خيوط الأمل لهم ولها؛ كم أنتي عظيمة يا ابنة الشيخ، تعانين آلام الغير من المرضى وأنت تصارعين خناجر الألم الذي يقض مضجعك... 

إنها تمسك بمجدافين، مجدافي الصبر والتفاؤل، في زورق الأمل يشق عباب الألم، في رحلة بحرها أمواج عالية ماجنة قاسية، تحوم حومة الأعاصير وتضرب ضربات الطوفان؛ تضرب الأمواجُ الزورقَ، فتأبى سيدة المجدافين إلاّ أن تتحدى تدفق جنود الأمواج، وبروح الثبات والصبر والإيمان والأمل وبالحق في النجاة والحياة تتصدى لهجمة الأعاصير وقسوة الطوفان، فلا الأعاصير تعي ولا الطوفان يدري أن المناضلة سيدة المجدافين هي أمٌّ تواجه المستحيل من أجل أن ترتسم ابتسامة مشرقة دائمة على وجوه أبنائها، وزوجة تناضل من أجل أن تكون ملازمة لصيقة برفيق دربها في رحلة الحياة، وهي ابنة وأخت في عائلة فاضلة كريمة يهمها بعث السعادة في ربوعها... سيدة النضال في زورق الأمل، البطلة الصابرة الصامتة في هذه الرحلة القاسية المجردة من أدنى صنوف الرحمة، إنها السيدة ديانا الشيخ التي شاءت الأقدار أن تمتحن قدرتها على التحدي ومدى تمسكها بالحياة وقوة إيمانها بربها بأن وجهت اليها ثلاث طعنات من خناجر السرطان، وكل خنجر يعبث ويتلهى في موقع الطعن ويُصَعِّدُ من حدة الألم وقساوته على النفس والجسد، وهي تصد وتتصدى وتتحدى في صراع مع خناجرالسرطانات الثلاثة، مصممة على دحرها وكسر أنصالها والانتصار عليها... حقًا إنها سيدة النضال ومدرسة في فنون النضال... 

إن الجميلَ الأصيلَ كريمٌ معطاءٌ لطيفُ المعشرِ، فكان لطف الكرم منها أن اختتمت جملة رسائلها برسالة شكر، «شكرًا لكم» تقول فيها: «لقد أخبرتكم عن آلامي، وعن بعض لحظات التعب والأمل التي مررت بها، وعن كل أفكاري والحِكَمُ التي تجلت أمامي. وإن كُنتُم قد وصلتم إلى هذه الصفحة فشكرًا لكم، لأنكم اخترتم أن تشاركوني تجربتي، وتساهموا في نشر رسالتي. إنني مازلت حتى لحظة كتابة هذه الكلمات أتعالج من سرطان العظم، بصبر وإيمان وثبات، وأعلم أن الله سيكتب لي كل خير في عمري، فقد وكلت أمري إليه. كلماتي أمانة لديكم، خففوا بها قلق من تستطيعون، وسلُّوا بها ضجر من تعرفون، واسردوها لمن يعانون. وإن أتممتم قراءة هذا الكتاب فادعوا لي بالتوفيق والرحمة، فما كتبته إلاّ ليستنير به من همه أمره وأمري، جعل الله الطمأنينة رفيق دربكم، ووفقكم لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين»... كان لا بد من نقل هذا القبس، خاتمة الشكر الرائع... 

هذا الكتاب، بجملة رسائله الحكيمة، إضافة مضيئة إلى ثقافة الأمل... وأملي ورجائي أن يدخل هذا الكتاب كل بيت وكل مدرسة، وطبعًا كل مستشفى، ومنها إلى كل قلب...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا