النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

مصـــر.. يا أم الدنــيا

رابط مختصر
العدد 10611 السبت 28 ابريل 2018 الموافق 12 شعبان 1439

كنت في رحلة عمل وساحة إلى مصر الأسبوع الماضي بعد غيبة طويلة عنها، وعدت منها بمشاعر وانطباعات إيجابية جدا مخالفة تماماً عن أفكاري السلبية المسبقة حول «مصر بعد الثورة».

فيما أنا في الطائرة إلى القاهرة كانت مشاعر القلق والتوجس تنتابني، كنت خائفًا من داخلي، أفكر في أحوال المصريين الصعبة، وشكل الأبنية والشوارع والسيارات، فمصر لم تعد عبدالناصر ونجيب محفوظ وأم كلثوم ودار الأوبرا والسد العالي وانتصارات أكتوبر كما هي ذاكرتنا، بعدما بات ذكرها مقترنا بمظاهرات ميدان التحرير ومشاكل سيناء وأزمة السكر كما يقول لنا الإعلام.

كنت أتوقع أن أجد معاناة كبيرة خلال هذه الرحلة، في صعوبة الإجراءات في المطار، وفي التنقل بالشوارع، ولدي هواجس بأنني قد اتعرض لاعتداء أو سطو هنا أو هناك، ولكن الواقع كان شيئا مختلفًا تمامًا...

ما أن نزلت من الطائرة ودخلت المطار من بوابته التي ازدانت بالآية الكريمة «ادخلوا مصر إن شاء اللـه آمنين»، وبدأت بالسير نحو الجوازات ومن ثم الجمارك حتى بدأت مشاعر الخوف والتوجس تتبدد في داخلي رويدا رويدا لتحل مكانها مشاعر الهدوء والاطمئنان.

كانت إجراءات المطار سهلة جدا وميسرة، والابتسامة تعلو محيا الموظفين وعلى شفاههم كلمات ترحيب حارة بالقادمين، وكأنني في بلدي البحرين أو في دبي أو دولة أوروبية، وفوجئت بحداثة ونظافة المطار، وعندما انتهيت من الجمارك ركبت سيارة الأجرة قاصدا الفندق في طريق آمن وميسر بل وسريع أيضًا.

حتى أن عددا من المدراء بشركتي الذين رافقوني في هذه الرحلة كانوا أيضا متفاجئين من سلاستها، رغم أننا كنا مسافرين عاديين، ولم تكن هناك أية ترتيبات خاصة لوصولي أو استقبالي كرجل أعمال لديَّ استثمارات في مصر.

من شرفة غرفة فندقي رأيت النيل، كان عظيما ساحرًا هادئًا غامضًا كما عهدته دائما، كانت الساعة قد قاربت السادسة مساء والشمس بدأت بالغياب، والناس تسير هنا وهناك بأريحية واطمئنان.

بعد كل ذلك أدركت أنه لم يكن هناك من داعي لمخاوفي، وأن نظرتي السابقة عن مصر خاطئة، وقلت في نفسي: الله، لقد ظلمتك يا مصر يا أم الدنيا.

في مساء ذلك اليوم ذهبنا إلى العشاء سيرا على الأقدام لمدة نصف ساعة على كورنيش النيل، شعرنا بطمأنينة كبيرة نفتقدها حتى في دول أوروبية كثيرة، تمنينا لو أن المشوار كان أطول.

صباح اليوم التالي كان لدينا اجتماع عمل في مقر شركتي «بروموسيفن» بالزمالك، وجدت أن زحمة السير معقولة حتى في ذروتها، وكأنني في دبي أو لندن، وبعد الاجتماع قصدت خان الخليلي، وهناك فوجئت بالحركة الكثيفة للمصريين والسواح من كل الجنسيات، الحركة على نفس وتيرتها المعهودة إن لم تكن أكبر، شعرت بنظرات الترحيب من الجميع في كل مكان.

وفي خان الخليلي رأيت المقاهي الشهيرة مكتظة بالناس كعادتها، وشعرت أن الأزهر الشريف أجمل مما كان، كان منظره بهيا يبعث على السكينة والهيبة كما لم يكن من قبل.

اشتريت بعض التحف والتذكارات من تاجري المفضل حمدي الضبع، ولا أخفي أنني لاحظت أن الحرف التقليدية وصناعة التحف لم تكن بنفس جودتها السابقة، ولكن أنا متأكد من أنها ستتحسن بعد أن تعود أفواج السياح أكثر فأكثر.

في اليوم التالي كنت مدعوا على العشاء في بيت شريكي العزيز ياسين منصور، ودارت أحاديث بيننا عن الأعمال والأحوال، وعلمت منه أنه بصدد بناء مدينة للذكاء الصناعي على مساحة مئة كليو متر مربع، تضم جامعتين ومدارس ومختبرات ابتكار وغيرها، وأدركت أن هناك من يخطط لبناء مستقبل مصر وأبنائها.

أجمل مشاوير الرحلة كان الطريق إلى منتجع «بالم بيتش» الفخم مرورا بمدينة زايد، وهي مدينة حضارية ضخمة مثل كل شيء في مصر، وعلمت أن نحو مليون شخص يعيش فيها، وأدركت من هذه المدينة مدى أهمية وضخامة الدعم الذي تتلقاه مصر من أشقائها العرب.

هناك مقولة تصح دائما تقول «أينما ذهبت مصر تتبعها المنطقة»، لذلك يجب أن تحرص الدول العربية على أن تبقى مصر على طريق السلام والاستقرار، وكلما زاد الدعم المقدم من الأشقاء العرب لمصر رأينا مزيدًا من التنمية الحضارية والثقافية والعلمية هناك، والتي ستنعكس الآن أو مستقبلا على الأمة العربية بمجملها. 

لا يمكن بالطبع اختصار الأحول في مصر من خلال رحلة رجل أعمال إلى بعض المناطق في القاهرة، لكن يمكن تلمس طريق نهضة صحيح تعيشه البلاد، وهناك أيضا ضواحي وأقاليم تحتاج إلى جهود تنمية جبارة، وطبقات متوسطة ودنيا تحتاج إلى مزيد من خدمات التعليم والصحة وفرص العمل، لكن بشكل عام يمكن التأكيد أن مصر صححت المسار وعادت إلى الطريق السليم، طريق الأمن والاستقرار وبوادر الازدهار.

لقد كان الربيع العربي خريفا مؤلما جلب معه الويلات والدمار للعديد من الدول العربية، لكن مصر تمكنت من الخروج منه بأقل الخسائر الممكنة، ومهما تآمر المتآمرون عليها ستعود لتنهض من جديد.

في طريق العودة إلى البحرين، نظرت من نافذة الطائرة مودعا وقائلا في قلبي: مصر يا أم الدنيا.. تحيا مصر!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا