النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

إيران والثورة والأمل بعد خيبة الأمل

رابط مختصر
العدد 10607 الثلاثاء 24 ابريل 2018 الموافق 8 شعبان 1439

لكل ثورة مميزاتها الوطنية (المحلية) التي ترتكز على ثقافة الشعب، ولهذه الثقافة جذور تاريخية وحضارية في أعماق تربة هذا الشعب، فمهما طرأت على هذا الشعب من تغييرات بفعل مؤثرات خارجية، فإن الثقافة تبقى راسخة في النفوس ومتحفزة لصون كيانها في نفوس الشعب، فثقافة الشعب مرادفة لروح الشعب، ويستحيل الفصل المطلق بينهما، حتى وإن فرض الفصل، فإن هذا الفصل يكون آنياً مهما طال الزمان... وهذه الثقافة بأصولها وتطوراتها هي الحاضرة في كيان الشعب على مسار الزمان. 

ايران المعاصرة، حالها حال غيرها من شعوب دول العالم وخاصة دول العالم الثالث والخامس، عاشت وهي تحمل إرث ثقافتها بين مد وجزر في ظل حكومات متعاقبة إلى أن استقر الحكم فيها في بدايات القرن الماضي لآل بهلوي الذين ساروا بالبلاد إلى وجهة لا تلبي حاجيات الناس، بل كانت تستهين بتلك الحاجيات إلى منزلقات الإجحاف بحقهم، فلا الاقتصاد كان في توزيعه عادلاً، ولا السياسة كانت عقداً اجتماعياً يتيح للشعب أن تكون له مشاركة في القرارات التي تمس مصير الشعب وأمن الوطن، فقد احتكر آل بهلوي وزبانيتهم من المنافقين والمتمصلحين على قرارات الدولة ومقدرات الشعب، فدفع هذا الوضع الشعب دفعاً حتمياً إلى خيار التمرد العام والثورة الشعبية، فانطلقت شرارات الثورة، وتزاحمت قوى متعددة واندفعت تفك قيود الخوف من نفوسها لتلبي نداء الواجب الوطني بالثورة ضد آل بهلوي الذين فشلوا في إدارة الحكم واحترام كرامة الشعب، فسقط عن العرش حكم مستبد فاشل وصعد على العرش حكم آخر متسلط فاشل... ومعيار الفشل هو مدى الهوة بين الحاكم والمحكوم.

ولكن الثورة بنتيجتها غير المأمولة وغير المتوقعة أفجعت الشعب وأرجعته قروناً إلى مخلفات الماضي. فماذا حصل مع الثورة وإِلَامَ صار مصير الشعب الذي بذل جهده ودمه من أجل ثورة تعيد إليه حقه وكرامته؟.. ماذا حصل لتحل على هذا الشعب الفاجعة؟..   

مع حموة الثورة وتزاحم القوى المختلفة سياسياً وايدولوجياً اندس حزب ولاية الفقيه في هذه الزحمة وتماهى مع أجواء الثورة، واستطاع أن يقود دفة الثورة لأن القوى الأخرى لم تكن مهيأة ولا مؤهلة لقيادة الثورة، وكان شعاره يتكيف مع الشعار العام للثورة، شعار يعبر عن إرادة التغيير في اتجاه دولة عصرية ديمقراطية ذات سيادة وحرية بعيدة عن الولاء للدول الكبرى وعن خدمتها. الحراك الثوري كان في اتجاه عصري ليبرالي لا عقائدي، لأن هذا الاتجاه العصري الليبرالي يتناغم مع ثقافة الشعب، وهذا الشعب رغم اعتناقه عقيدة دينية، إلاّ أنه مشبع في نفس الوقت بثقافة لها جذورها التاريخية والحضارية، ومتأثر بالمستجدات، بالديمقراطية والحكم الدستوري على الساحة الدولية، وإذا ما وضعنا الجانب العقيدي والجانب الثقافي في كفتي ميزان، فإن الترجيح هو للجانب الثقافي على مدى ما بعد المنظور، فثقافته متجذرة في تربته، بينما دينه وارد من خارج أرضه ولا علاقة له بتربته، وفي ظل فراغ ذاته من حكم ذاته وبسلطة من ذاته اقتضت ضرورات الحكمة في ظل الظروف المستجدة أن يتكيف مع السلطة الواردة والدين الوارد، فتماهى مع السلطة ولَبِسَ ثوب الدين الوارد إليه، ولم يكن له في ذلك من إرادة مسبقة، و لكن بفرض الإرادة عليه، فكان الحكم العربي -  الاسلامي ... فتغير، مع مرور الزمن، حال البلاد من حكم عربي - إسلامي مباشر إلى حكم إيراني - إسلامي، إلى حكم وطني على مسافة من الإسلام إلى أن حلت على البلاد بلاء الصفوية الواردة كذلك من خارج الحدود والتي زرعت مذهبية لها طابع طائفي بعيد عن الاختلاف الفقهي، يدعو الى الحقد والكراهية، وفرض المذهب قسراً، والصفوية كانت حالة شاذة في تاريخ البلاد ولكنها كانت ذات تأثير قسري فاعل أوجد ارتباكاً في عقيدة الناس وفي فهمهم لدينهم ومذهبهم، ومن طبيعة الأمور والأشياء أن الحالات الشاذة لا تدوم، وهكذا كان الحال مع الصفوية، ولكن آثار الصفوية بقيت في الذهنية العقيدية عند عامة الناس، وقد عمل بعض المفكرين الإسلاميين في ايران، أمثال علي شريعتي، على محو هذه الآثار من ذهنية الناس، إلا أن هذا الجهد في حاجة إلى تأثير كمِّيٍ زمني ومعرفي لتحويل الذهنية بعيدة عن آثار الصفوية... فكانت الثورة الشعبية تحمل في رئتيها أنفاس التحول المضاد للآثار الصفوية والمذهبية ذات اللون الطائفي بجانب صفتها التمردية ضد مظالم آل بهلوي، خاصة وأن حكم آل بهلوي جعلوا من البلد رهينة تحت إرادة القطب الرأسمالي في الحرب الباردة... وكانت الثورة تهدف التحول إلى دولة عصرية بمعاييرها الديمقراطية والحقوقية والقانونية... 

فكيف سارت الثورة بقيادتها الدينية - المذهبية، وإِلامَ صار مصير الشعب الذي كسر قيود الصبر وفجر الثورة؟ بمجرد أن انقشع دخان الثورة وسقطت سلطة آل بهلوي وعادت القيادة الثيوقراطية من مقرها في باريس إلى طهران، ارتفع الشعار الديني المطلق المرسوم باللون الأسود، تنطق به صرخات حناجر متشنجة بنغمة حماسية متفجرة: «الله الله الله ... اللهُ أكْبَرْ ... الله الله الله... خميني رَهْبَرْ...» (أي خميني القائد)... فكان هذا الشعار هو البيان الأول لدولة ما بعد الثورة، الذي كان مُخَبَّأً في صدر القيادة التي وثق بها الشعب ولم تكن أهلاً بتلك الثقة... كان الشعب بثورته يريد التقدم بالوطن إلى الأمام العصري المضيء، وكانت القيادة مُبَيِّتَةً النية لاستثمار طاقات الشعب وموارد البلاد للرجوع بالوطن إلى الوراء الحجري المظلم، فكشفت القيادة عن دستور لا يلبي طموحات الشعب، فحولت الدستور البهلوي ذات السمة الوطنية (الدستور الوطني)، إلى دستور خميني ذات سمة دينية - مذهبية مغلقة (الدستور الاسلامي)، وتفاسير نصوص هذا الدستور التي ترسم وظائف الدولة ومهمات الحكم تفيد بأن الشعب أداة بيد القيادة لتنفيذ أجندات الوصاية على الطوائف الشيعية في العالم، وبأن موارد الدولة هي في خدمة هذه الأجندات، وهي أجندات وهمية غير واقعية في طبيعتها، وكارثية على الشعب وعلى الأرض، فبهذا الدستور تحول الشعب المخدوع الى جند في جيش عقائدي، لا يسمع ولا يبصر ولا يحق له أن يتكلم، وتحولت موارد البلاد الغنية إلى مصدر تمويل، خدمة لقيادة تتوهم أنها الوصية الشرعية على الطوائف المذهبية التي تزعم وتدعي أنها تمثلها وتحميها، وهي بهذا الوهم تتوهم وهماً أكثر كارثية وهي الانتقال إلى نادي الدول العظمى بتاج ديني وصولجان مذهبي ... والشعب يَئِنُّ تحت وطأة عبثية هذه الأوهام ... ولكن إلى متى؟ فإن للأوهام مدى تتلاشى مع انقشاع الظلمة عن الأوهام بنور الحقائق، والانتفاضات الشعبية شبه الموسمية في إيران هي المؤشر بأن الفجر قريب وأن الوهم زائل لا محال ... ونور الحقائق كشفت عن رأب في الثقافة يفصل بين الحكومة والشعب...       

ففي ايران المسافة بين الشعب والحكم هي صدع واسع يتوسع يوماً بعد يوم من أزمة ثقافية حادة يستحيل معها رأب الصدع، ومن بديهيات هذا الصدع المتسارع في التوسع أن يخل بميزان شرعية الحكم، وليس من المستبعد، بل هو من المؤكد، أن يؤثر هذا الخلل في بنية الحكم نفسه ويحيله الى كتلة تتآكل داخلياً، فهي تأكل ذاتها بذاتها الى أن تهوى، وتصل إلى النقطة الحرجة من الضعف وفقدان القدرة على أدنى مقاومة، فيسقط الوهم، ويستعيد الشعب أنفاسه لبناء دولة عصرية تتناغم مع ثقافته المتجددة، ويطوي الشعب صفحة سوداء مظلمة ليفتح صفحة بيضاء ناصعة ... عندها ماذا سيكون مصير فلول الصفوية؟ لا ندري بالتحديد، ولكن الشعب ستكون له الكلمة الفصل في هذا الغم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا