النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

نحو استراتيجية جديدة مع روسيا

رابط مختصر
العدد 10572 الثلاثاء 20 مارس 2018 الموافق 3 رجب 1439

يلعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالنار بإعادته أجواء الحرب الباردة التي استمرت من منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينيات وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، واستغلاله لولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي تركَ الساحة مفتوحة لروسيا لتعيد مكانتها المفقودة كقوة عظمى بعد أن عطَّل العمل بالدرع الصاروخي ولم يتحرَّك لإنقاذ النظام الديمقراطي في أوكرانيا، وتركَ لروسيا حرية التصرّف في شبه جزيرة القرم لإعادتها إلى حدود الدولة الروسية بعد انفصالها عن أوكرانيا، وتنظيم الاستفتاء حول رغبة شعبها في الانضمام للاتحاد الروسي في (مارس 2014م) الذي اعتبرته الدول الأوروبية استفتاءً غير شرعي، ليزداد الوضع سوء عندما حقَّقت روسيا حلمها في الوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط بأقل تكلفة بعد تجربتها القاسية في أفغانستان عام (1979م) التي من أهم نتائجها سقوط النظام الشيوعي وانهيار الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية التي تدور في فلكه.

لقد تمكَّن بوتين من تحقيق حلمه في سوريا التي أصبحت منطقة نفوذ استراتيجي، فأقام القواعد البحرية والبرية فيها، واستخدم الصراع الدائر هناك كحقل تجارب لتطوير (80) صاروخاً روسيّاً، وهذا ما كشَف عنه في خطابه أمام البرلمان في (1 مارس 2018م) عندما قال: (إن العالم كلّه رأى قدراتنا ويعرف الآن أسماء كل أسلحتنا الرئيسية بعد عملية سوريا...).

تتشابك القضايا وتزداد تعقيداً بمرور الوقت وتقادم الأحداث وتشعّبها، فما الذي يجري في العالم؟ وما هي الاستراتيجية العالمية للحفاظ على تقدّم مستقبل البشرية التي تعيش حالة تدمير تام بسبب عدم اكتراث الأقطاب العالمية بنتائج سباق التسلّح النووي، وبعد أن طفَت مخاوف الحرب الباردة على السطح، وبات القلق من تطوير الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا لأسلحتها النووية هو المسيطر على جميع التحركات في ظل ترقّب عواقب ذلك على جهود ضبط منظومات الأسلحة في العالم، وبعد الانتهاك الروسي المباشر للاتفاقيات الدولية بهذا الشأن وأهمها (اتفاقية الأسلحة النووية متوسطة المدى) المبرمة بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف عام (1987م).

ووسط جسامة الأحداث وتواترها تبرز الأسئلة المحيّرة.. ماذا عن علاقة موسكو بالدول العربية الملتزمة بسياسة معادية لتحرّك روسيا في سوريا واليمن؟ وكيف يمكن لدول التحالف العربي في اليمن -وتحديداً السعودية والإمارات- أن تتعامل مع موسكو التي استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لقرار ضد الحوثيين؟ وكيف يمكن أن تتَّسق العلاقات (الروسية العربية) أو (الروسية الخليجية) في ظل هذه الأجواء المشتعلة؟

إن عدم التقاء استراتيجية المصالح بين الطرف (الروسي) من جانب و(الخليجي - العربي) من جانب آخر هو أهم أسباب هذه المواقف؛ نظراً لإدراك روسيا بأن الدول العربية ودول مجلس التعاون بشكل خاص لا تزال تعيش في فلَك السياسة الأمريكية، ولم تستطع طوال السنوات الماضية نزع المخاوف من النظام الشيوعي من حساباتها؛ لذلك نجد بأن هناك نفوراً تاريخياً ناتجاً عن اصطدام المصالح الروسية الأمريكية وتحكُّم الأيدولوجيات المتضادة بين الجانبين، رغم زوال العقيدة الشيوعية رسمياً وتحوّل النظام الاجتماعي في روسيا إلى النظام الرأسمالي الغربي.

لذلك فإن المنطق والواقع يحتِّمان على دول مجلس التعاون -بشكل خاص- إزالة أسباب النفور من روسيا، وبناء علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية متوازنة معها في إطار المصالح المتبادلة، وفي هذا السياق قد يكون من المناسب تفعيل (الحوار الخليجي الروسي) الذي يتَّسم حالياً بالتواضع والبطء في ظل تطورات هائلة ومقلِقة تشهدها المنطقة، وهذا يتطلَّب من دول مجلس التعاون الآتي:

أولاً: الإقرار بالدور الروسي الرئيسي في المشاركة في صياغة مستقبل المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً، خاصة بعدما ثبَّتت (روسيا) أقدامها في سوريا، وأصبحت طرف أساس لبحث وتنفيذ الحلول المطروحة للأزمة السورية، بعد تخلّي الولايات المتحدة الأمريكية عن دورها في المنطقة وانشغالها في ولاية الرئيس بوش الابن والرئيس باراك اوباما بالتخطيط والإشراف على عمليات قَلب الأنظمة العربية والخليجية بِما كان يطلق عليه (الربيع العربي) الذي بدأ أساسًا بأسقاط صدام حسين وإقامة النظام التعددي الديمقراطي في العراق الذي صوره الغرب بأنه سيكون نموذجاً ومنهجاً للأنظمة العربية.

ثانياً: الاعتراف بالتأثير الروسي القوي على إيران، والاستفادة منه لوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية الخليجية وترطيب العلاقات المتوترة معها، فلدى روسيا قدرة الضغط على إيران وكَبح طموحاتها الإقليمية ووضعها في إطارها الصحيح المتَّفِق مع مبادئ حُسن الجوار ومصالح دول الخليج، خصوصاً وأنه سبَق لروسيا وأن طرحت مبادرة للأمن الخليجي أثناء الجولة التي قام بها وزير خارجيتها لعواصم دول مجلس التعاون عام (2000م)، حيث تقوم تلك المبادرة على أساس مراعاة مصالح الأطراف الإقليمية والدولية كافة وربط الأمن في الخليج بالأمن في منطقة الشرق الأوسط مع وقف سباق التسلّح في المنطقة وإخلاءها من أسلحة الدمار الشامل، ما يعني إيجاد فضاء أمني خليجي مشترك وتقاسم النفوذ الإقليمي بين دول المجلس والجمهورية الإيرانية، وهو ما كانت تسعى إليه الإدارة الأمريكية بطريقة مدمرة عند توقيعها على الاتفاق النووي الإيراني الذي يؤسِّس لقيام نظام أمني جديد يضمن لإيران موقعاً يمكّنها من إملاء تفوقها في المعادلة الأمنية في منطقة الخليج.

لذلك فإن على دول مجلس التعاون ألاَّ ترى في الرغبة الروسية بالتواجد في المنطقة من خلال مبادرتها الأمنية وتدخلها العسكري في سوريا هاجساً مقلقاً يهدِّد أمنها، إنما يجب اعتباره ضرورة لإحداث التوازن الاستراتيجي من خلال تحلافات مع كافة القوى الدولية وما تفرضه الأوضاع وتطورات الأحداث وتداعياتها في المنطقة خصوصاً إذا ما تمَّ التعامل مع (الحوار الخليجي الروسي الاستراتيجي) بطريقة صحيحة، واستثماره ليكون مرتكزاً لوضع أسس جديدة للعلاقات الخليجية الروسية على الأصعدة كافة.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا