النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

رحل عنا العالِم الحقيقي ستيفن هوكينغ

رابط مختصر
العدد 10572 الثلاثاء 20 مارس 2018 الموافق 3 رجب 1439

بعد تَحَدٍّ صلب وصبر لا يَمِلُّ وعمل عقلي لا يكل وإيمان راسخ في العلم ومساهمات عبقرية فذة في علوم الفيزياء والفضاء والرياضيات، توفي سيد من سادات العلم، توفي العالم الكبير الجليل، نعم الجليل، ستيفن هوكينغ، وهو رغم وفاته الجسدي إلاّ أن إنجازاته العلمية ومساهماته في قضايا الانسان وآرائه الإنسانية في مستقبل الجنس البشري ستخلده في تاريخ الحضارة البشرية، فهو بصمة في العلم، وصفحة ناصعة منيرة في التاريخ، وعبقري، كرس عبقريته في العلم ودعم القضايا الانسانية، وكان يقول دوماً: «إني بعد لم أُكْمِلْ عملي»... مُقْعَدٌ شبه كامل إلاّ عقله النابض حيوية ونشاطاً والمتميز بوفرة العطاء العلمي العميق... في عمر الخامسة والعشرين أصيب بمرض التصلب الجانبي الضموري، ولازمه هذا المرض العنيد المتكبر مدة تفوق الخمسين عاماً، إلى أن جاء الموت لينتشله وينقذه من قبضات المرض المستبد، فقد استبد به المرض أكثر من ثلاثة أرباع عمره، فقاوم هذا المرض اللعين بروح من التفاؤل والمسؤولية تجاه البشر، فكانت إنجازاته تفوق قدرات الأصحاء..

إنه من النوادر بين البشر، فمرضه نادر وعبقريته نادرة وصبره نادر واصراره على العمل الذهني نادر، رغم أنه كان في حكم أشباه الموتى، لأن مرضه جعل المتعة الجسدية الغريزية بعيدة عن متناول إرادته و قدرته لتلبية حاجياته الطبيعية و الفطرية، كان مجرد عقل يفكر، وكان راضياً مطمئناً لهذا المصير المؤلم الذي أعجز علم الطب عن فعل أي شيء لتغيير مسار هذا المصير العنيد في قساوته و القاسيَ في أذاه، وكان أذاه للعالم الجليل تعطيلاً لكامل وظائف الجسد إلى أبعد وأشد آثار الشلل، إلاّ وظيفة العقل، تلك الوظيفة التي قدمت للعلم والانسان والحضارة إنجازات عظيمة، شلل كامل وعقل متحفز نابض، ولكن النفس أبَتْ إلاّ أن تتحدى المرض و آثار المرض وعناد المرض وعجز الأطباء، فأين صبر أيوب من صبر ستيفن هوكينغ.

في إطار هيكلية الذكاء فقد كان في أعلى القمة، قمة العباقرة، حيث سقراط وأرسطو وأفلاطون، وابن سيناء والرازي، وإسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين وتشارلز داروين وكارل ماركس وسيغمون فرويد، وفيكتور هوغو و طه حسين، وغيرهم وهم قِلَّةٌ نادرة... وللعبقرية مسارها الخاص بها فهي في رحلة متواصلة، لا تَكِلُّ ولا تستقر، فهي تتواصل صعوداً، وتبني وتواصل الصعود من محطة أدنى إلى محطة أعلى، وكل محطة هي أرقى من سابقتها، وهكذا فقد كان عالمنا الجليل ستيفن هوكينغ يعيب على العالم أينشتاين بأنه توقف عند معادلته المشهورة بالنظرية النسبية، والتي تربط العلاقة بين الكتلة والطاقة وآلية تحول الكتلة إلى طاقة بفعل السرعة، سرعة الضوء، و كيف أن لهذه النظرية محدوديتها، وهذا النقد لا يقلل من شأن أينشتاين، بل يعزز رحلة العلم، فبعد سنوات سيخرج علينا عالماً عبقرياً آخر ليضيف الى إنجازات ستيفن هوكينغ، وقد ينتقد بعض ما جاء به هوكينغ، نقداً بناءً يضيف الى ما جاء به سابقيه من العلماء ولا يلغيه. 

عالمنا الجليل هوكينغ لم يحصر اهتمامه في العلم فقط، بل أحس بوعيه العبقري ذات السمة الانسانية بضرورة الربط بين إنجازات العلم وكرامة الانسان، فقد ساهم و شارك في الجهود والمظاهرات التي ترمي الى مناهضة الحروب والغزوات، وقف ضد الحرب على العراق، وفي عام 2013 رفض المشاركة في مؤتمر علمي في اسرائيل، وذلك لأنه صاحب مبدأ إنساني يلزمه أخلاقياً أن يقف مع الضعيف ضد القوى، مع المظلوم ضد الظالم، كانت له مشاركات إجتماعية متنوعة تتدرج من مساعدة الأطفال وقرى الأطفال الى الدعوة للسلم والسلام العالمي. إن عبقريته كانت فذة ونادرة، نادرة حتى في وسط العباقرة، فهذا الانسان الذي أقعده الشلل التام لم يتخلى عن مسؤوليته الاخلاقية تجاه أبناء جنسه من البشر، فقد كان يحمل همومهم، ويطرح تساؤلات وآراء تمس صلب مصير الانسان على هذا الكون، كان يخاف على الانسان من الحروب و من ظلم الانسان للإنسان ومن حماقة الانسان في تلويث البيئة... (نشر هوكينج عام 2006 سؤالاً دون إجابة على الإنترنت مفاده: «كيف سيتمكن الجنس البشري من الدوام لمائةِ عامٍ أخرى في ظل عالم تملؤه الفوضى السياسية والاجتماعية والبيئية؟». وأوضح معقباً على السؤال فيما بعد بقوله: «لا أعرف الجواب. ولهذا السبب طرحت السؤال لأحمل الناس على التفكير في الأمر وليكونوا واعين إزاء الأخطار التي نواجهها الآن.»)... كم أنت عظيم يا عالمنا الجليل، مقعد مشلول شبه ميت يحمل هموم البشر، اشرت قبل هذه الكلمات أن معاناته تفوق معاناة أيوب، فأيوب لم يكن مشلولاً ولا مقعداً، ورغم هذا كان صبره صبر اليائس البائس، وكان دائم الشكوى والتذمر والبكاء، بينما هذا العالم العظيم، شبه الميت، تحدى وصبر وعمل وأنجز، وفوق كل هذا كان يحمل هموم البشر ومهتماً بسلامة الكون. ومن نصائحه للعلماء وقادة العالم عدم محاولة التواصل مع الكائنات الفضائية خارج كوكبنا، وكان خوفه من ذلك، أن تلك الكائنات إِنْ غزت الأرض فإنها ستفعل بالانسان مثلما فعل الأوروبيون بالسكان الأصليين في أمريكا، لقد كان هاجسه بشأن سلامة الانسان عظيماً. 

وحذر هوكينج من الدور المحوري للذكاء الاصطناعي فائق الذكاء وما قد يعنيه في توجيه مصير البشرية قائلاً: «إن الفوائد المحتملة هائلة... سيكون النجاح في إنشاء ذكاء اصطناعي الحدث الأكبر في تاريخ البشرية. وقد يكون الحدث الأخير ما لم نتعلم كيف نتفادى المخاطر». وكان يحذر العلماء من أن لا يسمحوا للإنجازات العلمية أن تتحول ذات يوم الى كارثة على الانسان وعلى الكون. 

إن هذا العالم الفذ في عبقريته لم يترك باباً لخدمة الانسان إلاّ دخله وأعطى ما أمكنه، فقد كان عضواً في الجمعية الملكية للفنون، ووسام رفقاء الشرف، والأكاديمية البابوية للعلوم، والجمعية الامريكية للفلسفة، والأكاديمية الوطنية للعلوم، والجمعية الملكية، والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلم... كان يؤمن بالعلم علم اليقين، ويقول إن قوانين العلم هي التي تدبر شؤون الكون، ورغم هذا اليقين الذي يناقض يقين الدين إلاّ أن بابا الفاتيكان كان يجله ويحترمه وكذلك الحال مع بقية المؤسسات الدينية في أوروبا وأمريكا واليابان وروسيا والصين والهند، ويكفي أنه كان عضواً فاعلاً في الأكاديمية البابوية للعلوم...

 هذا هو العالِمُ الحقيقي الأصيل، الذي يكرس فكره في ميادين البحث والتحليل وإنجاز كل ما من شأنه أن يوسع المعرفة ويدعم إمكانيات الانسان ويأتي بالجديد من أجل خدمة الانسان دون وصاية ولا ترفع عليه، وفوق كل هذا دون السعي من أجل المال والجاه، فقد كانت حياته متواضعة، وهذا التواضع في الحياة كان سمة العائلة كلها، فهو يعتلي عرش العبقرية النادرة في عائلة من الأذكياء، الذكاء الطيب النزيه، وليس الذكاء السيئ الخبيث... 

ما أن سَلَّمَ عالمنا العظيم روحه حتى فتح التاريخ صفحاته ليخط سيرة هذا الانسان العالم الفاضل بحروف من الإجلال والتعظيم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا