النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

حضارتنا مازالت مريضة بداء الحرب

رابط مختصر
العدد 10565 الثلاثاء 13 مارس 2018 الموافق 25 جمادى الآخرة 1439

الحروب وما أدراك ما هول الحروب، إن تجربة الانسان، المباشرة وغير المباشرة، مع الحروب علمته أن الحروب جُلَّها، وبغض النظر عن كل التبريرات التي تسوقها الجهات المتقاتلة، حماقة وعبث تنبعث من نَّفْسٍ أنانية جشعة مفرطة في اللاإنسانية تحت ذرائع معلبة، والحروب كلها لا تفرق بين جندي وعامل وفلاح وموظف وعاطل عن العمل ولا عن طفل ولا شيخ، الكل مستهدف بشكل مباشر أو غير مباشر، الكل عرضة للسحق تحت وطأة السلاح وبطش الجندي المقاتل. فالإنسان البريء في لُجَّةِ هذه الحماقة والعبثية مقتول مسحوق. 

كُنتَ مع عمرو أم مع زيدٍ فأنت مقتولٌ مقتول، ما دمت أنت مصنف ممن لا ناقة لهم ولا جمل في عبثية التطاحن بين الذين يسعون الى فرض الإرادات وبسط النفوذ والاستحواذ على مقدرات الشعوب في الحروب الإقليمية والدولية، أو الذين يطمعون ويطمحون ويسعون في الحروب الأهلية إلى إسقاط سلطة قائمة والتربع على عرش تلك السلطة، وبعد التمكن والانتصار يتربعون على جماجم زمرة كانت بالأمس تتلهى بسطوة السلطة، وليس هذا من نسج الخيال، بل حقيقة تَمَكَّنَ التاريخ من تسجيلِ بعضٍ من بعضها، أوَ لَمْ يبسطَ بنو العباس أبْسُطَ مآدب الطعام على جمامم أبناء عمومتهم من بني أمية، وهم قتلى، وأشباهُ القتلى فيهم يئنون من الألم ووجع النَفْسِ رجاءً في الموت، المهزوم المجروح يهوى من أعلى برج السلطة العاجي إلى القاع الشعبي الذي بالأمس كان يدوسه بتجبر وتكابر... هذا الذي علمتنا به الحروب بين الدول والحروب الأهلية، حروب الاستعمار وحروب قلب أنظمة الحكم، ووطأة التطاحن على البريء المقتول - المقتول في هذه الحروب أشد قساوة وسحقاً، سحقاً للجسد وللكرامة وللانسانية بتحقير الأخلاق والاستهزاء من مناقبه وتدنيس كل ما هو إنساني، نتيجة التجرد من الانسانية ومن أية عاطفة بفعل الجشع والأطماع الأنانية، وبتأثير التعود على الدم المسال والرؤوس المهشمة والأجساد المسحوقة والأعراض المهتوكة والأملاك المنهوبة دون رحمة في قعقعة التطاحن وتزاحم السلاح على السلاح وتراكم الأجساد على الاجساد وإحالة المدن والقرى تراباً على سطوح الأرض، هكذا تكون روح المتقاتلين وهم يقتلون بعضهم بعضاً... وهؤلاء الذين هم حِمْلُ الناقة والجمل يَقْتُلون ويُقتلون وهم على علم وقناعة بالأمر منذ أن بادروا بالتقاتل، فالمغامر من أجل السلطة يغامر ويخوض غمار المجهول، إما قاتلاً منتصراً مستحوذاً على صولجان السلطة، وإما مقتولاً مهزوماً مسحوقاً تحت سنابك خيول الانتصار.

 وكلا الطرفين وهم في خضم هذا التطاحن يقتلون ويدمرون بيوت وأملاك من لا شأن لهم في أسباب وأهداف تلك الحروب. هؤلاء الذين دُونَ ذنبٍ يُقتلون، لهم هوية، هَوِيَّةٌ اسمها «الشعب»، وهذا الشعب هو ذريعة التقاتل في الحروب الأهلية بادعاء تحسين حاله ورفع ظلم الاستبداد عن كاهله، وهو ضحية التنافس اقتتالاً على السلطة بين أسياد القوة والنفوذ، وهذا الشعب هو الذي يقاسي من حروب الغزو التي تستهدف مقدراته وكرامته وانسانيته والتي تُمْحِي الابتسامة البريئة عن وجوه أطفاله، كل هذه المآسي يعانيها الشعب، وذنب هذا الشعب أنه مرتبط بأرضه مثل جذور الشجر في أعماق التربة، وهذا الشعب هو الذين بدونه لا تقوم سلطة ولا حكومة ولا امبراطورية، ورغم هذه الأهمية فهو البساط الذي تطأه أقدام الطامعين إلى السلطة... 

لِمَ كل هذه الحروب رغم حماقتها وعبثيتها؟... هذه الحروب هي من أجل التملك المفرط في الملكية، والمُلْكِيَّةُ في حاجة الى وسيلة للذود عنها، و الوسيلة هي السلطة للتسلط، فالانسان ومنذ أن ذاق واستساغ طعم التملك والملكية الفردية الفائضة على أَضْعافِ أَضْعافِ حاجاته الأساسية وجملة من التمتع بعوامل الرفاه، وهو يتوسع ويتعمق في هذه الملكية، على المستويين الفردي والمؤسساتي، المؤسساتي بمعناه الحكومي وغير الحكومي... فكل الحروب التي خاضها الانسان ضد أخيه الانسان، ومنذ انبلاج النور عن فجر التاريخ، وهو يسعى الى الاستحواذ على أملاك الغير وفرض إرادته على الغير، من حروب القبائل والعشائر وتبادل الغزوات بينها، الى حروب الدول والإمبراطوريات، القديمة منها والحديثة، البربرية منها والمتحضرة، الاستبدادية منها والديمقراطية، كلها بدافع الجشع والأنانية، والانسان البريء (الشعب) هو الذي يتحمل المهانة الأعظم، هو الذي يُشَرَّدْ، هو الشاهد على قتل اطفاله واغتصاب زوجته وبناته، هو الذي يرى بيته مهدماً، هو الذي في ظل هذه المهانات يفضل الموت على الحياة... 

في مرحلة التوحش والبربرية كانت الحروب على ساحات محدودة محددة للقتال، وأثناء التقاتل كانت المدن والقرى بعيدة عن تفاعلات التقاتل، والسلاح سيف وخنجر ورمح، وكان القتال وجهاً لوجه، ولكن بعد انتهاء التقاتل فإن القائد المنتصر كان يرى من واجبه أن يكافئَ جنوده باستباحة مدن المهزوم وقراه، وتلك الاستباحة كانت في عرف الحروب تعني أن يفعل الجنود ما يشاؤون في تلك المدن والقرى من نهب للممتلكات وقتل للسكان الأبرياء واغتصاب للنساء والفتيات والاستمتاع بتعذيب من يستهوون من الرجال والنساء والأطفال... وبفعل هذا العرف في الاستباحة فقد محيت مدن وقرى من سطح الأرض بمن عليها، وندرة من القادة العسكريين، والذين كانوا يتمتعون بشيء من الحكمة، كانوا يستنكفون عن جريمة الاستباحة...

أما اليوم ونحن في مرحلة الحضارة، وهي أعلى مرحلة في تاريخ الانسان، وعصر النور والتنوير، وأنظمة الحكم الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير وتطور الفكر الانساني والحقوقي، فإن الحروب الحمقاء والعبثية مازالت تجري دماؤها جريان الماء في النهر. الفارق بين حروب البربرية وحروب الحضارة، فارقٌ يتعاكس مع العلاقة بين البربرية والحضارة، فرغم أن الحضارة أرقى من البربرية إلاّ أن همجية الحروب الحضارية العصرية هي أشد بطشاً ودماراً على الانسان وهدراً لكرامته من قساوة الحروب في المرحلة البربرية، وإذا ما وضعنا للمعاناة مقياساً بين الواحد والمائة، يمكننا أن نستقرأ من آثار الحروب، أن المعاناة في ظل البربرية كانت في حدود الخمسة الى الخمسة عشرة، بينما المعاناة في ظل الحضارة يتعدى القياس بشأنها نقطة الثمانين، قياساً على تفاوت الحماقة وآثارها العبثية. ففي ظل الحضارة وبفضل التقدم العلمي فإن نوع السلاح قد تطور إلى قدرات الإبادة الجماعة بضغط من أصبع يد ناعمة هزيلة على زر لقنبلة نووية او جرثومية او كيميائية أو هيدروجينية، إضافة الى الأسلحة الميدانية الفتاكة من رشاشات وبنادق متطورة ودبابات وطائرات ومروحيات وراجمات الصواريخ، وليست هناك ساحات محددة محدودة، بل أن كامل أرض العدو مستهدفة بكل ما حملت من حجر وشجر وبشر، والمحارب يقتل من بعيد ولا يعرف من المقتول وكم عدد القتلى، كل هذا ليس مهماً في عرف حروب الحضارة، طائرات يفوق سرعتها سرعة الصوت تجول في السماء وتمطر كامل الأرض بما تحوي من قنابل الدمار، وحتى في عمليات الرصد والقنص لبعض فلول جند العدو باستخدام الطائرات المروحية، فإن القتلى والجرحى من المدنيين يكون أضعاف عدد الجنود المستهدفين في عمليات القنص، وكل يوم تبث قنوات الأخبار عن عمليات لجيش الناتو في أفغانستان وللجيش الأمريكي في العراق وللجيش الفرنسي في أفريقيا وهي ترصد عدداً من المحاربين المستهدفين بين جموع من الناس وفي لحظة الرصد المؤكد يضغط الطيار على زر أحمر وتنهال القنابل كالمطر على المنطقة التي يتواجد فيها المحارب المستهدف، وطبعاً يرافق المحارب القتيل عشرات او مئات من المواطنين الأبرياء، وهذه الخسائر البشرية، وهم من غير المقاتلين يطلق عليهم مصطلح collateral damages أي الأضرار الجانبية، قتلى بالمئات والألوف، يُعَنْوَنُونَ بـ«أضرار جانبية» وليس بـ«ضحايا بشرية»، وذلك من أجل التمويه على جرائم الحرب وخداع الرأي العام الوطني والإقليمي والعالمي، فعندما نقرأ الصحف اليومية، نقرؤها بنفوس هادئة لأننا لا نقرأ أي شيء عن «ضحايا بشرية» بل عن «أضرار جانبية»، هكذا يدير سادة العالم اليوم الحروب، والحروب جرائم ضد البشرية، ولكن هؤلاء السادة الكرام يطمسون آثار تلك الجرائم بحذلقة اللغة عبر وسائل الإعلام التي يملكونها ويديرونها ويوجهونها...  وشعوب العالم، بضميرها الانساني، لا تنسى أبداً المجزرة النووية التي أهدتها الحضارة العصرية الى الشعب الياباني في مدينتي هيروشيما وناغازاكي، طائرة كانت محملة بنيران جهنم معلبة في قنبلة نووية كانت تحوم في سماء المدينتين، وما كان على الطيار إلاّ أن يضغط على زر أحمر أمامه وفي ثوانٍ معدودة تنمحي مدينتين من على سطح الأرض ويتبخر من على سطح كل مدينة قرابة المائة ألف إنسان، هويته «الشعب»... هذه هي هدية الحضارة (للشعب) للبشرية... إذاً ما الذي اكتسبه الشعب من الحضارة وهو محشور بين الطامعين إلى السلطة السياسية أو الساعين إلى بسط النفوذ الإقليمي أو الدولي؟... لم يكتسب الشعب المكاسب التي تدعيه الحضارة، وإن الذي اكتسبه لا يتعدى ذاك الفتات من الخبز الذي يتساقط من فم الأسياد... فالحضارة وُلِدَتْ مريضة، وهي في حاجة الى علاج ودواء حتى تكتمل عافيتها وتستطيع عندها أن تقول للحروب كفى، وتمحي الظلم والاستبداد عن كاهل الشعب...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا