النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

تحفيز الموظفين أم ترهيبهم؟

رابط مختصر
العدد 10562 السبت 10 مارس 2018 الموافق 22 جمادى الآخرة 1439

أذكر ذات مرة أنني أمضيت بضع ساعات في مكتب أحد شركائي التجاريين، بدا لي أن هذا الرئيس التنفيذي يبذل قصارى جهده ويمضي جل وقته في مراقبة موظفيه والتجسس على ما يفعله كل واحد منهم، متحينًا اللحظة التي يمكن له فيها ضبط أي موظف بالجرم المشهود عند ارتكابه لأقل خطأ، ومن ثم يتلذذ في تعريض هذا الموظف لسيل من الشتائم والتأنيب أمام زملائه البسطاء، وكل ذلك يحدث في جو يحني فيه الجميع رؤوسهم أسفل ويتسمرون خلف مكاتبه لتجنب جذب الانتباه، وفي الحقيقة لا أستطيع أن أتخيل أي نوع من الجحيم كان يسود ذلك المكان، حتى أنني عندما تركته خلفي بعيدًا شعرت أنني استنشق هواءً نقيًا من جديد.

إن تشكيل بيئة عمل سلبية يبدأ من أعلى المستويات، ولقد تحدثت إلى العديد من أصحاب الأعمال الذين لديهم اعتقادًا راسخًا بأن الموظفين يعملون فقط بشكل منتج في مناخ من الخوف والرعب، لكن هذا النهج السام يصيب الجميع بالعدوى، فالرئيس التنفيذي يُغرِق مرؤوسيه المباشرين بالرعب والفوضى الناجمين عن أوامر لا هدف منها سوى تفريغ غضبه وإرضاء غروره، هؤلاء المرؤوسون مطأطئو الرأس يخرجون من مكتب صاحب العمل يملأهم الغل والحقد والغضب المكبوت، ليفرِّغوا تلك المشاعر السلبية والاحتقان في زملائهم بالإدارات الوسطى، وصولاً إلى الشريحة الأوسع من موظفي الإدارات الدنيا، ومسؤولي التنظيف وإعداد الشاي، والذين غالبًا ما يتلقون المعاملة الأسوأ على الإطلاق.

لا يوجد شيء أقبح من مكان عمل يستثمر الموظفون فيه جميع طاقاتهم في تسجيل النقاط ضد بعضهم البعض، والتقليل من شأن زملائهم، وتقويض صغار الموظفين، وهذا بالتأكيد ليس مكانًا يمكن للمرء أن يتوقع فيه وجود عمل مبتكر حقًا.

صحيح أن الإدارة العليا في بعض الأحيان تحتاج إلى قرع جرس إيقاظ بين الفترة والأخرى، وتنبيه الموظفين غير المنتجين، ومنع بوادر القصور، ومع ذلك، يبقى الخطر هو عندما يصبح أسلوب الإدارة العدواني والاستبدادي هو القاعدة.

تتمحور أعمالي حول الموظفين المبدعين - المصممين والفنانين والمبتكرين والمخططين - الذين يضيفون قيمة حقيقة للعمل من خلال أفكارهم وخيالاتهم، وبصفتي رئيسًا لمثل هؤلاء المبدعين، اكتشفت بسرعة أنه عندما يكون هناك توتر في الأجواء تجف الأفكار فورًا وتطفأ شرارة الإبداع.

عندما يعمل الموظفون في جو من الرعب سيشعرون بالخوف من طرح أفكار جديدة أو غير تقليدية؛ لأن الاقتراح الخاطئ سيعرضهم لغضب رؤسائهم وسخرية أقرانهم. صحيح أنه ليس كل مبادرة يقدمها موظف ما جديرة بالاهتمام، ولكن يجب أن نكون بنائين في تلقيها وتنقيحها وتعزيز ثقة مقدميها وتشجيعهم على الاستمرار.

من خلال التهديد والصياح في موظفيك، ربما يمكنك زيادة الإنتاجية لبضعة أيام، لأنك ستولد اندفاعًا مؤقتًا لمحاولة استرضائك، ولكنك ستحصل حتمًا على نتائج عكسية على المدى الطويل، والموظفين سيخافون إخبارك بأي مشكلة، ولن تكتشف هذه المشكلة بنفسك إلا عندما تصبح أزمة حقيقية.

في بعض فروع شركاتي في السنوات الماضية وعندما اعتمدت على إدارة تنفيذية خاطئة، اختفى ألمع وأفضل الموظفين ورحلوا إلى وظائف أخرى، وتركوا وراءهم فقط الموظفين الذين يفتقرون إلى المواهب والدافع للعثور على عمل في أي مكان آخر، وبالتالي أصبح مكان العمل متوترًا تنعدم فيه الانتاجية.

نعلم تمامًا أن مؤسسات القطاع الخاص التي تعمل بشكل جيد تقدر قيمة موظفيها، مقابل وجود العديد من المؤسسات سيئة السمعة يريد الجميع تجنبها، وآخر شيء تريده هو سمعتك السيئة بسبب سوء إدارتك لموظفيك، لأنه يصبح حينها من المستحيل الحصول على أفضل الموظفين في المستقبل والعمل بالنسبة لك. على سبيل المثال، يكافح البيت الأبيض تحت إدارة دونالد ترامب لملء شواغر المناصب العليا بسبب الخلل الوظيفي والفوضى هناك والرئيس الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته التي تبقى عرضة للتراجع وتقلب المزاج، وعندما نجد أن أقوى مكتب في العالم لا يستطيع إيجاد موظفين فإن هناك بالتأكيد مشكلة واضحة!

استخلاص أفضل ما في الموظفين من عطاء يتطلب منحهم الحوافز الملائمة، وليس مجرد مسايرة أهواء المدير، ويجب أن تكون الضغوط على الموظفين بنّاءة، وبدلاً من مجرد الصراخ والتخلي عن الموظفين ذوي الأداء الضعيف، يجب أن يعرفوا بالضبط ما هو متوقع منهم وأن يفهموا ما هي المعايير التي سيتم من خلالها الحكم على أدائهم.

لقد أثبتت لي عقود من الخبرة في إدارة الموظفين أن بيئة العمل السعيدة يمكن أيضا أن تكون بيئة عمل منتجة. في الواقع، عندما تنجح في غرس مناخ عمل منتج وخلاق في شركتك، فإن موظفيك يغادرون مكاتبهم وهم يشعرون بقدر أكبر من الارتياح بأنهم حققوا شيئًا، ويقدرون وجود إدارة تكافئ الإنجاز بشكل صحيح.

كثيرون منا ينفقون نسبة أكبر بكثير من حياتنا في أماكن عملنا أكثر مما هو الحال مع أسرنا، ونحن نستثمر قدرًا هائلاً من الطاقة والإمكانيات من أجل جعل منازلنا بيئة دافئة ومحبة ومحفزة، فلماذا نحن غالبًا ما نفشل في القيام بذلك في أماكن عملنا؟.. نحن نكرِّس الوقت لتعليم ودعم وتوجيه ورعاية أطفالنا، فلماذا لا نقوم بذلك غالبًا مع صغار الموظفين خاصة عندما يعني ذلك الفرق بين ازدهار وركود أعمالنا؟.

يملؤني الفخر عندما أنجح في خلق بيئة عمل يشعر موظفيها بالسعادة عندما يأتون إلى العمل صباحًا، وعندما يفخرون بأنفسهم وبما يقدمونه للمؤسسة. هذه هي أخلاقيات العمل الأكثر جدوى وربحية، بدلاً من بذل محاولات عبثية في ترهيب الموظفين من أجل رفع إنتاجياتهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا