النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

الجهد الأكاديمي بين البحث العلمي والدعوة العقيدية

رابط مختصر
العدد 10558 الثلاثاء 6 مارس 2018 الموافق 18 جمادى الآخرة 1439

نقلت وسائط التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة موضوعًا عن دراسة (مزعومة) في مركز البحوث في جامعة جورج واشنطون الامريكية تحت عنوان «ما هي أكثر الدول تطبيقًا للدين الإسلامي»، وكان الإعلان المنقول عن الموضوع بهذه الصيغة: «عملت جامعة جورج واشنطن دراسة واستبيان عن أكثر الدول (التي) تطبق الدين الإسلامي في العالم»... بينما في واقع الأمر فإن الموضوع لا علاقة له لا بجامعة جورج واشنطون ولا بمركز البحوث فيها، وهذه الجامعة، كمؤسسة أكاديمية، لم تجرِ أية دراسة ولا استبيان حول هذا الموضوع. 

الواقع أن أصحاب هذه الدراسة هما د. حسين عسكري الإيراني الأصل والامريكي الجنسية، وهو محاضر في جامعة جورج واشنطون الامريكية متخصص في الشؤون الاقتصادية وهو مرجع معتمد دوليًا في مجال تخصصه، وشريكته في الدراسة د. شهرزاد رحمان، وهي كذلك من أصول إيرانية وحاملة لجنسية أمريكية، محاضرة في جامعة جورج واشنطون برتبة بروفيسور في الشئون الدولية، ومدير مركز البحوث في الاتحاد الأوروبي... الدكتور حسين عسكري هو المحرك الأساس لهذا الموضوع، وهو الذي ابتكر مصطلحي religiosity والذي يمكننا تعريفه ب «مدى الالتزام الديني»، وIslamicity والذي يمكننا تعريفه كذلك بـ «مدى الالتزام بالتعاليم الإسلامية»، ويبني على هذا التعريف مجموعة من المؤشرات التي يستقي نصوصها من آيات قرآنية منتقاة ومن أحاديث نبوية مختارة، ويضعها في باقة من المؤشرات تحت عنوان «مدى الالتزام بالتعاليم الاسلامية» Islamicity... وحجم الموضوع في حدود العشرة آلاف كلمة في أربعين صفحة، ويتسم المحتوى والمنهج بأسلوب أكاديمي بفضل المهارات الأكاديمية لدى المؤلفين. والمحور الأساس للموضوع هو مدى الارتباط بين الالتزام الديني (الاسلامي) والشؤون الاقتصادية والمالية والقانونية والسياسية والسلوك الاجتماعي، وما إذا كان الالتزام الديني عاملا ثابتا أو متغيرا في هذه العلاقة... موضوع أكاديمي من موقع أكاديمية المؤلفين، ولكنها الأكاديمية المشدودة الى النفس المنغمسة في العقيدية المعصومة والمقدسة، فنتيجة هذه الدراسة تشير إلى المنحى الدَعَوِيْ الاسلامي في حُلَّتِهِ الأكاديمية، أكثر من كونه بحثًا أو دراسة أكاديمية أصيلة، فالمؤلفان ينطلقان من ثوابت دينية غير قابلة للنقاش ولا للنقد، ولا يربطان هذه الثوابت بالمسار التاريخي لها، هذا المسار الذي يحدد ويرسم الطبيعة العملية والتطبيقية للثوابت الدينية التي هي المركز من الرحى... والدراسة تخرج بنتيجة مفادها أن دولًا غير إسلامية وخاصة الدول الأوروبية هي أكثر التزامًا بالتعاليم الاسلامية من الدول الاسلامية ذاتها، وهذه النتيجة تعتمد فكرًا مسبقًا متداولًا نطق به المفتي المصري محمد عبده في القرن التاسع عشر عندما قال بما معناه إنه رأى الاسلام في أوروبا ولم يجد هناك مسلمين، بينما في الدول الاسلامية وجد مسلمين ولم يرَ الاسلام، وهذا نمط من الرجاء والتمني والنقد غير المكتمل، لأن الذي في أوروبا ليس إسلامًا ولا دينًا بل نتاج فكر وضعي موضوعي علمي علماني، لا علاقة له لا بالإسلام ولا بالمسيحية، بل هذا الذي أبهر المفتي محمد عبده هو نتاج النقلة التنويرية من سلطة الكنيسة (الدين) الى سلطة الفكر (الانسان) في تدبر شؤون الانسان، بينما المفتي يرغب بما ليس في جعبته، فَينسبُ رُقِيَّ أوروبا الى معايير عقيدته، التي يتمنى أن يكون معتنقيها بِرُقِيِّ أوروبا: حتمًا إنه يفتقد إلى خصلة من جرأة النقد الموضوعي في هذا الأمر، فيتناول في نقده الجانب الأنعم (الأضعف) في بنيان عقيدته. وهذه الأوروبا التي يشيد برقيها الحضاري والانساني اليوم العدو والصديق كانت ذات يوم، قبل فصل الدين عن الدولة، تعاني ما يعانيه العالم العربي والاسلامي بسبب هيمنة الفاتيكان الكاثوليكي والكنيسة عامة، وهذه الهيمنة كانت سببًا رئيسيًا لتأخر أوروبا قبل عصر الأنوار والتنوير، وفصل الدين عن الدولة باعتماد النهج العلماني في تدبر شؤون السياسة والاقتصاد والقانون والمجتمع والثقافة. 

نزل هذا الموضوع في مجلة Global Economic Journal عام 2010 بنسختها الإلكترونية في Barkley Electronic Press، وليس لهذه المجلة أية علاقة بجامعة جورج واشنطون ولا بمركز البحوث فيها... وحتى المؤلفان لم يدعيا أن المنتج الفكري (الدعوي) لهما هو نتاج استبيان ودراسة في مركز البحوث في الجامعة التي يحاضران فيها، الموضوع البحثي، وهو بحث مكتبي (نظري) بحت (غير ميداني)، هو نتاج فكري شخصي مبني على أساس فهم شخصي لمفاهيم النصوص القرآنية، وليس نتاج بحثي أكاديمي متكامل الأركان، وهو يعبر عن فهم خاص وتصور خاص للمؤلفين، فَهْمٌ مبني على أساس ثبوت وثبات العامل العقيدي (الديني)، ومرجعية هذا العامل في جميع الشئون الحياتية، وأن العوامل الأخرى هي متغيرات تدور حول العامل الثابت (العقيدي)... فإذًا، الموضوع لا يرقى الى مستوى البحث المعتمد أكاديميًا، رغم الجهد الأكاديمي، ولا هو بالمنتج البحثي الذي يعتمد دراسة ميدانية مكثفة ومراجع أكاديمية متنوعة ومتعددة الاتجاهات، فالمراجع لهذه الدراسة لا تتعدى أربعة عشر مرجعًا كلها على نسق واحد باستثناء بعض البيانات الاقتصادية المستقاة من دورية اقتصادية متخصصة... والخلاصة التي يخرجان بها من هذه الدراسة تبدأ بهذه الكلمات: «لقد أوجزنا ما نعتقد أنه التعاليم الأساسية للإسلام على ما يشكل مجتمعا إسلاميا ونظاما اقتصاديا إسلاميا»، ولم تأتِ كلمات الخلاصة بصيغة «أن الدراسة أنتجت (أو أفرزت) النتائج التالية»... إذًا فالذي قدمه المؤلفان هو إيجاز عقائدي لفكرة دينية تختمر في ذهنهما مسبقًا، ولا تتعدى حدود «نعتقد»، والبحوث الأكاديمية ليس من مهماتها الاساسية تثبيت وإثبات أفكار مسبقة أو تعاليم عقائدية يؤمن بها صاحب الدراسة أو البحث، فالعمل على إثبات الأفكار المسبقة او التعاليم العقائدية هي من باب الدعوة لتلك الفكرة أو العقيدة، وليس من باب البحث الأكاديمي الذي يبدأ بـ «لا أدري» مرورًا بجهد بحثي ميداني ونظري يصل إلى نتيجة لم تكن في الحسبان قبل البدء في البحث.

إن هذا البحث الدَعَوِي، الذي يعتمد أفكارًا مسبقة، تلقفته أيادٍ دَعَوِيِّةٍ أخرى من أجل دعم الحملات الدعوية العقيدية الخاصة بها، وهذه الأيادي طاب لها أن تضيف الى البحث ما ليس فيه وما لم يدعيه المؤلفان، بأن وصفت البحث بهذه الصيغة: «عملت جامعة جورج واشنطن دراسة واستبيان عن أكثر الدول (التي) تطبق الدين الإسلامي في العالم»، وهذا كذب في كذب، ورغم أن المؤلفين، في اعتمادهما الثوابت العقائدية، كانا يهدفان إلى إثبات مرجعية العقيدة (الاسلامية)، التي ينتميان إليها، في جميع نواحي الحياة، إلاّ أنهما لم يميلا إلى الكذب، ولم يدعيا بأن العمل الذي قاما به له علاقة بأية جامعة أو أي مركز أبحاث.

واضح أن بعض الجهات والمؤسسات العقائدية (الدينية) تترصد أعمالًا من هذا القبيل، خاصة إذا كان العمل في أمريكا او أوروبا، وتتلقفها وتنقحها وتضيف إليها بهارات من الأكاذيب كي تعطي العمل، الذي يطيب لها، مكانة علمية وأكاديمية أكثر بكثير مما يستحقه ذاك العمل، كل هذا من أجل إسناد الحملات الدَعَوِيَّة التي تتوازى مع الحملات الصليبية.. 

النتيجة التي نستخلصها من هذا النهج الذي يعتمد الكذب في نشر دعوة عقيدية، هي أن أصحاب هذا النهج مفلسون فكريًا ويعيشون فراغًا حضاريًا مظلمًا، فليس في جعبتهم ما يقدمونه في أسواق الدعوة، ومن جهة أخرى فهم غير واثقين ولا مطمئنون من قدرتهم الذاتية على إقناع المستهدفين في أسواق الدعوة بشراء سلعة دعوتهم، فهم في حالة من الارتباك والعجلة في أمرهم... وخلاصة الخلاصة أن من يعتمد الكذب في نشر دعوته العقيدية ليس هو بالمؤمن الصادق للعقيدة التي يدعي الإيمان بها..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا