النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الاستراتيجية الأمريكية والطريق المسدود

رابط مختصر
العدد 10558 الثلاثاء 6 مارس 2018 الموافق 18 جمادى الآخرة 1439

ارتكبت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما خطأً سياسيًا استراتيجيًا فادحًا عندما خطَّطت لإنهاء أنظمة الحكم العربية المستقرة عبر مشروع التغيير الذي يهدف لتدمير وتفتيت وتقسيم الدول العربية إلى دويلات على أُسس دينية ومذهبية وطائفية، فبعد الهجوم الإرهابي على برجي التجارة العالمية في نيويورك في (11 سبتمبر 2001م)، وقيام وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في (أبريل 2005م) بإعداد خطة لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) كردَّة فعل مباشرة لهذا الهجوم تحت مسمَّى (الفوضى الخلاَّقة)، بدأت صورة (الشرق الأوسط الجديد) في التبلور التدريجي بانطلاق الثورات في الوطن العربي في أزمان متقاربة جدًا بشكل متعمَّد ليصبح زخمها مجتمعة أكثر قوة وتأثيرًا في تحرّك فوضوي استند إلى شعارات (حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والفساد والإصلاح السياسي والاقتصادي) وغيرها من الشعارات الفضفاضة التي تهدف في نهاية المطاف إلى تنفيذ المخطط الخبيث بشكل مُحكم وجعله واقعًا على الأرض.

فكان للولايات المتحدة الأمريكية الدور الأكبر في تدريب وتمويل وإعداد الخطط والاتصالات مع المجموعات المعارِضة لتلك الأنظمة، والتحالف مع قوى الشر كإيران ودولة قطر التي كانت تبحث عن دور إقليمي يفوق حجمها وقوتها بعد أن نجح الدهاء الأمريكي في إقناعها بأن صغر حجمها وقلة عدد مواطنيها لا يمنعانها من أخذ دور إقليمي مهم ومؤثر في المنطقة وأن يصبح لها نفوذ وسيطرة وتأثير في توجيه القرار العربي والخليجي، في تصرف تجاوز التقاليد والأعراف الخليجية والعلاقات الخاصة القائمة بين دول مجلس التعاون!

وكان من أبرز نتائج ذلك الخطأ الاستراتيجي هو الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة (5 +1) في (يوليو 2015م) الذي تمحور حول إعطاء إيران الدور الإقليمي النافذ والمسيطر على منطقة الخليج العربي لتستعيد أمجادها القديمة كشرطي الخليج وهو الدور الذي كانت تقوم به في عهد الشاه، وإعفائها من العقوبات الاقتصادية الدولية وإنهاء تجميد أصولها المقدَّرة بحوالي (140 مليار دولار) من المصارف الأجنبية وفتح الأبواب للشركات الأمريكية والأوروبية للاستثمار في إيران والسماح لها ببيع النفط في الأسواق العالمية وتصدير واستيراد أسلحة مقابل تخليها عن برنامجها النووي، وهو الأمر الذي ترتَّبت عليه العديد من النتائج، يمكن تلخيصها في الآتي:

• استغلال إيران لتلك المليارات في التخطيط للعمليات الإرهابية في الوطن العربي وللتغلغل الميداني والسياسي والعسكري في الأراضي السورية واليمنية والعراقية وتمويل أذرعها الطويلة في الشرق الأوسط كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

• استمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بسبب التدخل الإيراني الصريح في الشؤون الداخلية للدول العربية، حتى أصبحت تتحكَّم في القرار السياسي في العراق ولبنان وسوريا!

• تعاظم الدور الإيراني في الصراع الدائر في سوريا بعدما أصبحت لاعبًا رئيسيًا مؤثرًا فيه، خصوصًا مع تواجدها العسكري الميداني المُعلن لحماية نظام بشار الأسد.

• تعاظم الدور الإيراني في الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال دعم المقاومة الفلسطينية التي تقودها حماس في غزة.

• التحالف الإيراني الطائفي مع حزب الله الإرهابي في لبنان وأذرعه الطويلة في العواصم الخليجية واليمن وما أدى إليه ذلك من فتح عدة جبهات وصراعات طائفية في البحرين والكويت والسعودية واستغلال لمناسك الحج لتحقيق أهداف سياسية وتحقيق أحلام تاريخية معروفة.

• اشتداد التنافس (السُّني – الشيعي) في منطقة الشرق الأوسط الذي استغلته الإدارة الأمريكية السابقة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وما تبعَ ذلك من إضعاف مُتعمَّد للسُّنة خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان، ودعم قوى التوسّع والهيمنة التي أصبحت تمتلك السلاح النووي الذي قد يؤدي إلى حرب نووية كارثية في المنطقة لن تُحمد عقباها.

• غموض الموقف الأمريكي حول عدد من القضايا المهمة في الشرق الأوسط، مثل:

1. القضية الفلسطينية، التي انهارت مرتكزات حلَّها القائم على (إقامة الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني وعاصمتها القدس الشرقية)، واختلاف التفسيرات الأمريكية من الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

2. التدخل الروسي في سوريا، الذي كاد أن يسحب البساط نهائيًا من الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما اتضحت النوايا الروسية في الإقامة الدائمة في سوريا وإنشائها لقواعد عسكرية بحرية وجوية تهدد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والأمن الإسرائيلي على المدى البعيد.

3. الأزمة الخليجية، والتناقض بين الرئيس ترامب الذي اعتبر دولة قطر ممولا تاريخيا للإرهاب، ووزارة الخارجية التي دَعت جميع الأطراف للجلوس على طاولة المفاوضات، ومجلس النواب الذي أشار في جلسة خاصة إلى قيام قطر بتمويل العديد من المنظمات الإرهابية والجماعات المتطرفة في العالم وتوفير الدعم الإعلامي لهم من خلال قناة الجزيرة، والتحرّك الأمريكي الأخير نحو إيجاد حل لهذه الأزمة بضغوط قطرية بعد (مؤتمر الحوار الاستراتيجي القطري-الأمريكي) الذي انعقد في واشنطن نهاية شهر يناير الماضي، وهو ما صرَّح به وزير الخارجية ريكس تيلرسون خلال مؤتمر إعادة إعمار العراق الذي انعقد في الكويت يوم (13 فبراير 2018م)، وتوارد الأنباء عن توجّه أمريكي لعقد مؤتمر بين الدول الأربع المقاطعة وقطر برعاية الرئيس ترامب في مايو القادم في العاصمة واشنطن.

ونتيجة لذلك كلّه تناثرت أشلاء عدد من الأنظمة العربية، وتزايدَ لهيب الطائفية في المنطقة وبلَغ اشتعالها حدَّه الأقصى، وبرَزت إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، وتراجَع التأثير الأمريكي على قضايا المنطقة، وهو ما استدعى إدارة ترامب لمحاولة العودة للمنطقة من باب الاتفاق النووي الإيراني، الذي وجدَت بأن استمراره سيكون نهاية حتمية لوجودها، خصوصًا بعد التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في العراق وسوريا ولبنان، ودخول روسيا كقوة أخلَّت بالتوازن في منطقة نفوذ خالصة للمصالح الأمريكية، وتململ حلفائها التاريخيين من سياستها القائمة على مشروع التفتيت وتمزيق الأنظمة العربية المُستقرّة وتوجّههم نحو توطيد العلاقات مع الشرق.

لذلك توافقت الرؤى الأمريكية والأوروبية حول ضرر الاتفاق النووي الإيراني على مصالحهم في المنطقة، فأبدَت عدد من الدول الأوروبية استعدادها لاتخاذ مزيد من الإجراءات ضد طهران لوقف تمويلها للعنف والتطرف الذي ساعد على ظهور الجماعات الإرهابية في كل أنحاء البلاد العربية كتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) والإخوان المسلمين وحزب الله وغيرهم، وما أدت إليه التصرفات الإيرانية غير المسؤولة من استمرار الصراعات الطائفية في المنطقة، فبدأت الإدارة الأمريكية الحالية بالتحرّك نحو الخروج من ذلك الاتفاق أو تعديله.

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية 

ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا