النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

السوشيل ميديا!!

رابط مختصر
العدد 10545 الأربعاء 21 فبراير 2018 الموافق 5 جمادى الآخرة 1439

 وأنا أبحث عن موضوع أتناوله في مقال اليوم تجاذبتني فكرتان، الأولى تتمحور حول التسامح بصفته قيمة اجتماعية ينبغي أن تبذل الجهود لتسود المجتمع البحريني كما هو عهدنا بها على مدى العصور والأزمان السالفة، والثانية تتلخص في وسائل التواصل الاجتماعي، السوشيل ميديا، باعتبار أن هناك لغطًا مجتمعيًا يدور بين الناس في المجالس حولها، وقد اشتدت وتيرته في هذه الأيام. محور هذه الأحاديث هو أن ما يتداول فيها ومن خلالها ليس محل ثقة فضلًا عن الكذب والافتراء والتهجم على أعراض الناس وقلة الأدب التي تكتنف جُل ما ينشر فيها. فوازنت وقدرت أن الفكرتين يمكن أن تشكلا معا موضوعًا واحدًا يمكن أن أدلو فيه بدلوي. 

 قرأت تعريفًا مبسطًا لوسائل التواصل الاجتماعي، السوشيل ميديا، على أنها عبارة عن «تطبيقات تكنولوجية حديثة تعتمد على الويب من أجل التواصل والتفاعل بين البشر عن طريق الرسائل الصوتية، والرسائل المكتوبة والرسائل المرئية، وتعمل هذه الوسائل على بناء المجتمعات الحيّة وتفعيلها؛ إذ يقوم البشر بمشاركة اهتماماتهم وأنشطتهم بواسطة هذه التطبيقات». ولا شك أني أتفق مع هذا التعريف؛ لأنه ينصف أولئك الذين بذلوا جهودًا علمية جبارة في إيجاد مثل هذه الوسائل؛ ليساهموا في تقريب الشعوب إلى بعضها البعض، ولكي يتبادلوا المنافع المعلوماتية التي تسهم في تطوير المجتمعات وتزيد من انفتاح الآخر على الآخر. لكن، هل هذا التعريف يتفق مع ما يُتداول على هذه الوسائل، ومع طرائق توظيفها في واقعنا المعيش؟ أو بعبارة أخرى، هل يستثمر بنو البشر حقَا هذه الوسائل ليتشاركوا الاهتمامات والأنشطة المختلفة ويتبادلوا المنافع؟ الواقع في كثير من معطياته، في تصوري، يُكذب ذلك!

 دعونا نعمل التفكير قليلًا لنجيب عن التساؤلين الاثنين اللذين طرحتهما من خلال استحضار بعض من الخلل فيما يطفح به واقعنا في المجتمع البحريني، والعربي بالتأكيد، في استثمار هذه الوسائل لتعميم الثقافة، ونشر المعلومات على أوسع نطاق، وتقريب الشقة بين الناس. فهل بمقدور أحد أن يقول إن التعريف السابق يتفق مع ما يتداول على هذه الوسائل؟ بكل المقاييس يمكننا الحكم على أن أكثر ما يتم تداوله يدخل في خانة غير المفيد أحيانًا وغير اللائق في أحايين أكثر، ويتنافى مع قيمة التسامح في كل الوقت. ولكي تتأكد من ذلك عزيزي القارئ ليس عليك إلا أن تلقي نظرة سريعة على ما وصلك اليوم على «الواتسآب» مثلًا لتتأكد من كم الرخص والتفاهة التي يتم تداولها ويتم إهدار الوقت والجهد في قراءتها أو مشاهدتها.

 فإذا أنت ما استبعدت ممّا يصلك يوميًا التحايا الصباحية والأدعية، فإنك بالكاد تجد ما ينمي المعرفة ويرتقي بالذائقة الفنية والجمالية، ومن أشخاص معدودة تتشوق في كل الوقت بأن يبعثوا لك شيئًا مفيدًا لعله يخفف من ضغط الرسائل الباعثة على السأم والملل. من هذه الرسائل الباعثة على السأم والملل، المكتوبة والمصورة، التعريض بالبشر والطعن في شرفهم. 

ولسنا هنا حين نتحدث عن الطعن في البشر نعني أننا ضد النقد البناء الذي يتناول الأفكار ويبتعد عن الأشخاص؛ لأن ما بين النقد والسباب والشتيمة وهتك الأعراض مسافات لا يُدركها إلا عاقل يُحسن تصريف المتاح من الوسائل في سبيل خدمة الآخرين والنهوض بالمجتمع والرقي بمستويات النقاش العام فيه رقيًا لأخلاقيات النقد والتحاور فيه ولا شك الصدارة، بل إن لها الأهمية المطلقة. كرامة الإنسان، مهما أتى من عمل يتناقض مع المصلحة العامة، ينبغي أن تبقى محفوظة ولا ينبغي المس بها. ولنا في الرسائل والفيديوات التي انتشرت قبل فترة، والتي تناولت بأقذع الألفاظ ممثلين للشعب مثال حي على سيطرة سوء الأدب في غياب التحلي بأخلاق الحوار وآداب النقد. لقد قادت موجة الرداءة والبذاءة التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي صاحب السمو الملكي الشيخ خليفة بن سلمان رئيس الوزراء الموقر إلى أن يصدر تصريحًا يذكّر فيه الناسين والغافلين بآداب التعايش في الفضاء العام، ويؤكّد فيه على هيبة الإرادة الشعبية التي تختار من يمثلها.

 الاستثمار الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي يرتقي بالإنسان، ومن ثم المجتمع. وعلينا أن نظهر من خلال هذه الوسائل تسامحًا عن الزلات التي يأتيها البعض، ونبتعد كثيرًا عن التندر على بعضنا بعض، فلكل معتقده ولكل قيمه ومقدسه؛ ففي الابتعاد عن المس بمقدسات الغير وبقناعاتهم تسامح، وفيه اعتراف بالآخر ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع وسيادة المحبة بين أفراده، وفيه إلى ذلك كله توجيه للممارسة النقدية حتى تكون بناء لا هدمًا وإضافة نوعية، وليس تقويضًا لأركان التعايش في مجتمع المواطنة وفي دولة القانون والمؤسسات.

 وإذا أردنا أن نتبادل المنفعة من خلال تبادل الرسائل النافعة علينا التدقيق في ما يُرسل إلينا لنعيد إرساله إلى الآخرين. فكل رسالة تصل إليك تأكد أن هناك هدفًا مضمرًا في هذه الرسالة؛ لأن المتداولين للرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي مختلفون، فمنهم من ينشر المعرفة والحب ويهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وهناك الحاقد الذي يبحث عن أي شيء يسيء فيه إلى الدولة، أو إلى أطراف رسمية في الدولة، أو إلى فئة اجتماعية يضمر تجاهها حقدًا وكراهية، ومنهم الجاهل الذي يستغله الحاقد لنشر أفكاره من خلال الرسائل السياسية المقصود منها ضرب الوحدة الاجتماعية. 

السوشيل ميديا فضاء واسعًا، كثيرًا ما جلب الشر إلى المجتمعات وخصوصًا تلك المجتمعات التي تتقصدها جماعات بهدف إشاعة البلبلة والفوضى لضرب وحدتها الاجتماعية. علينا أن نتأمل هذه الفرضية من خلال استحضار واقع مجتمعنا البحريني لكي نتعامل بمسؤولية مع المحتوى الذي يصلنا عبر السوشيل ميديا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا