النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

هل يمكن تكبيل الوعي بالتأطير؟!!!

رابط مختصر
العدد 10544 الثلاثاء 20 فبراير 2018 الموافق 4 جمادى الآخرة 1439

انتشر في الفترة الأخيرة رأي في بضع كلمات أشبه بمقال دون تعريف بصاحب الرأي - المقال، يبدأ المقال بهذه الكلمات: «انتقل الناس بدون وعي من: (عدم الاعتراف بإسرائيل) إلى: (القدس ليست عاصمة إسرائيل)!! هكذا يتم التأطير وتنجح عملية السيطرة على العقول»... وينتهي الرأي بهذه المقولة المستخلصة: «ﻣﻦ ﻳﻀﻊ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ..»... 

الرسالة التي يريد أن يبعثها صاحب الرأي هي أن العرب، بالنسبة للقضية الفلسطينية، تم تأطير عقولهم من حالة رفض دولة إسرائيل إلى حالة القبول بها مع شرط بقاء القدس عاصمة لفلسطين وليس لإسرائيل، أي الانتقال من عدم الاعتراف بإسرائيل الى الاعتراف بإسرائيل، وكيف أن هذه النقلة النوعية كانت نتيجة «مخطط للتأطير» تتحكم بخيوطه أطراف ذات مصلحة تناقض حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وتتحكم في الوعي الجمعي العربي الذي هو السند الأساس لتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني الشرعية والطبيعية، بمعنى أن هذا الوعي العربي غائب عن الوعي بذاته و لذاته، فهو أسير لمن يخطط ويتحكم، وعي مسلوب الإرادة، والدليل أن مخططات التأطير تكيف هذا الوعي على هوى أصحاب معادلات التأطير والذين يترجمون تلك المعادلات الى آليات للنفاذ في الوعي العربي، وكأن هذا الوعي العربي أرض مشاعة ينهل منها من يشاء ويشكل طوبوغرافيتها من يبتغي و يشتهي، فلا حدود للأرض ولا رادع ضد المتسللين والدخلاء إلى دهاليز هذا الوعي المفعم بالآمال والمثخن بالجروح، وشأنه شأن أي وعي آخر، عند أي شعب كان، فإنه كتلة متفاعلة من التناقضات على هوى المصالح والاتجاهات، ومن شبه المستحيل أن يتواجد وعي جمعي لأي شعب متماسك صلب يسير في اتجاه بوصلة واحدة...

 إن طرح فكرة التأطير بهذا التأطير البسيط المبسط فيه إهانة لمفهوم الوعي بحد ذاته، وخاصة اذا كان المستهدف هو الوعي الجمعي لشعب تلامس أرضه ثلاث قارات، ويعود تاريخه الى بداية البدايات شأنه شأن الشعوب في أرض الرافدين ووادي النيل وفضاءات الشام، إن هذا الوعي هو نتاج تراكمي - تفاعلي لألوف من السنين وكنز هائل من الحوادث التاريخية بمدها وجزرها، بحروبها وسلمها، وبتطور الأنماط الاجتماعية في حياتها وتغير الانظمة السياسية والاقتصادية في كياناتها الوطنية... 

من الإجحاف الحكم على الوعي الجمعي لأي شعب بهذا النمط التأطيري الذي يفقد الوعي ميزة القدرة الذهنية لكيانه المتشكل تاريخيًا واجتماعيًا وفكريًا، يمكن لهذا الوعي أن يتعرض لصدمات تدفعه الى مراجعة حساباته وحتى مواقفه، ويمكن لهذا الوعي أن تكشف له المستجدات الموضوعية ما لم يكن في حسبانه ولا حساباته، فيبقى هذا الوعي دومًا يقظًا أمام الصدمات والمستجدات ويستعيد أنفاسه، ويمكن كذلك لهذا الوعي أن يتعرض لموجة من الضبابية الآنية ولكنها مؤقتة، وتعود الصورة الحقيقية إلى الوعي اليقظ، لأن هذا من طبيعة الوعي مثلما عبر عنه الأديب المصري توفيق الحكيم في كتابه «عودة الوعي»، انكشاف الحقيقة على الوعي الذي كان تحت تأثيرات مشروع عظيم كان يتأرجح بين احتمالية التحقق واستحالة التحقق، فالوعي قد يصاب بخيبة أمل في مشروع كان يؤمن به ويتبناه و يدافع عنه، وهذه الحالة مع الوعي ليست انتقاصاً (ولا تأطيرًا) من الوعي، بل هي حالة الوعي الحَيِّ واليقظ والمرن الذي عنده القدرة على مراجعة الذات ونقد الذات!!!... وتوفيق الحكيم يعرض تجربته وفهمه للمشروع الناصري بعد عشرين عامًا من السير على خطى هذا المشروع، وهذا العرض هو مراجعة للوعي من قبل مفكر وأديب عاصر تفاعلات المشروع من بداياته الى وفاة زعيمة الى شبه أفول للمشروع نتيجة لظروف موضوعية -إقليمية ودولية- وذاتية، وليس بالضرورة أن تكون هذه المراجعة على خطإ او على صواب، ولكن هذا هو طبيعة الوعي في حيويته ويقظته. 

والوعي الجمعي لأي شعب ليس وعيًا منسجمًا بالكامل ولا متناغمًا ولا متوافقًا في الشؤون الوجودية والمصيرية، بل هو وعي متفاوت في الدرجات ومتباين في طبيعة النظر الى الأمور، فهو وعي متماوج متقلب وحتى متنافر حول بعض القضايا، وأن الذي يكيف هذا الحال في الوعي هو الواقع الطبقي والتفاوت في مستويات التعليم والتحصيل العلمي والمستوى الثقافي ووجهته، والمصالح الطبقية والشخصية، إضافة الى تأثير الانتماءات الفرعية، ومنها الطائفية والفئوية، التي تحيط بالانتماء الوطني الكبير والانتماء الانساني الأكبر، فالوعي الجمعي لأي شعب متلون المصالح ومتعدد الوجهات، وهو أكثر تعقيدًا من أن يبسط على سطحية التأطير بفعل أيادٍ خفية وأهواء شيطانية.. 

والقضية الفلسطينية، التي هي موضوع التأطير المزعوم، موجودة في الوعي الجمعي العربي منذ وعد بلفور المشئوم بعد الحرب العالمية الأولى مرورًا بإنشاء دولة إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه الدولة هي الوليدة الأولى لمنظمة الامم المتحدة، وحظيت بدعم ورعاية وحصانة من الدول المنتصرة في الحرب على النازية والتي شكلت مجلس الأمن، وهذه الدول تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن وهي المسؤولة عن الحرب والسلام في العالم، فانطلاقاً من لحظة ولادة اسرائيل والوعي الجمعي العربي، بشكل عام، ذات لونين متناقضين، اللون الشعبي الذي رفض بالمطلق قرار مجلس الأمن، أي قرار الدول العظمى، وكان هذا لون من الوعي فرضته الصدمة الكبرى، وعيٌ مدركٌ ما الذي يجب أن يكون لذاته من الحق الشرعي، وفي مقابل هذا الوعي المصدوم كان هناك الوعي (شبه المشلول) الرسمي العليم بشؤون لعبة الأمم وموازين القوى، ووعي بعض من النُخَبُ المثقفة التي تعيش فكريًا في أعماق القضايا والتي كانت تدرك محدودية الرفض ومدى جدواه، وكانت تجتهد في بدائل الرفض التي يمكن أن تحفظ للشعب الفلسطيني شيئًا من حقه في أرضه ويحافظ على ماء كرامته... 

إن هذه القضية منذ تفجرها والى اليوم مرت بمراحل تصاعدية في صالح الجانب الاسرائيلي، وبخطوات تنازلية من الجانب العربي والفلسطيني، ولكن رغم هذه التصاعدية والتنازلية فإن الوعي العربي الجمعي مازال، في دخيلة نفسه، يحمل لواء الرفض المطلق للمشروع الصهيوني في فلسطين، حتى أولئك الذين يسيرون على نهج الاعتراف المتبادل و تقسيم فلسطين الى دولتين، فإن قعر النفس ينبئ بالنقيض، ولكنها الواقعية التي تزن الأمور بموازين القوة وليس بموازين الحق هي التي تفعل فعلها في موضع الوعي من القضايا وليس التأطير المخطط، إن الوعي طلسم على العقل، و بالنتيجة فهو طلسم على الوعي ذاته، وقد يُظْهِرُ الوعيُ ما لا يبطنه، وهذا لغز من ألغاز الوعي... 

فالوعي وبغض النظر عن موضعه وموقفه وخلجاته فهو عَصِيٌّ على التأطير المطلق...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا