النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10809 الإثنين 12 نوفمبر 2018 الموافق 4 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

الزيارة «الماكرونية» إلى تونس

رابط مختصر
العدد 10537 الثلاثاء 13 فبراير 2018 الموافق 27 جمادى الاول 1439

 بين متفائل باحتراز من قدوم الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون إلى تونس نهاية شهر يناير الماضي، ومتشائم إلى حدّ المرارة، انسدل الستار عن هذه الزيارة، ولم يبقَ منها إلا أرقام ووعود، منها ما هو مكتوب في شكل اتفاقيات ومنها ما هو شفهي يبقى في حيز الأمنيات. فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الزيارة الرسمية خادمة وداعمة للتجربة التونسية الفتية في الديمقراطية؟ وما الرهانات التي يعلّقها الإليزيه على الزيارة «الماكرونية» إلى تونس؟

 في الوقت الذي بالغ فيه طيف واسع من الإعلام التونسي في تلميع زيارة الرئيس الفرنسي الشاب إلى تونس إلى حدّ توصيفها بالتاريخية والمُجدية، نجد طيفًا واسعًا من الإعلام الفرنسي والتونسي أيضا وبمختلف توجهاته قد تعامل بحذر وواقعية مع هذه الزيارة. 

 ولئن طغى الطابع الاقتصادي عليها في الظاهر من خلال وعد فرنسا بتقديم دعم مالي يبلغ 500 مليون يورو، وتوقيع 8 مذكرات واتفاقيات تعزّز التعاون المشترك بين البلدين في مجالات التهيئة العمرانية والطاقة والطيران... فإنّ فرنسا بقيت وفيّة لسياستها منذ الاستعمار حيث حضر البعد الثقافي متمثلا في طرح قضايا اللغة الفرنسية وتعليمها ومزيد نشرها في لقاء الرئيس الفرنسي بالبرلمان التونسي، كما لم تغب الأوضاع الإقليميّة المحيطة بتونس ولا سيّما الوضع في ليبيا حيث يعي ماكرون جيدا أن تونس بوّابة مهمّة إلى ليبيا لاستثمار الوضع فيها سياسيًا واقتصاديًا فضلاً عن الجانب الأمني الضاغط على ضفّتَيْ المتوسط.

 لذا تعاملَ العديد من المحلّلين السياسيّين والاقتصاديين التونسيّين بحذر واحتراز مع هذه الزيارة واعتبروا أنّها أقرب إلى زيارة مجاملة وعلاقات عامة منها إلى زيارة بِناء علاقات تعاون اقتصاديّ جدّيّ بين دولة استفادت تاريخيا من تونس إبّان الاستعمار، واستغلّت مواردها الطبيعية والبشرية ولهفة ذلك الجيل إلى الاستقلال مُوقّعة اتفاقيات اقتصادية مُهينة صبّت كلّها، لعقود ولا تزال، في مصلحتها... ودولة تتلمّس اليوم طريق النّجاح في تجربتها الديمقراطية الفريدة على الرغم من العوائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت العديد من التونسيين يتخوّفون اليوم من تغوّل التحالف «الغريب» القائم بين حركة النهضة وحركة نداء تونس وعودة رموز النظام السابق، ومحاولات الباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية اقتباس نظام بورقيبة السلطوي، وعودة التعسّف الأمني...

ومما يبرر ذلك الحذر والاحتراز من هكذا زيارة وصفتها جريدة «ليبيراسيون» الفرنسية وبطريقتها الساخرة المعتادة «زيارة ذرّ رماد على العيون»، وزيارة مخيبة لآمال تونس؛ ذلك أنّ إيمانويل ماكرون وعد تونس قبل انتخابه رئيساً لفرنسا بجدولة ديونها وتحويلها إلى استثمارات وهي وعود وستبقى كذلك دون تفعيل حسب الصحيفة.

من جانب آخر ركزت زيارة ماكرون على دعم الفرنكوفونية في تونس التي تتراجع فيها المنظمات الثقافية الفرنسية بسبب سوء الحوكمة وانخفاض الاعتمادات التي تعاني منها الشبكات والمؤسسات والجمعيات والمدارس الفرنسية في الخارج، كما أنّ الفرنكوفونية تشهد تراجعًا كبيرًا على مستوى الإبداع العلمي والفني والأدبي في العالم؛ إذْ تأخذ لغات أخرى مكان اللغة الفرنسية اليوم في المشهد الثقافي والتعليمي التونسي.

ولعلّ ماكرون يسعى إلى إحياء الفرنكوفونية امتداد للإمبراطورية الثقافية الفرنسية مستغلاً بعض النخب الفنية والفكرية والتربوية ذات الثقل الثقافي والذين لا يزالون متمسكين أكثر من غيرهم بالوصاية الثقافية الفرنسية، دون أن ينتبه إلى أنّ معظم التونسيين بعد (2011) يدركون أن بلادهم لن تبقى حبيسة الفرنكوفونية وإنّما هي منفتحة على اللغات الأخرى ولا سيما الإنجليزية والألمانية وكذلك الصينية.

 أمّا فيما يخصّ قضايا المنطقة، فالرئيس الشاب، وهو يعيد تشكيل خارطة تحرّكه العالميّ، يعتبر تونس بوابة عبور إلى ليبيا، وهو ما جعله يقابل الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي ليستفيد من خبرته ووزنه في المنطقة خاصّة وأنّ لتونس مقترحَ تسوية ليبية - ليبية لا تزال تسعى حثيثا إلى تفعيله مع دول الجوار الليبي، ولربما يكون الدعم الفرنسي للمقترح التونسي، مفيدًا للطرف الفرنسي ليضع له موطئ قدم جديد في الملف الليبي، خاصة وأنّ هذا المقترح ينأى بحلّ الأزمة الليبية عن أي تدخل عسكري خارجيّ.

 إنّ هذه الزيارة الماكرونية لن تقدّم ما يغيّر الوضع في تونس، ففرنسا اليوم ليست فرنسا التقليدية إذْ لم تعد لديها ذات الإمكانات السابقة بسبب الوضع الاقتصادي الذي يعيشه الاتحاد الأوروبي عموماً وفرنسا خصوصاً. وعليه فلن تكون فرنسا الداعم الرئيس لاقتصاد تونس، وإنّما ستبقى المستفيد الأكبر منه. 

إنّه ميلاد سياسة فرنسية جديدة قطع فيها الرئيس الشابّ مع الأبوة الفرنسية لتونس، وأكّد بالمقابل على ضرورة تحمل مسؤولية دعم الاقتصاد التونسيّ سواء من الفرنسيين المقيمين في تونس أو من الجالية التونسية المقيمة بفرنسا مقابل تعهد الحكومة الفرنسية بتأمين التسهيلات للمستثمرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا