النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

قطر.. والربيع العربي

رابط مختصر
العدد 10537 الثلاثاء 13 فبراير 2018 الموافق 27 جمادى الاول 1439

لا يمكن نسيان ما حدث عام (2011م) في أرجاء الوطن العربي، وتساقط عدد من الأنظمة العربية، وعلَّ أهمها ما حدث في مصر، التي كانت الهدف الأساس من (خطة الفوضى الخلاَّقة) التي أعدَّتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في (أبريل 2005م) خلال فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش الأبن، وكما كان مخططاً لها أن تكون نموذجاً للحكم التعدّدي الديمقراطي على الطريقة الإخوانية التركية، لسبب معروف وهو أن سقوط النظام المصري يعني سقوط كل الأنظمة العربية.

ولاستيعاب هَول ما أصاب الأمة العربية وشعوبها التي تعيش في بحر الفوضى السياسية والأمنية منذاك الآن وحتى اليوم، لابد من الوقوف عند المحطات الآتية:

خلال ولاية الرئيس باراك أوباما أدركت الولايات المتحدة الأمريكية فشل مخططها في العراق الذي تم البدء بتنفيذه عام (2003م)، بهدف تشكيل العراق ليكون (جنَّة الديمقراطية) ونموذجاً للحكم التعددي بعد الإطاحة بالرئيس صدام حسين، لتنطلق (الديمقراطية) من أرض العراق لتعمّ الوطن العربي من الخليج شرقاً إلى موريتانيا غرباً، إلا أن العراق تحوَّل إلى مستنقع مقيت من الطائفية بعد أن أحكمت إيران قبضتها على القرار السياسي والعسكري والأمني العراقي بموافقة أمريكية صريحة، لدرجة إصرارها على فوز (حزب الدعوة الإسلامية) الطائفي وغيره في الأحزاب الموالية لنظام الفقيه الإيراني في انتخابات مثيرة للجدل.

ليبدأ منذ ذلك اليوم الأسود المشروع الإيراني الأمريكي في التوسّع والامتداد للقضاء على (السُنة) في العراق وخارجه بهدف بَسط النفوذ الإيراني وسيطرة تنظيم الإخوان المسلمين للتحكّم في الأمة العربية، خصوصاً بعد الفرص العديدة التي أُعطيت للأحزاب الليبرالية التي جعلت من (النظام الجمهوري) عنوان لمرحلة قاسية ومدمرة للأمة العربية، حيث تحوَّلت تلك الأنظمة إلى ديكتاتوريات منذ قيام الثورة المصرية عام (1952م)، وحكم البعث السوري عام (1963م)، فأصبح (حزب البعث العربي الاشتراكي) قائد الجبهة الوطنية التقدمية يعمل على توحيد طاقات الشعب لتسخيرها لخدمة أهداف الأمة حسبما نصَّ عليه دستور الجمهورية العربية السورية، وشهد البعث العراقي إسقاط النظام الملكي عام (1958م) وعدد من الانقلابات عامي (1963م) و(1968م)، والثورة الليبية التي قادها معمَّر القذافي، وغيرها من الأنظمة الجمهورية القومية العربية والبعثية والشيوعية.

فبعد فشل أمريكا في العراق، كان لابد من استمرار العمل نحو التغيير الأمريكي المنشود في المنطقة العربية، فكانت خطة (الفوضى الخلاَّقة) القائمة على أساس منح (تنظيم الإخوان المسلمين) الفرصة للحكم وإدارة شؤون الأمة العربية على الطريقة الإخوانية التركية التعددية بالتنسيق مع (نظام ولاية الفقيه الإيراني) اللذين يتفقان على ذات الأهداف والرؤى والمبادئ، وكيف لا يكون ذلك وتنظيم الإخوان يُمجِّد الثورة الإيرانية ويعتبر نجاحها عام (1979م) نصراً إسلامياً ساحقاً منذ سقوط الدولة العثمانية بعمر (600 عام) وانهيار الخلافة العثمانية التي استمرت ألف عام، ومن جانب آخر ترى إيران في تنظيم الإخوان المسلمين جسراً يحقق أهدافها في تصدير مبادئ الثورة الخمينية؛ وهذا ما يُفسِّر الاحتفاء الإيراني بقيام نظام الإخوان المسلمين في مصر عام (2011م).

تكرَّر ذات الأمر في منطقة الخليج العربي، وفشلت المحاولات اليائسة لإسقاط أنظمة الحكم في مملكة البحرين ودولة الكويت وسلطنة عُمان عام (2011م)، واستمرت المؤامرة الأمريكية الإيرانية باستغلال قضايا حقوق الإنسان وشعارات حماية حرية الرأي والتعبير ذريعة للإطاحة بالأنظمة الخليجية بالتعاون مع دولة قطر التي يحكمها (الحمدين) والتي شعرت بأن الفرصة سانحة لها لتصبح قلب القرار السياسي ومركز النفوذ العربي والخليجي بعد أن تُسقط الأنظمة الحاكمة في دول مجلس التعاون، لتضرب في ذلك أوضح مثال للأنانية وحب السيطرة وضرب العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع الأشقاء بعرض الحائط وعدم الاكتراث لما ستؤول إليه المنطقة العربية مستقبلاً نتيجة لذلك.

ليتعرَّض مستقبل الأمن الخليجي بعد ذلك لعاصفة اقتلعت ركائزه التي قام عليها نتيجة للتصرفات الرعناء والسياسة القطرية غير المسؤولة التي اتخذها (الحمدين) اللذين يقودان دفة الحكم في الدوحة، وأدت إلى تفجر الأزمة الخليجية في (5 يونيو 2017م)، وتواصل قطر بإصرار تنفيذ مخططها الهادف إلى التغيير بالتعاون مع إيران وتركيا وهي قوى إقليمية معروفة بأطماعها التاريخية في المنطقة.

 ويمكن تلخيص الموقف القطري من الأزمة المستمرة منذ ثمانية أشهر في النقاط التالية:

أولاً: عدم منح الوساطة الكويتية الفرصة لتحقيق التقدم المطلوب لحل الأزمة، بعدم التزامها بتنفيذ المطالب (13) التي تتضمَّن (80%) مما ورد في (اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية) الموقعين من قبل أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون – ومن بينهم سمو أمير دولة قطر- في (نوفمبر 2014م)، وقيام إعلامها بالإيحاء للرأي العام بوقوف الكويت إلى جانبها لتُسقط الحيادية عن الوساطة الكويتية، خصوصاً بعد التصريحات التي أدلى بها صاحب السمو أمير دولة الكويت في صيف (2017م) حول منع عمل عسكري ضد قطر، وهو ما نفته الدول المقاطعة جملةً وتفصيلاً.

ثانياً: استمرار حكومة (الحمدين) بتحركاتها الرعناء وغير المسؤولة من خلال الزيارات المتعددة التي يقوم بها أميرها وكبار مسؤوليها للعواصم الأوروبية والآسيوية والأفريقية لعقد اتفاقات أمنية وصفقات تجارية الهدف منها شراء مواقف سياسية كاذبة، أبرزها التوقيع مؤخراً على اتفاق أمني لتبادل المعلومات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي روَّج الإعلام القطري بأن بهذا الاتفاق يصبح (الناتو) حليفاً استراتيجياً لقطر، مما اضطر سكرتارية الناتو إلى إصدار بيان صحفي يُكذِّب الادعاءات القطرية، خصوصاً وأنه سبَقَ للكويت والإمارات والبحرين منذ سنوات التوقيع على نسخة مماثلة لهذا الاتفاق.

ثالثاً: قيام الطيران الحربي القطري يوم (15 يناير 2018م) بخرق القوانين الدولية المنظِّمة لحركة الطيران، واعتراض طائرتين مدنيتين إماراتيتين في طريقهما إلى البحرين، في عمل إرهابي أثبته عدم قيام طياريه بأي اتصال بقائدي الطائرتين المدنيتين لإخفاء الحقيقة ولتكذيب الادعاءات حول هذه القرصنة الإرهابية الجوية التي أثبتتها الرادارات الجوية البحرينية ورصدتها في أجواء الملاحة الدولية، في خطوة مستفزة ومهدِّدة لسلامة الركاب، تعكس حالة التوتر والارتباك التي تعيشها الحكومة القطرية بعد تراجع اهتمام الدول المقاطِعة بها، وعدم اكتراث المجتمع الدولي عموماً، لتبدأ البحث عن مخارج مثيرة لإعادة الأزمة إلى الواجهة.

رابعاً: طلبها من الحكومة التركية، فور تفجّر الأزمة، وفي خطوة قاصمة للاتفاقيات الأمنية والدفاعية التي تعتبر من أركان العمل الخليجي المشترك، تعجيل تصديق البرلمان على الاتفاقية العسكرية الموقَّعة بين البلدين في (19 ديسمبر 2014م) للسماح بنشر وحدات من القوات المسلحة التركية على الأراضي القطرية، مما سمح بتواجد (5000) جندي تركي وإقامة قاعدة عسكرية قريبة من خط الحدود السعودية القطرية الذي يمتد نحو (32 كيلومتراً)، وعقد عدد من الصفقات لشراء طائرات مقاتلة من الولايات المتحدة الأمريكية ودبابات من ألمانيا وسفن حربية من إيطاليا، وذلك في إشارات واضحة لما تسعى لتحقيقه من أحلام مع كل من إيران وتركيا ضد السعودية والبحرين والإمارات.

جميع الشواهد والأحداث والمواقف تدلّ على أن الأزمة القطرية مستمرة، ولا بوادر تلوح في الأفق لحلها، وأن الولايات المتحدة اختارت الوقوف في المنطقة الضبابية ولم تتخذ قرارها السياسي الواضح من هذه الأزمة، مع أخذها بعين الاعتبار الحركات السياسية المؤيدة للديمقراطية داخل دول الخليج التي توضح أن الاستراتيجية العسكرية التقليدية وحدها لن تكون قادرة على احتواء التطورات المتسارعة التي تمر بدول مجلس التعاون، وأن أي استراتيجية أمنية أمريكية في منطقة الخليج ينبغي أن تولي اهتمامها بكيفية المحافظة على مصالحها في منطقة ترى أهمية عدم تعرضها لهزات سياسية مثيرة. 

لذلك، وبعد فشل مخطط الفوضى الخلاَّقة في المنطقة، لابد للإدارة الأمريكية أن تعمل على تعزيز الجهود التي تركِّز على ما يعزز الاستقرار الاقتصادي والسياسي للأنظمة الحاكمة الحالية عبر مساعدة دول الخليج على التخطيط وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، وزيادة نموها الذاتي وخلق فرص عمل تساعد على استقرارها الداخلي.

 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا