النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

رابط مختصر
العدد 10534 السبت 10 فبراير 2018 الموافق 24 جمادى الاول 1439

من الواضح أن العديد من الدول الأوروبية، وتحت ضغط الأعداد الهائلة من اللاجئين الذين تدفقوا إليها خلال السنوات العشر الأخيرة، قد غيرت نهجها في التعامل مع الحالات الإنسانية وأظهرت تحفظا بل تشددا تجاه قبول اللاجئين، لكن من الواضح أكثر أن تلك الدول لم تذهب إلى الحد الذي وصل إليه زعماء إسرائيل في حملتهم التحريضية الرامية إلى شيطنة آلاف اللاجئين الأفارقة الذين تمكنوا من عبور حدود هذا البلد، وصفهم بأنهم «متسللين» و«مجرمين» ويجب الاستعداد لطردهم جميعا.

لقد شهدت اسرائيل وصول نحو 60 ألف لاجئ إفريقي في السنوات الأخيرة، معظمهم هربوا من الحرب والاضطهاد في السودان واريتريا، ومن بينهم من هو معرض للقتل إذا ما عاد إلى موطنه، وهنا دعونا لا ننسى أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملزمة قانونيا بتوفير ملاذ آمن لأولئك الفارين من الاضطهاد والعنف في بلدانهم.

ومع ذلك، ربما نلحظ هنا أو هناك قلة من الإسرائيليين الذين لا يتصرفون بعنصرية مثل قادتهم. بعضهم لا زال يتذكر أنه من نسل يهود فروا من المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ناشد حكومته النظر بعين العطف إلى اللاجئين، حتى أن أحد المراسلات جاء فيها: «كدولة أسسها اللاجئون... يجب على إسرائيل ألا ترحل طالبي اللجوء داخل حدودها»، كما شهدت إحدى المبادرات استعداد عائلات إسرائيلية لفتح منازلها لأسر اللاجئين، ومن بين تلك الأسر من أخفى اللاجئين عن أعين السلطات!

البلد الآخر الذي يمكن لسكانه الغربيين جميعًا أن يعودوا بجذورهم إلى المهاجرين هو الولايات المتحدة الأمريكية، فقد وصلت نسبة كبيرة منهم من المنتمين للطوائف المسيحية والفارين من الاضطهاد في أوروبا، مما أدى إلى تشريد السكان الأمريكيين قسرًا. ومع ذلك، بدلا من التعاطف بشكل خاص مع اللاجئين المحرومين من جميع أنحاء العالم، نجد أن هناك تيارات سياسية مهيمنة في أمريكا اليوم قد وصلت إلى السلطة من خلال عملها على شيطنة المهاجرين.

في خطبه السياسية الأولى ندد دونالد ترامب بشدة باللاجئين المكسيكيين والسوريين ووصفهم بأنهم «مغتصبون» و«مجرمون» و«إرهابيون»، مركزا على القصص المخيفة لإثبات الاعتقاد بأن طالبي اللجوء يشكلون تهديدا لطريقة الحياة الأمريكية. وربما يكون هذا التحريض المفرط وخطاب الكراهية الشعبوي هو المرض الأكبر الذي أصاب السياسة المعاصرة، حيث نجده يستشري في العديد من الدول الأوروبية اليوم، مع مواقف معادية للمسلمين وكره الأجانب تروج لها وسائل الإعلام.

ومع ذلك، فقد دعمت قطاعات كبيرة من الجمهور الأمريكي والأوروبي تقديم الملاذ للأشخاص الضعفاء في جميع أنحاء العالم، ليس فقط لأن ذلك هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، وليس فقط لأنهم يرون أن هذا الخطاب المناهض للمهاجرين هو أساسا معاد للولايات المتحدة، ولكن أيضا لأن الاقتصادات الغربية تعتمد إلى حد كبير على تدفقات العمالة الأجنبية، فهؤلاء الناس على استعداد للعمل الجاد والقيام بالوظائف التي يرى العديد من الأمريكيين أنفسهم ليسوا على استعداد للقيام بها لقلة أجرها. فلا دافع أفضل لعمل أب ما فقد كل شيء في الآونة الأخيرة، وهو على استعداد للقيام بكل ما يلزم، والعمل طوال ساعات اليوم، لضمان أنه لن يجد نفسه مرة أخرى عاجزا عن إطعام أطفاله.

ومن المفارقات أن الكثير من شركات دونالد ترامب الخاصة تعتمد اعتمادا كبيرا على العمالة المهاجرة الرخيصة. إنه يفهم بوضوح لماذا الهجرة هي جزء من شريان الحياة للاقتصاد الأمريكي، لكنه في الوقت ذاته يصر على موقفه المعادي لهذه العمالة ويؤكد ضرورة طردها!.

إن العالم من حولنا اليوم يبدو أقل حماسًا للقضايا الأخلاقية الكبرى، ومع ذلك فإن اللاإنسانية والظلم تقود آلاف الناس في جميع أنحاء العالم إلى الوقوف لصالح الإنسانية.

إن عالمنا متشابك بشكل عميق: فقد هزم داعش الآن في العراق وسوريا، ولكن الآلاف من مقاتلي داعش قد تفرقوا في جميع أنحاء المنطقة وحول العالم، من حيث سيشكلون داعش مصغرة لشن هجمات إرهابية، ويزعزع الاستقرار وتخلق البؤس لملايين المدنيين الأبرياء.

من السهل أن نغمض أعيننا عن التحديات الكبرى من حولنا، ونزعم أن قضايا اللاجئين والحروب والاضطهاد لا تهمنا، ولكن في الواقع لا مكان آمن على هذا الكوكب. إن فشلنا في العمل على إحلال السلام والاستقرار في جميع أنحاء العالم اليوم سيسمح لهذه الأوبئة بالوصول إلى شواطئنا غدا. لماذا يجب أن نتحمل مسؤوليتنا الأخلاقية على الأقل في دعم اللاجئين؟ لأن هذا سيعود بشكل إيجابي علينا، وإذا كنا نأمل أن يظهر لنا العالم يوما ما الرحمة فدعونا نعرض الرحمة اليوم على من هم في أشد الحاجة إليها.

في الواقع، لقد وجدت نفسي مع زوجتي وطفلي الصغار هاربين من وطننا لبنان عندما اندلعت الحرب الأهلية هناك في العام 1975، ولذلك، فإنني مدين بشدة للبحرين بأن هذا هو البلد الذي تمكنت في نهاية المطاف من الاستقرار فيه، أنا فخور بأن أقول إنه بدلا من أن أصبح عبئا على مضيفي البحرينيين، لعبت دورا متواضعا في كوني جزءا من معجزة التنمية الاقتصادية التي حولت هذا البلد على مدى العقود الماضية إلى واحة استقرار وازدهار.

لذلك دعونا نرفض أولئك الذين يشوهون المهاجرين بوصفهم تهديدا وعبئا على الأمم الأكثر حظا. دعونا لا نفكر في هؤلاء الناس كغرباء لا يمتون لنا بصلة، إنهم بحاجة إلى مساعدتنا، وهم جميعا إخوتنا وأخواتنا في الإنسانية. دعونا نبرهن على أفضل مثال وضعته تقاليدنا في استعدادنا لفتح بيوتنا وقلوبنا وحدودنا لمساعدة أولئك الذين ليس لديهم شيء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا