النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

آداب التعاطي مع الرأي والفكر

رابط مختصر
العدد 10530 الثلاثاء 6 فبراير 2018 الموافق 20 جمادى الاول 1439

الإنسان الفرد العضو في عائلة السبعة ونيف مليار من البشر في هذا الكون، يعيش في وسط بشري هو جزء من جزيء هذه العائلة الكبيرة المتكاثرة. وكل فرد في هذه العائلة المتناثرة المتكاثرة يعيش يومه بين بحر هائج وبحر هادئ من الأفكار والآراء، تتلاطمه آراء تتدرج في نوعها وجنسها من الحَسَنِ والجميلِ والبلسم الشافي إلى السيئ والقبيح والسم الزعاف، وكل فرد منا تصدر منه كل يوم بعضاً من تلك الآراء والأفكار، فهذا اللسان المنتج للكلام لا يتوقف عن القيل والقال طوال صحوة صاحبه، وتنفرز من بين سيل القيل و لقال آراء وأفكار، وأكثرها دون حساب ولا ميزان. فكيف السبيل إلى التعاطي مع كل هذه الأمواج من الفكر والآراء، ونحن لا سبيل لنا إلاّ التعايش مع أصحابها والتعاطي معها؟ وليس كل من قال رأياً وأفرز فكراً كان عاقلاً أو حسن النية يستحق الأخذ بما قال، والأفكار والآراء شتى بين اختلافات وتناقضات وتشابهات، بين جد وهزل، على هوى موقع صاحبها عقيدةً ومصلحةً وهويةً وانتماءً، وحسب طبيعته (صاحب الفكر والرأي) النفسية - السيكولوجية - وجديته ومستواه الفكري و الثقافي ومدى إخلاصه الوطني والإنساني، والآراء والأفكار قد تنطلق من مكامن العقل والنفس في ظروف مختلفة ومتناقضة، وظروف الحالات الشخصية والأسرية والوطنية وحتى الأقليمية لها نصيب كبير في صيغة الرأي ولون الفكر... الإنسان أسير طبيعته وموقعه وحالة الظرف التي يعيش فيها لحظة تفوهه برأيه، وكل رأي، مهما كان بسيطاً وحتى ساذجاً، يحمل صورة من صور الفكر... وطبيعة الرأي من طبيعة منبعه، وتتدرج مستويات منابع الرأي والفكر، من قمة الرقي إلى قاع الانحطاط، وهناك كَمٌّ خليط عجين من الآراء والأفكار بين دفتي الرقي والانحطاط، وهذه هي المساحة الأكبر في سِفْرِ «الرأي والفكر»... وهذه المساحة الأكبر هي ساحة الكر والفر بين الرأي والرأي المضاد، وبين الفكر والفكر المضاد، مع مفارقة في طبيعة فعل «المضاد»، لا شك أن الرأي قد يقابل بالقبول او عدم القبول او الرفض المطلق او بعدم الوضوح، و لكل حالة من حالات مقابلة الرأي طبيعة في التعاطي مع ذاك الرأي، وخارج حالة القبول نحن أمام الرأي «المضاد»، وهذا الرأي المضاد يتدرج من طبيعة رصينة إلى طبيعة رعناء، الطبيعة الرصينة تقابل الرأي بالرأي، قبولاً وإشادة، أو رفضاً ونقداً ولكن بروح من الإحترام لصاحب الرأي وتقديراً لذاته الشخصية، مهما كان طبيعة الرأي، فحرية التعبير حق تكفلها الدساتير المتحضرة وينادي بها الحق الطبيعي، منذ نشوء الوعي البشري وارتقاء معنى الوجود عنده، من الوجود في ذاته إلى الوجود لذات، وحتى وإن كان صاحب الرأي مخطئاً بالبديهة المنطقية والثقافية والعرفية، فإن الإنسان خَطّاءٌ وعرضة للخطأ، والآراء الخاطئة تصدر منا في ظروف غير مؤاتية للرأي المنسجم مع المنطق وطبيعة الفكر، ولكن الرأي مهما كان خاطئاً لا يُتهم بالجرم، وهنا نفرق بين الرأي والتحريض، حيث أن التحريض، حاله حال السب والشتم، ليس رأياً بل إن التحريض دعوة صريحة إلى إلحاق الأذى بالانسان والممتلكات والمؤسسات، والسب والشتم هي صرخات جاهلة جاهلية تدفع إلى الإقصاء والتكفير ضد مَنْ يُخْتَلَفَ معهم (التكفير ليس فقط بالمعنى الديني ولكن بمعنى «ضرورة إخراج الإنسان الفرد او الجماعة غير المرغوب فيهم من دائرة الأمة» واعتبارهم أعداءً دون وجه حق)... تتميز الطبيعة الرعناء عن الطبيعة الرصينة، في التعاطي مع الفكر والرأي، أنها تتسم بالتحريض والسب والشتم دون الخوض والبحث في تعابير الرأي ومفاصله الفكرية وما يحمله من معانٍ وأهداف، بل الرفض الأرعن المطلق لصاحب الرأي، مثلما حصل مع مفكرين وأدباء أمثال عميد الأدب العربي طه حسين والشيخ الأزهري علي عبدالرزاق وفرج فودة وحامد نصر أبو زيد ونجيب محفوظ، عمالقة الفكر هؤلاء الذين أرادوا أن ينيروا دروب المستقبل والحضارة أمام شعوبهم تعرضوا إلى التحريض والسب والشتم، ومنها إلى القتل والنفي الاختياري والطعن بالخنجر... فالإنسان ذات الطبيعة الرعناء منغلق على ذاته في دائرة ضيقة من الطقوس والتراتيل، ويتميز بضيق الأفق وبكسل عقلي وعدم القدرة على استيعاب وتحمل أي رأي او حتى أية كلمة لا تعجب هوى نفسه الملفوفة في كفن الجهل... وهذا الجهل، مدفوعاً بالتحريض، قد يندفع الى جريمة القتل دون معرفة بماهية القتيل ولا سبب القتل ولا تبعات الجريمة، فالجهل مجرم أعمى... 

ومن آداب التعاطي مع الرأي، عدم المساس بصاحبه بالتجريح، وعدم التعرض لمكانته في ذات شخصه، بل التعاطي معه بكل احترام ومقابلة الرأي بالرأي و الفكر بالفكر، هكذا نعالج قضايانا في خضم أمواج الأفكار والآراء التي تفرزها قضايانا، وهكذا يكون التعاطي الحضاري، فمن المفترض أننا قد تخطينا مرحلتي التوحش والبربرية إلى مرحلة التحضر... 

الرأيُ، لا سلطان عليه، إنما حقُّ الردِ بالرأيِ عليه، دون المساس بالذات الشخصية لصاحب الرأي، ومن يواجه الرأي بالتحريض أو السب والشتم، أو الدعوة إلى محاكمة صاحب الرأي، فقد أجرمَ في حق صاحب الرأي، وأية سلطة تسمح لنفسها محاكمة الرأي، فهي بهذه المحاكمة تغتال الرأي وترضي على نفسها أن تكون عدوة للفكر وساجنة للعقل... 

 لا يطمئن الجاهل على مملكة جهله إلاّ باغتيال الرأي ومحاكمة الفكر وسجن العقل...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا