النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

كتـــــاب «نـــارٌ وغضـــــب»

رابط مختصر
العدد 10523 الثلاثاء 30 يناير 2018 الموافق 13 جمادى الاول 1439

كتاب «نارٌ وغضب» يخرج من ردهات البيت الأبيض وبتعليقات من أحد المقربين إلى عرش هذا البيت ليصب حمم النقد على سيد هذا البيت، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويقول فيه من مفردات النقد وصيغ النقد ما يربو إلى درجات التجريح والإهانة في ذات الرئيس وأسرته من حيث قدرته العقلية والمسلكية وبالنتيجة أهليته لقيادة أقوى دولة في العالم، وينطلق هذا النقد الجارح من نقطة الكشف، أو الاتهام، بأن مرشح الرئاسة ترامب تواطأ مع الرئيس الروسي بوتين كي يصل إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، وهذا الكشف أو الاتهام يلامس حد الخيانة في حق الوطن، فعندما يثبت أن رئيس دولة يكون في حكم المتواطئ مع رئيس دولة أخرى منافسة من حيث القوة والقدرة والمخططات الجيوسياسية فقط من أجل وصوله الى سدة الرئاسة، فإنَّ في الأمر فيروسات لا تطمئن الأمة بكاملها لها، فالكتاب يحشر رئيس الأمة في زاوية (شبه) الخيانة ويصفه بما يشبه المخبول، والكتاب بهذا المنحى يضع الأمة الأمريكية أمام محك حرج، ويبدو أن هذا هو ما أراده المؤلف مايكل وولف.. 

ومن هو السيد مايكل وولف الذي مزق حاجز الخوف والتردد وتجرأ بهذه الشجاعة شبه النادرة كي يتطاول على قائده الذي يحظى بسلطة وظيفية من رسم الدستور؟ (سلطة وظيفية وليست سلطة مطلقة!!!).. 

مأكل وولف مؤلف وصحفي أمريكي من مواليد 1953، حائز على جائزتين هما جائزة المجلة الوطنية وجائزة المرأة، تقديراً له لمساهماته الصحفية الواسعة ولآرائه في عالم الصحافة والفكر، ويكتب في أكثر من صحيفة في أمريكا و بريطانيا؛ في 5 يناير 2018 نشر كتابه «نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض»، ومادة الكتاب ترتكز على مائتي مقابلة مع مسؤولين في البيت الأبيض من ضمنهم صهره جاريد كوشنر، ومن أهم المقابلات تلك التي أجراها المؤلف مع الرئيس الأسبق لاستراتيجية البيت الأبيض السيد ستيف بانون الذي أطلق العنان لتعليقات مهينة وجارحة حول أسرة الرئيس ترامب في البيت الأبيض. إذاً فنحن أمام صحفي ومؤلف له تاريخ وباع واسع في عالم الصحافة والفكر والتأليف، ويمتلك رصيداً من الاحترام والتقدير في عالم الإعلام والصحافة والتأليف، وهو متوَّج بجائزتين تقديريتين، وهذه الخلفية المرموقة لمؤلف الكتاب يعطي الكتاب قيمة من المصداقية في محتواه من حيث المعلومات والحقائق والأفكار والآراء، فالكتاب من المعيار الثقيل الذي لا يمكن التعامل معه باستخفاف، حتى أن الرئيس الأمريكي، الذي هو موضوع الكتاب، لم يستطع أن يمنع نشر الكتاب، بل كل ما استطاع فعله لمواجهة الكتاب هو التوجه الى سلطة القانون، لأن سلطة الرئاسة لا قيمة لها أمام سلطة القضاء (القضاء الحر والمستقل)، فخسر الرئيس الأمريكي القضية أمام القضاء الأمريكي الذي حكم بنصوص القانون الذي يعطي الحق للمؤلف كي ينشر كتابه، ويرد رئيس البيت الأبيض إلى كرسيه خالي الوفاض..

 إذاً فهذا الكتاب ليس كأي كتاب، فقد زلزل البيت الأبيض وأفقد الرئيس صوابه وهز نفوس الشعب الأمريكي (والبريطاني)!!! ودغدغ مشاعر الفضول (والشماتة) لدى بقية شعوب العالم، والكتاب له خاصية وخصوصية تخترق نفسية الشعب الأمريكي في عمومه، وينشر على العالم غسيل الرئيس الجديد في البيت الأبيض بشكل لا سابق له في التاريخ الأمريكي، فكتاب بهذا اللون الأحمر الفاقع في حاجة حقوقية وأدبية من أجل تأمين نشره دون الخوف من تبعات قضائية توقف نشر الكتاب وتنال من مؤلفه وتقضي على مكانته وقد تزج به في غياهب السجن، ولكن القضاء وقف مع الفكر أمام السلطة، وأكرم الفكر وخذل السلطة... 

إن هذه المواجهة القضائية التي رفعت من شأن الفكر أمام جبروت السلطة يثير في النفس تساؤلات متحفزة عن مدى الحق الأدبي، الذي يكفله الدستور، لنشر كتاب جارح ومهين لرئيس الدولة (ليس لأعلى سلطة، لأنه ليست هناك أعلى سلطة، بل السلطات تشترك في المسؤوليات الوظيفية للدولة).. واضح أن الدستور الأمريكي (الديمقراطي) يكفل حق المواطن في الفكر والتعبير والتأليف والنشر، وبدعم أصيل من سلطة القضاء. 

الصفحة الأولى التي تتضمن العنوان واسم المؤلف رسمت فيها هذه الكلمات: «الحق الأدبي مكفول للمؤلف» (The moral right of the author has been asserted)... 

الطبعة الأولى بنسختها الامريكية صدرت من دار هينري هولت وشركاه (Henry Holt and Company)... 

الطبعة الأولى بنسختها الانجليزية صدرت من دار ليتل براون (Little Brown)..

وهذا التوازي في طباعة الكتاب ونشره بين دفتي الأطلسي يحمل مغزىً خاصاً بالمكون الأنجلوسكسوني الذي يتشكل أساساً في الولايات المتحدة وبريطانيا، فالكتاب بهذا المغزى يحمل دلالة الدعم الأدبي والفعلي من المكون الأنجلوسكسوني، أي أن الشعب البريطاني والشعب الامريكي يشتركان بشكل شبه موحد بأهمية الكتاب وتأثيره وتبعاته، وكأن الشعب البريطاني، مثله مثل الشعب الامريكي، معني بكامل أبعاد هذا الكتاب الذي تخطى جميع الخطوط الحمراء التي تفصل القيادة السياسية عن القاعدة الشعبية، وبمشاركة القضاء في الفصل في القضايا.. 

نستطيع أن نقول بكل ثقة إن شعوب العالم عامة والشعوب الأوروبية خاصة والشعب الامريكي بالثقل النفسي وبخاصية شخصية مهووسة بكتاب «نارٌ وغضب».. الكتاب يكشف وجهاً واضحاً لا لَبْس فيه، ووجه خلافي جدلي فيه الكثير من وجهات الرأي، وهذا الوجه الخلافي يتمثل في محتوى الكتاب.. هذا الوجه شأن شخصي للقارئ يوافق المؤلف او يختلف معه..

الوجه الأساس يكشف عن النهج الديمقراطي الحقيقي والسليم في دولة القانون ودستور يستمد سلطته من الشعب، والذي أجاز للمؤلف حرية نشر الكتاب..

الكتاب يقاس ويقيم أساساً بالوجه الديمقراطي، الوجه الدستوري وليس الوجه الخلافي. هذا الكتاب لو كان قد نشر في أية دولة ديمقراطية من ديمقراطيات العالم الثالث، أو في دول الدكتاتوريات لألقي بالمؤلف وعائلته فيما وراء الشمس.. للكتاب إذاً قيمة ديمقراطية عظيمة..

لقد صدر ونشر الكتاب في دولة الدستور والقانون، فحظي المؤلف بمكانة المواطن الذي له كامل الحق في التفكير والنقد والتأليف والنشر، حتى وإن كان النقد ينال من سلطة الرئاسة في الدولة.. الرئيس المُنْتَقَدْ اضطره القانون أن يحترم المؤلف الناقد ويحمي الكتاب من أن يُمَسَّ بالسوء، رغم ان الكتاب ينتقده الى مستوى الهجوم، الرئيس المستهدف يحترم المؤلف رغم أنه يختلف بقوة عما جاء في الكتاب.. من الأجدر فكرياً وثقافياً وحتى سياسياً النظر الى الأمور الخلافية بمنظار إيجابي ورؤية الجانب الناصع بدل التركيز على مجرد وجه واحد.. «نار وغضب» كتاب يتهجم على رئيس الدولة، والدولة تحمي مؤلف الكتاب، ورئيس الدولة يحترم المؤلف، والشعب يقرأ الكتاب ويختلف بين مؤيد ومعارض ولا مبالٍ.. هذه هي الديمقراطية التي تحلم بها شعوبنا العربية والاسلامية وجميع شعوب دول العالم الثالث والخامس.. كتاب «نار وغضب» رمز من رموز الديمقراطية النظيفة، ومعظم الذين يتفقون مع محتوى الكتاب في العالم اللاديمقراطي لا يجرؤون على التنفس بكلمة نقد واحدة في أوطانهم.. 

إن دولة الدستور والقانون تجعل من المواطن إنساناً عظيماً، مهماً اختلفنا مع تلك الدولة، فما أعظم دولة القانون التي تساوي بين رئيس الدولة ومواطن عادي ألف كتاب أمام القضاء.. وهذه هي الدولة المعيارية في عصرنا الحاضر، ومن تخلف عن هذا المعيار فقل عليه السلام..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا