النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10809 الإثنين 12 نوفمبر 2018 الموافق 4 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

الصراخ النووي بين قائديــن

رابط مختصر
العدد 10516 الثلاثاء 23 يناير 2018 الموافق 15 جمادى الاول 1439

مع صعود ترامب الى كرسي الرآسة في أمريكا بعد مهرجان انتخابي تنافس فيه عدد من المتنافسين، وجلوس كيم ـ يونغ أون على عرش السلطة المطلقة بعد وفاة أبيه في كوريا الشمالية، تصاعدت لغة التهديد والوعيد المتبادل بين القائدين الى درجة الصراخ المتبادل بالاتجاه الى خيار الرعب النووي... الرئيس كيم يجلس على عرش السلطة و زر الرعب النووي أمامه على الطاولة، هكذا يعرض قوته في وجه الرئيس الامريكي، و الذي يرد الرعب رعبين (الصاع صاعين) مزمجراً بحنق وغضب بأن الزر الذي على طاولته أكبر، بمعنى أن قدرته النووية أعظم من تلك التي بيد الرئيس الكوري الشمالي، و فحوى خطابه في الامم المتحدة يفيد بأن أمريكا قد تضطر الى الخيار النووي الساحق ضد كوريا الشمالية!!!... هذا التراشق الكلامي، بين رئيسين كبيرين لدولتين لهما الاعتبار الدولي، و الشبيه بالتلاسن الصبياني، ليس أمراً شخصياً، بل أمرٌ يمس سيادة دولتين؛ وهذه السيادة لها وجهان، وجه جيوسياسي عام و هو الوجه الامريكي، و وجه أمني خاص و هو الوجه الكوري الشمالي... الوجه الجيوسياسي الامريكي يمثل السياسة الامريكية العامة على رقعة العالم كله، أي النفوذ الامريكي و الدور القيادي الامريكي في العالم؛ بينما الوجه الكوري الشمالي يمثل الحاجة الأمنية الملحة للقلة الحاكمة و التي تسعى إلى تأمين سلطتها دون أي إعتبار لإرادة الشعب و سلامته، و من المؤلم بالنسبة للشعب الكوري الشمالي أن هذه القلة الحاكمة المتسلطة تتصدرها عائلة واحدة ؛ فنحن هنا أمام دولة العائلة الواحدة حيث أن حكم الدولة حكر عليها، و ينتقل الحكم فيها من الأب إلى الإبْنِ مثل تركة الملكية الخاصة و ما يستتبع ذلك من أحكام الميراث و إجراءاته القانونية ؛ فالسلطة في هذه الدولة هبة إلهية لا يجب التفريط بها و لا العبث فيها... و هكذا نلاحظ أن طبيعة التهديد مختلفة بين الرئيسين، فترامب أمريكا يسترشد باستراتيجية دولة عظمى و التي يهمها أن توسع رقعة نفوذها، و لا تطمئن لدولة تضع كيانها خارج المنظومة الدولية التقليدية، و خاصة إذا كانت هذه الدولة من تلك الآثار الباقية بعد طَي صفحة الإتحاد السوفييتي؛ بينما كيم كوريا الشمالية يسترشد باستراتيجية أمن السلطة الحاكمة و التي يهمها المحافظة على سلطتها النخبوية المتمصلحة ذاتياً في سدة الحكم، و المسمى «الاشتراكي» لهذه الدولة ليست اشتراكية بالمعنى الاقتصادي-السياسي حسب مفاهيم المدارس الاشتراكية، بل هو للتسويق الوطني-الشعبي، مثلما دول أخرى تتسمى بالدِّين و تضمن الدين في دساتيرها، بينما السلطة الحاكمة (المطلقة) في وادٍ و الدين في وادٍ آخر؛ فتلك الاشتراكية و هذا الدين إنما على الوطن و الشعب كي تتلهى السلطة المطلقة كيفما و حسبما تشاء بالسلطة و بالقانون و بالشعب... و لسان حال هذه السلطات هو:«الاشتراكية و الدين للشعب، و الحكم لنا»، و أن السلطة هي القانون، و القانون هو السلطة، والرئيس هو القانون و هو السلطة، بينما في الانظمة الدستورية الديمقراطية سلطة القانون أعلى من سلطة الرئيس؛ و سلطة الرئيس في أمريكا لم تستطع أن توقف نشر كتاب «نار و غضب» الذي يَصب جام النقد و التهم و التجريح ضد الرئيس، لأن سلطة القانون وقفت بجانب المؤلف و الكتاب ضد إرادة و رغبة الرئيس؛ و واقع الحال السياسي و الاقتصادي والقانوني في كوريا الديمقراطية الشعبية لا يسمح بأية سلطة أن تمس بالنقد اللطيف شعرة من جرائم او أخطاء الرئيس... 

 

 

 

 

و على قاعدة طبيعة الاختلاف في الانظمة السياسية، فهناك بالنتيجة إختلاف نوعي في طبيعة التهديد النابع من الاختلاف الجوهري في طبيعة الاستراتيجيات، وهذا الاختلاف ينقلنا إلى إستقراء طبيعة القرار السياسي لكل طرف من طرفي «التهديد بالرعب النووي»، و مدى جدية كل طرف لتنفيذ التهديد، و مدى احتمالية الخطأ في الحسابات لدى كل طرف... 

القرار السياسي في أمريكا، وخاصة القرارات المتعلقة بالحرب و السلام، ليس بيد سلطة الرئيس ولا سلطة واحدة ولا جهة واحدة، بل هو قرار مؤسساتي تجتمع فيه السلطات المسئولة في الدولة، و يمر الاقتراح بالقرار عبر قنوات النقاش الجاد و تحسس جميع الحسابات الممكنة و المتوفرة، و هذا لا يعني أن إقرار القرار السياسي معصوم عن الخطأ، و لكن المهم في أمر القرار أنه ليس قراراً فردياً و لا قرارا نابعا من جهة واحدة، و بالمعنى الدقيق فإن الرئيس ترامب لا يحق له أن يضغط على زر الرعب النووي... 

 و لكن ماذا بشأن الجانب الكوري الشمالي ؟ هنا السلطة بيد الرئيس كيم بشكل مطلق او شبه مطلق، فليس في هذه الدولة فصل بين السلطات، بل السلطات كلها مختزلة بيد الرئيس، و هذا الرئيس في أفضل الحالات المُحتملة قد يستشير أحد الساسة او احد الجنرالات قبل التصديق النهائي على القرار السياسي؛ إذاً فنحن أمام قرار سياسي (مصيري) متروك بيد شخص الرئيس أو بيد فريق صغير من الساسة والجنرالات، وهذا الفريق يتحسس رقبته قبل أن يدلي برأيه أمام الزعيم الأوحد... بمعنى واضح و صريح أن الرئيس الكوري الشمالي عنده السلطة و يحق له أن يضغط على زر الرعب النووي... و لكن هل يفعلها كيفما شاء ؟ لا أعتقد ذلك، لأن طبيعة الصراع من أجل البقاء عند الانسان تحفز فيه في اللحظات المصيرية شيئاً من الحكمة من أجل ديمومة البقاء، و هذا يعني أن الضعيف لا يبادر بضرب القوي، إلاّ إذا اضطر للرد على ضربة قد تنهي مصير بقائه في الوجود... 

فرغم الاختلاف النوعي في طبيعة القرار السياسي، و نعني هنا قرار الرعب النووي، فإن الجدية متأرجحة، فالجانب القوي، أمريكا، ليس في وارد التنفيذ، و ذلك بكل بساطة لأن الجانب الكوري الشمالي لا يهدد و ليس بإمكانه أن يهدد الجانب الأمريكي، بل أن الرعب النووي في كوريا الشمالية هو فقط للردع أمام أي قرار سياسي-عسكري أمريكي للهجوم عليها و إنهاء سلطتها المطلقة و إدخالها في دائرة النفوذ الأمريكي؛ و لا يمكن للجانب الكوري الشمالي أن يقدم على حماقة التعرض النووي للمصالح الأمريكية لأن ذلك سيعطي الجانب الامريكي الذريعة الدولية واللا (أخلاقية) بالرد الصاعق الذي سينهي السلطة المطلقة في كوريا الشمالية و يسبب كارثة إنسانية تفوق عشرات المرات بالقياس مع الكارثة النووية في اليابان في نهايات الحرب العالمية الثانية... الطرفان مدركان لهذه الحقيقة التي نستقرىء منها (شبه) حقيقة موازية، و هي أنه ليست هناك جدية من كلا الطرفين للضغط على زر الرعب النووي... الرعب النووي يرعب الطرفين و يرعب العالم كله... و هذا الرعب النووي يستحيل أن يحصل إلاّ في حالة الحسابات الخاطئة و المبنية أساساً على الإحساس بالرعب الذاتي (في داخل النفس) من سوء نية مبيتة من الطرف الآخر، و هذا الإحساس لا يمكن أن يتواجد إلاّ في الجانب الكوري الشمالي، و هذا الأمر الحسي بالرعب الذاتي يُحَمِّلُ الجانب الامريكي مسئولية إضافية لتجنب إدخال عنصر الرعب الذاتي في حسابات الجانب الكوري الشمالي... فأمريكا أمام مسئولية أخلاقية و كونية لتجنب قرار ناتج من حسابات خاطئة ؛ فقد كان قرار شمشون الجبار، عندما أحس بالرعب الذاتي على الذات، هو «عَلَيَّ و على أعدائي»، أما قرار الرعب النووي في حالة الرعب الذاتي فسيكون عَلَيَّ و على أعدائي و على الآخرين ممن لا شأن لهم من الأبرياء...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا