النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

إنـــه البـــيت العــود

رابط مختصر
العدد 10510 الأربعاء 17 يناير 2018 الموافق 30 ربيع الآخر 1439

تعاودني الذكرى، وتشدّني إلى حنينها وأيامها الخوالي كلما رأيت منزل جدي لأبي المرحوم محمد بن صالح الذوادي طيب الله ثراه بالجسرة أو قُل بقايا أطلال ذلك البيت، أو بيته يرحمه الله في شمال البديع الذي كان يوماً مجاوراً للبحر يستمع إلى هدير الموج وسكونه ويبثه شكواه، إلى بيت والدي إبراهيم يرحمه الله في البديع الذي لا زال ماثلاً يحاكي الشارع الذي يقطع البديع شمالاً وجنوباً إلى بيت العائلة الحالي في البديع الذي يجاور حديقة البديع الغنّاء وكان يملكه جدي لأمي «حسن» يرحمه الله، يضمه ويضم جدتي لأمي «فاطمة» يرحمها الله وخالتي «عائشة» الله يعطيها الصحة والعافية، وكأن حالنا ينطبق عليه قول أبي تمام:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى 

ما الحب إلا لـلحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبـداً لأول منزل

فالبيت العود هو الذي يضم الأجداد والآباء والأولاد، وكان الأقدمون يرحمهم الله يؤمنون بضرورة بقاء «البيت العود» لتجتمع فيه الأسرة كلها وتحافظ عليه وتحافظ على تقاليده والقيم التي يمثلها والذكريات التي يحتويها، ثم إنه البيت الذي يضم من نطلق عليهم ربان البيت إن كان رجلاً أباً أو نطلق عليها سدرة البيت إن كانت امرأة أماً، رحم الله من فارقنا وأسبغ الله نعمائه والصحة والعافية على من بقي منهم بيننا ينورون حياتنا ويدخلون السرور والبهجة إلى نفوسنا ويشعروننا بوجودنا وانتمائنا ويشعون في قلوبنا الحب والوفاء.

تفرقت بنا السُبل، وأصبحنا في عُرف علم الاجتماع الحديث بالأسرة النووية، ورغم ذلك فقد ظل الشعور بالأسرة الممتدة ماثلاً في نفوسنا، ونخشى أن نكون نحن أولئك الجيل الذي يحفظ مثل هذه الذكريات، ولكننا نخشى من عوادي الزمن فلا يبقى شئ على حاله.. غير أننا علينا أن نغرس في نفوس وعقول أبنائنا وأحفادنا ضرورة أن نجعل في كل أسرة من أسرنا «البيت العود»..

كنا في حديث مع زملاء من الزمن الماضي والذي يغضب أحياناً منا البعض عندما نصفه «بالزمن الجميل» وكان محور الكلام عن تلك البيوت التي فرط فيها الأبناء أو الأحفاد إما بالهدم أو البيع فتلاشت ملامح القرية أو المدينة، وتحولت الفرجان إلى معالم أخرى قد نشاهدها في بلدان نسافر إليها ولم تعد لها صفة جمال الماضي ورونقه وبهائه، حتى الناس أصبحوا غير الناس، ربما سكنوا مناطق أخرى في نفس المدينة أو القرية أو ربما اضطرتهم الظروف إلى مدن وقرى أخرى.

مهما تغيرت الظروف، وتبدلت الأحوال فإن لكل مدينة أو قرية طابعها وخصوصيتها وميزتها التي تنعكس بالضرورة على أهلها والناس الذين يسكنون فيها.

ويقفز إلى الذهن سؤال مشروع، هل بإمكاننا أن نعيد لحوارينا وفرجاننا تلك الروح وإن تغيرت أساليب العيش، أي أن تسود الروح التي ألفناها وألفها غيرنا؟! قطعاً لا أملك الجواب الحاسم، وأخالكم أيضاً لا تملكون الجواب الشافي.

ولكن هل هناك تجارب يمكن الاستفادة منها شرقاً أو غرباً؟! ربما تكون هناك محاولات من خلال تشريعات المباني مثلاً للمحافظة على الطابع القديم للمدن أو القرى، أو أن تكون المباني الجديدة تحاكي القديم في المظهر والطراز، وإلى أي حد نجح أولئك في المحافظة على هذه التركيبة العمرانية؟! صحيح أن بعض المباني لا زالت تقاوم الزمن رغم البون الشاسع بينها وبين الوقت الحاضر، لكنها بقت مبانٍ كان الأقدمون حريصون على إبقائها أطول فترة ممكنة من خلال الإعمار وهندسة ومواد البناء حتى باتت شامخة متحدية عوامل الزمن لكنها ظلت على حالها حتى الصيانة بدت أحياناً عاجزة عن أن تؤدي واجبها المنوط بها. 

قديماً كان يقال: «المكان بالمكين» قد نعترف أنه من الصعوبة بمكان عودة الأماكن القديمة إلى سابق عهدها لكننا بشر نشتاق إلى الألفة والمحبة، نشتاق إلى الجيرة الطيبة، والصحبة الوفية، نشتاق إلى رؤية أطفالنا وهم يلعبون أمام ناظرينا في حوارينا وفرجاننا، نشتاق إلى الصلاة في مساجدنا وجوامعنا القريبة منا والتي نقصدها مشياً على الأقدام، نشتاق إلى جلوس رجالنا على المقاهي المقابلة لبيوتنا، نشتاق إلى رؤية نساء الفريج وهن يتزاورن ويحتسين شاي الضحى في أحد بيوت جيرانهن، نشتاق إلى الدكاكين القريبة من بيوتنا والتي نقصدها لشراء ما نحتاج إليه، نشتاق إلى الخضار والسماك الذي يقرع أبوابنا لبيع ما لديه من خضار وأسماك... نشتاق إلى رؤية أطفالنا وهم يحملون حقائبهم على ظهورهم وهم في طريقهم إلى المدرسة القريبة منا مشياً على الأقدام، نشتاق إلى كل ذلك وأكثر... وربما ما لا نستغني عنه أبداً هو الجلوس إلى أمهاتنا وآبائنا وجداتنا وأجدادنا والاستماع إلى أحاديثهم دون أن نعبث بالهاتف بحثاً عن رسائل التواصل الإجتماعي التي تغضبهم وتثير في نفوسهم الغصة والشعور بعدم المبالاة، وهو شعور مؤلم وقاسي أتمنى من الجميع مراعاة ذلك خصوصاً بحضور من يعز علينا أن نفارقهم أو نغضبهم أو نشعرهم بعدم الاهتمام بما يقولون ويعبرون عنه.إننا عموماً نشتاق إلى قيم وأخلاق وشمائل وصفات «البيت العود».

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا