النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مخترع الديناميت والاعتذار العظيم

رابط مختصر
العدد 10509 الثلاثاء 16 يناير 2018 الموافق 29 ربيع الآخر 1439

 لقد ارتبط اسم العالم السويدي الفريد نوبل بمتناقضين، الحرب والسلام، ومادة التناقض هي اختراعه الخارق في حينه، في القرن التاسع عشر، الديناميت (الاسم مأخوذ من الكلمة اليونانية «ديناميس» والتي تعني «القوة»)، وهي مادة من مكونات كيميائية لها القدرة على احداث تفجير وتفكيك للصخور وطبعاً لها قدرة على القتل والتدمير، وكان هدف الفريد نوبل من هذا الاختراع هو المساعدة في اعمال المناجم وتهشيم الصخور المنجمية بغية الوصول الى مكامن المناجم، وليس لأهداف عسكرية تقتل البشر وتدمر ما بناه البشر... هكذا كانت البداية مع العالم الفريد نوبل واختراعه الطيب-السيئ. وعملة الديناميت بوجهيها المتناقضين، الطيب والسيئ، تسترجع من ذاكرتنا مسرحية الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر و روايته المسرحية «الشيطان و الإلٰه الطيب»... في أحد المشاهد في المسرحية يدور هذا الحوار بين غوتز وكاترين:

غوتز: سوف أحتل المدينة.

كاترين: لكن لماذا؟

غوتز: لأنه عمل سيئ.

كاترين: ولماذا العمل السيئ؟

غوتز: لأن العمل الطيب قد تم فعلاً.

كاترين: من الذي أدي العمل الطيب؟

غوتز: الإله الآب. أما أنا فسوف أبتكر... 

 

ويتوقف الحوارعند هذه النقطة الصاعقة لكاترين، فغوتز يقر بأن العمل الطيب قد تم، وأنه لابد من مقابلة العمل الطيب بعمل مضاد من ابتكاره، وهو العمل السيئ... كان العالم الفريد نوبل قد انتهى من عمله الطيب، ولكن الشيطان كان له بالمرصاد.

وهذه الجزئية في الحوار المسرحي تتوازى مع علاقة مخترع الديناميت بالخير والشر في تتابع زمني وسببي لم يكن في حسبان المخترع... أنهى المخترع ديناميته من أجل الخَيْرِ (مساعدة عمال المناجم)، وبعد أن انتهى من عمل الخير، العمل الطيب، كان له بالمرصاد من رأى في الاختراع عملاً يساعد على «احتلال المدينة»، عملاً عسكرياً يحقق طموحات السياسة. أراد العلم من الإختراع خيراً، وجعلت السياسة من الاختراع شراً، وهذا هو مأزق العلم مع السياسة... والديناميت حاله حال السكين، فالسكين في يد الطباخ غير السكين في يد السفّاح. 

فحزن العالم الفريد نوبل على هذا الاستخدام الشيطاني لعمله العلمي النبيل، ورأى أن من موجبات العمل الطيب أن يناهض الشر بخير يعيد إليه مكانته الطيبة ويخدم أهدافه النبيلة، فاوصى بوضع كل ثروته - قبل وفاته - في بنك سويدى وتعطى ارباحه سنوياً للمبدعين في شتى المجالات، العلم، السلام، الفن، الأدب... وهذه الوصية هي «وثيقة الاعتذار العظيم»، اعتذار عظيم من إنسان عظيم، إنسان امتلك العلم والثروة، وبالنتيجة القوة، فاعتذر، فكان الاعتذار قوة، قوة النبل والأخلاق. 

 الفريد نوبل اعتذر للبشرية قاطبة بوصيته العظيمة النبيلة، رغم أنه شخصياً لم يجرم بحق أحد، اعتذر، بصيغته النبيلة الخاصة، لا لأنه اخترع الديناميت ولكن لأن الإنسان-الشيطان أساء استخدام الديناميت، وجعل منه وسيلة حربية تحقق التهديد والوعيد وإخضاع الشعوب لإرادة من يمتلك القوة، والديناميت قوة تدميرية فاعلة، يوازي في زمانه القوة النووية في زماننا. مثلما في ثقافة المسيح، حيث إن صلب المسيح كان تطهيراً لذنوب البشر، والفريد نوبل على صليب الوصية (الاعتذار العظيم) يتطهر من ذنوب الانسان-الشيطان. 

هذا الاعتذار العظيم يلج أبواب علم الاجتماع وعلم النفس، علوم إنسانية تهتم بملكة الاعتذار عند الانسان، وتضع الاعتذار في ملكوت الفضيلة حيث الأخلاق والرقي والنبل والرحمة والعناية بكل ما تحمله الأرض من بشر وشجر وحجر وماء وهواء، هذه هي منزلة الاعتذار، ولكن أبت النفس البشرية، المتشربة بالفجور والطموحات الذاتية، أن تقر بمكانة الاعتذار في ملكوت الفضيلة.

جرائم الانسان بحق أخيه الانسان، ومنذ بداية التاريخ المسطور، لا تعد ولا تحصى، ولكن دون اعتذار... ولا داعي لاسترداد السطور القديمة لتبيان غياب هذا الاعتذار المطلوب، ولكن لنرى في عصرنا، عصر الحضارة وثقافة حقوق الانسان، من القرن الماضي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اثناء معارك الحرب العالمية الثانية... هذه الحرب، بغض النظر عن مسبباتها وأهدافها، قد أفرزت جلادين وضحايا، والجلادون الى يومنا هذا يترفعون على الضحايا ويعتبرون جرائمهم لا تقتضي الاعتذار أبداً. اليابان اثناء غزوها للصين وبعد معركة نانجنغ نفذت مذبحة بشعة وبدم بارد ضد المدنيين العزل خلال ثمانية أسابيع متواصلة، قتل خلالها أكثر من مائتين وخمسين الف ضحية، وقد صاحب المجزرة أعمال اغتصاب وسحل ونهب و تدمير... وعندما طلب الشعب الصيني الاعتذار من الحكومة اليابانية ردت الحكومة اليابانية بهذا الرد الوقح: «أي اعتذار؟... ولِمَ الاعتذار؟... إن حادث نانجنغ (وليس مذبحة) لا يستحق الاعتذار»، وقاحة الرد أبشع من المذبحة ذاتها... أمريكا بعد أن ألقت قنبلتين نوويتين على اليابان لم تعتذر للشعب الياباني، رغم مطالبة الشعب الياباني من أمريكا كل عام، اثناء إحياء ذكرى المجزرة النووية التي أودت بحياة أكثر من مائتين وعشرين ألف إنسان من الرجال والنساء والأطفال، وما أحدثته تلك المحرقة العظيمة من دمار لمدينتي هيروشيما وناغازاكي سوتهما بالأرض، ولوثت الارض و جعلتها غير قابلة للزرع... ولكن الحكومة الامريكية تأبى بإصرار أن تعتذر للشعب الياباني الذي كان ضحية الحرب بجلاديها من الطرفين... أما اليابان فقد اضطرتها وثيقة الاستسلام لامريكا أن تعتذر لامريكا بسبب هجومها على القاعدة الامريكية في بيرل هاربر، رغم ان القتلى بحدود الألفين والخمسمائة والجرحى ألف ومائتين وكلهم من العسكريين ولم يكن بينهم مدني واحد، وطبعاً اعتذار اليابان جاء من موقع الضعف، فقد كان أخونا الياباني مغرماً لا بطل، وهذا الاعتذار لا يسمح له الدخول في ملكوت الفضيلة... و روايات رفض الاعتذار كثيرة، فليست هناك حكومة، ولا حتى واحدة، تسببت في مجازر ضد شعب آخر دخلت ملكوت الفضيلة بأخلاقيات الاعتذار.

أمام كل هذه الوقاحة من السياسة يقف العلم رافعاً راية الفضيلة، فكم هو عظيم هذا العالم السويدي الفريد نوبل الذي قدم للبشرية أعظم وصية للاعتذار ونفذ الاعتذار بوقف كامل ثروته خدمة للعلم والسلام والثقافة، اعتذر للبشرية بسبب موبقات الساسة والسياسة... هذه فضيلة مازالت المسافة بينها وبين السياسة شاسعة... فهل من سبيل أو أمل لهذه المسافة أن تتقلص الى الصفر؟... لا أحد يدري، وليس هناك في الأفق المنظور ما يبشر بهذا العيد...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا