النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

لا يصح إلا الصحيح

رابط مختصر
العدد 10499 السبت 6 يناير 2018 الموافق 19 ربيع الآخر 1439

أوروبا لم تنهض إلا بعدما تركت ظلام العصور الوسطى خلفها

 

أنا لا أتمنى الثورات في أي بلد، وأؤمن دائما بأن التطور الطبيعي والمدروس أفضل من الثورة، والتغير الهادئ أفضل من الزلزال الذي يُحدِث تصدعات عميقة في الدولة والمجتمع لا تحمد عقباها.

فحتى الثورة الفرنسية التي يتغنى بها الكثيرون وتعد واحدة من أهم الأحداث في تاريخ البشرية، جرى خلالها إزهاق الكثير من أرواح الأبرياء بما فيها أرواح علماء ومفكرين بارزين، وانتهت باستبدال الملكية بجمهورية دكتاتورية بزعامة نابليون المتحالف مع البرجوازية، الطامح للسيطرة على مقدرات الشعوب الأخرى من خلال سلسلة صراعات عالمية مسلحة امتدت من البحر الكاريبي إلى الشرق الأوسط في مصر وسوريا وغيرها.

رغم ذلك، يجب القول إن أوروبا لم تنهض إلا بعدما تركت ظلام العصور الوسطى خلفها، وتخلصت من سطوة رجال الدين الكهنوت، وباتت الكنيسة مكانا للروحانيات وليست منصة لإدارة الدولة وفرض الأتاوات على الناس وتكميم الأفواه وإشعال الحروب.

قادة الجمهورية الإسلامية في إيران مازالوا يعتقدون أن بإمكانهم حكم 80 مليون إيراني من خلال نموذج «الولي الفقيه» الذي يَعد أتباعه بالجنة والنصر على الأعداء، ويسمح لنفسه بحرية تبديد أموال الشعب على الصراعات الخارجية، فيما قطاعات واسعة من الناس ترزح تحت وطأة الفقر والعوز والجوع.

منذ نحو أسبوعين كنت في نقاش مع أحد الأشخاص المعجبين بالنموذج الإيراني، في الواقع كنت أُذكِّره دائما بلبنان أيام الحريري ولبنان أيام حزب الله، وأقول له إن من يحكم الناس بالدين إما جاهل أو متجاهل، وإن رجلي الدين والسياسية لا يمكن أن يلتقيا في القيم ذاتها.

كنت أقول له إن رجل الدين الذي تتاح له فرصة الإمساك بزمام السلطة والثروة لا يمكن أن يبقى منزَّها عن الانحراف، فيكون أمام طريقين؛ إما أن يزهد بالحكم فيتركه لأهله، وأما أن يتحول إلى رجل سياسية دنيوي وضعي -وربما فاسد أيضا- دون أن يخلع العمامة أو الجبة.

قال لي مُحدِّثي: انت مخطئ أكرم، إيران هي الحل، ونهج إيران سيسود المنطقة، والعالم.

قلت له: إذا كان نهج إيران يقوم في أساسه على رفع الظلم ونجدة المظلومين، فلماذا لا تهاجم إيران إسرائيل؟ خاصة أن الفرصة الآن مناسبة جدا، وإيران ستكسب تعاطف الشارع العربي والإسلامي إذا قامت بذلك، ونفذت وعودها التي ما برحت تطلقها على مدى الخمسين عاما الماضية حول تحرير القدس، حتى أنها سمَّت أحد أعنف تشكيلاتها العسكرية بـ«فيلق القدس».

فأجاب: كن على ثقة يا أكرم أن إيران ستفعل ذلك، لكن في الزمان والمكان المناسبين.

قلت له: أرجو أن يكون ذلك خلال حياتي أو حياة أولادي أو حياة أحفادي، لكن أؤكد لك أن هذا منطق خاطئ، فليس هناك من عاقل يقبل أن يضحي بمستقبله ومستقبل أولاده وأولادهم فيما هو ينتظر تنفيذ إيران لوعدها المنتظر.

أصر محدثي على موقفه، وقال إن التضحية مطلوبة، فأجبته: أرجوك، قم بالتضحية انت ومن هم على شاكلتك، لكن دون أن تورطونا معكم في تضحياتكم العبثية، ودون أن تخرِّبوا عيشنا كما تفعلون في لبنان واليمن وسوريا وأماكن أخرى.

لكن -كعادة كل الموالين لإيران- سرعان ما انتقل محدثي إلى الكلام عن السعودية قائلا إن السعوديين بمعظمهم فقراء، أما الإيرانيون فهم مرتاحون ماديا واجتماعيا ونفسيا، وتابع أن القوة هي الأساس، وإيران قوية جدا الآن.

فقلت له: ربما تكون إيران قوية، لكن هذه القوة قائمة على الترهيب العقائدي والفكري للإيرانيين، حتى بات المواطن الإيراني يعتز بنفسه وقوة دولته رغم أن أمعاءه خاوية، تماما كما هو المواطن الكوري الشمالي والكوبي، وغيرهما من مواطني الدكتاتوريات المنغلقة على العالم، فمن السهل جدا أن تتبنى السلطة الحاكمة نهج خلق الأعداء وتضخيمهم من أجل إرهاب الداخل والسيطرة عليه تحت ذريعة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، ومن السهل أن تبادر تلك السلطة إلى إشعال الصراعات وشن الحروب، لكن من الصعب جدا عليها أن تعيش في أجواء حرية واستقرار؛ لأن الشعب حينها سيكشف عوراتها ويقول كلمته ويسقطها.

أخيرا، صمت محدثي محاولا الابتسام، وقطع الحديث.

لم تمر سوى أيام قليلة على هذا الحديث لأجد أن الناس الجياع والمحتاجين والمظلومين في إيران خرجوا إلى الشوارع ليقولوا كفى ظلما وجورا وكذبا باسم الدين، أعطونا حصتنا من ثروتنا، دعونا نعيش.

في الحقيقة سأكون متفاجئا جدا لو استطاع المحتجون في إيران إحداث أي تغييرات جوهرية في الوقت الحاضر، وآمل أن يخرج من بينهم حكماء يرسمون معالم إيران الجديدة لتكون عضوا إيجابيا في المجتمع الدولي ومسهما في الحضارة البشرية.

ربما يتمكن القائمون على النظام الإيراني من قمع هذه المظاهرات كما فعلوا في العام 2009 تحت ذرائع شتى، لكن أسباب تلك المظاهرات ستبقى موجودة، وستبقى كالنار تحت الرماد تنتظر أي نسمة هواء لتشتعل من جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا