النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

«الأطلال»... قصة حب لم تكتمل

رابط مختصر
العدد 10499 السبت 6 يناير 2018 الموافق 19 ربيع الآخر 1439

لم تترك الحكايات إبراهيم ناجي حياً وميتاً، إذ تناولته الأقلام مرات عديـدة، وقالوا عنه العاشــق الذي مات حياً

 

تذكرت مع قدوم العام الجديد بساعاته وأيامه قصيدة «الأطلال» للشاعر الطبيب إبراهيم ناجي.. ولكن ما علاقة «الأطلال» بكلماتها وشاعريتها المرهفة بعام جديد؟.. ربما لأننا غالبًا ما نضع المقارنات بين عام ولى ومضى الى حال سبيله وآخر يهل علينا، كذلك «الأطلال» التي لم يترك كاتبها إبراهيم ناجي لحظة حب مع ملهمته وإلا تذكرها وكتبها ثم عاد إليها بعد حنين وسنين، فالحنين هنا لحب انتهى ولكنه ترك أثرًا في النفس والروح، والسنين ليتذكر هذا الحب الجارف الذي ترك بصمة في قلبه وروحه وربما جسده ولكنه لم يخبر أحدًا بذلك، ربما أراد إخفاء سبب العلة التي تركت آثارها على أشعاره وقصائده.

 ربما أفصح عما أريده بصراحة، فالحب لا ينتهي بدليل أننا أحياناً نعيش بذكراه وعلى ذكراه، وإذا كان ناجي أبدع في التعبير عن حبه في أطلاله وغيرها من القصائد التي تركها لنا بعد قصص حب عاشها، فهذا قدره كشاعر، ولكن غيره أيضا يعيشون نفس الذكريات وهي محفورة في ذاكرتهم، ولهذا فعندما يهفو ماضينا على وعينا نسترجع بالفطرة أبياتاً خالدة من ذكرى الحب العذري وتنتفض معها روحنا ويرفرف قلبنا بمجرد أن تهف علينا ذكرى وصورة المحبوب أو الحب الذي كان. ولهذا لم يكن غريباً على ناجي وغيره من الشعراء أن يعودوا الى الوراء، ليس بحثاً عن أطلالهم الخالدة، وإنما رغبة في العيش لحظة جميلة عاشها في زمانه وماضيه. وهنا يتذكر ناجي أبياته:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحاً من خيالٍ فهوى

اسقني واشرب على أطلاله.. واروِ عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبراً.. وحديثاً من أحاديث الجوى

لست أنساك وقد أغريتني.. بفمٍ عذب المناداة رقيقْ

ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ.. من خلال الموج مدت لغريق ْ

وبريقاً يظمأ الساري له.. أين في عينيك ذياك البريق

  تحدثوا وأسهبوا كثيرًا عن ملهمة إبراهيم ناجي، فتارة يقولون فنانة مشهورة، في حين كتب كثيرون نقلاً عن الشاعر نفسه أنه عشق أكثر من فنانة وممثلة وراقصة ولكنه لم يكتب أطلاله الخالدة عن أي منهن. وتروي أغلب القصص أن الممثلة زوزو حمدي الحكيم هي الملهمة الحقيقية والوحيدة للأطلال، وتنقل الحكايات عن ناجي رسالة كتبها بنفسه لحبيبته - المجهولة في الواقع ولكن يقولون إنها لزوزو حمدي الحكيم- على «روشتة» صرف الأدوية لوالدتها المريضة. وتقول نص الرسالة التي لا نعلم مدى صدقها أو زيفها «إذا استطعت أن أكون الدليل الذي يريك الفن والجمال والخير والحق والنبل فأنت أعطيتني ذلك القليل.. وأنا كنت لك ذلك الدليل.. فأنا استعنت بروحك السامية على آدميتي.. وإذا أنا استطعت أن أملأ عليك حياتك فشعرت بالعزة والاستغناء.. يوم ذاك نكون أرباباً يا زوزو.. ويبقى حبنا يا زوزو.. إني أحبك». والمعروف أن الفنانة الراحلة «زوزو حمدي الحكيم»، تزوجت الكاتب الصحفي محمد التابعي نجم الصحافة المصرية في ذلك الوقت والذي اشتهر بصولاته وجولاته في حكايات حقيقية عن الحب والهوى. وتنقل بعض الصحف والمواقع المصرية عن زوزو حمدي الحكيم قولها في لقاء: «أنا ملهمة شاعر الأطلال والمرأة التي كتب فيها أبياته». وتضيف الحكيم أنها رجعت لمجموعة الأوراق – الروشتات التي كتبها ناجي لوالدتها – بعد سماعها أم كلثوم وهي تنشد «الأطلال»، فوجدت كل بيت من أبيات القصيدة على كل روشتة. ولكن الفنانة لم تكشف في حواراتها لماذا لم تبادل ناجي حباً بحب وعشقاً بعشق، وهل كان الحب من طرف واحد أم كشف لها عن غرامه بها.

 وكما ذكرت، لم تترك الحكايات إبراهيم ناجي حياً وميتاً، إذ تناولته الأقلام مرات عديدة، وقالوا عنه العاشق الذي مات حياً من كثرة غرامياته من طرف واحد، والعاشق الذي عاش حياته مثل الفراشة المعذبة الحائرة والتي تنتقل من غصن لآخر لعلها تجد الزهرة التي تسكن إليها. ويبدو أنه مع كثرة تنقلات الفراشة فهي لم ترتو أبدًا من الحب المنشود، فاكتفي ناجي بالارتواء الروحي، وإن كان هذا أصابه بالحسرة التي زادت إحساسه بالحرمان والتلاقي الحسي في كل تجربة مع فنانة أو كاتبة من الكثيرات اللواتي التقى بهن. ومن بين أغصانه التي ذكروها الفنانة أمينة رزق التي كتب فيها قصيدة «نفرتيتي الجديدة»، وزينب صدقي صاحبة قصيدة «وداع المريض»، بالإضافة الى زوزو ماضى، أما الراقصة سامية جمال فانفردت بقصيدة «بالله مالي ومالك».

 

وكما أسلفت، لم يسلم ناجي من الحكايات الكثيرة عن ملهمته، ولكن ما يهمنا في هذا المقام ما تركه لنا من كلمات وإبداع وإحاسيس مرهفة، ونمضي مع أطلاله حتى نصل الي:

 أين مني مجلس أنت به.. فتنةٌ تمت سناء وسنى

وأنا حبٌ وقلبٌ هائمُ.. وخيالٌ حائرٌ منك دنا

ومن الشوق رسولٌ بيننا.. ونديمُ قدم الكأس لنا

هل رأى الحب سكارى مثلنا.. كم بنينا من خيالٍ حولنا

ومشينا فى طريق مقمرٍ.. تثب الفرحة فيه قبلنا

وضحكنا ضحك طفلين معاً.. وعدوّنا فسبقنا ظلنا

وانتبهنا بعد ما زال الرحيق.. وأفقنا ليت أنّا لا نفيق

يقظة طاحت بأحلام الكرى.. وتولى الليل والليل صديق

وإذا النور نذيرٌ طالعٌ.. وإذا الفجر مطلٌ كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها.. وإذا الأحباب كلٌّ في طريق

 

ولعلي أميل بعد سماع هذه الأبيات الى رواية أخرى عن حب إبراهيم ناجي، رغم أنه ليس هناك دليل على صدق حدسي سوى حوار للشاعر صالح جودت الصديق الحميم لناجي كشف فيه قبل مماته أن ناجي أبلغه في جلسة بينهما أنه لم يكتب رائعته «الأطلال» من وحي أية ممثلة من اللواتي ادعين ذلك. وقد احتفظ صالح جودت بسر صديقه ولم يكشفه في أيٍ من حواراته لأن الملهمة كانت وقتها على قيد الحياة ومن الحياء ترديد اسمها في الصحف.. والأمر هكذا، أكشف أنا بدوري معلومة أبلغني إياها أحد الأصدقاء الذين يعرفون مدى ولعي بالشعر والشعراء، فأرسل لي قصة مغايرة لحب ناجي وقد أراها حقيقية أو أقرب الى الصحة وفقاً لما ذكره صديقه المقرب صالح جودت.. فناجي أحب بنت الجيران ولم يزل عمره 16 عاماً، ليغادر مصر لدراسة الطب، ثم يكتشف أن حبيبته التي تتيم بها وفجرت ينابيع الإبداع بداخله تزوجت، فحزن حزناً شديداً وبدأ كتابة أبيات قصيدته التي فكر فيها وهو لم يزل شاباً محباً لها.. لم تستطع كثرة السنوات أن تنسي ناجي حبيبته وملهمته، ليفاجئه القدر ذات يوم برؤية تلك الإنسانة الغالية. فبعد عودته من الخارج بسنوات عديدة، استغاث به رجلاً بعد منتصف الليل لينقذ زوجته التي كانت في حالة ولادة عسيرة، فلبى نداء الواجب المهني وذهب الى منزل المستغيث ليطلب منه أن يكشف وجه زوجته وكانت في حالة خطرة جداً.. وهنا فوجئ ناجي بحب عمره أمامه ووفقه المولى عز وجل في إنقاذها وبدأت أنفاسها تعود لها تدريجياً بعد أن كانت شبه غائبة عن الوعي.. لقد تلاقت أنفس ناجي وملمهته في وقت واحد، هي بعد طول إعياء ومرض بسبب حالة الوضع، وهو من وقع المفاجأة والفرحة، فقد تذكر حب عمره الذي لم ينساه يوماً، وعاش معنا حتى يومنا هذا.. مضت هذه الليلة سريعاً بعد نقل السيدة الي المستشفى ورزقت بمولود، فيما عاد ناجي لمنزله قرب الفجر تقريباً ليكمل قصيدته التي لم تكن كاملة بعد، وليطلق على مولوده اسم «الأطلال»، لتكون أطلالنا جميعاً، فمن منا لم يمر بقصة ناجي، ومن منا لم يعش كل حرف من أبياتها، فهي هزت وستهز قلوب العشاق، خاصة عندما يقول فيها:

 

أيها الساهر تغفو.. تذكر العهد وتصحو

وإذا ما التأم جرح.. جدّ بالتذكار جرحُ

فتعلّم كيف تنسى.. وتعلّم كيف تمحو

يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء.. ما بأيدينا خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا.. ذات يوم بعد ما عز اللقاء

فإذا أنكر خل خله.. وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلى غايته.. لا تقل شئنا فإن الحظَّ شاء

 

لم تكن حياة شاعر «الأطلال» هادئة، فعاش معارك أدبية مع نظرائه وأقرانه من أدباء ومشاهير عصره، بيد أن ناجي لم يتحمل حياته بعيداً عن شعره وقصائده، ويكفي الأدب العربي أبياته التي يصف فيها حبه وشوقه ومعاناته:

 

يا حبيباً زرت يوماً أيكه.. طائر الشوق أغني ألمي

لك إبطاء المدل المنعم.. وتجني القادر المحتكمٍ

وحنيني لك يكوي أضلعي.. والثواني جمرات في دمي

أعطني حريتي أطلق يديَّ.. إنني أعطيت ما استبقيت شيَّ

آه من قيدك أدمى معصمي.. لم أبقيه وما أبقى عليَّ

ما احتفاظي بعهودٍ لم تصنها.. وإلام الأسر والدنيا لديّ

 

لقد عاشت «الأطلال» وغيرها من حكايات الحب والهوى والغرام، وسنعيش نحن مع أبياتها ورواياتها بغض النظر عن ما هي الشخصية الحقيقية الملهمة لإبراهيم ناجي، فمع كل عام جديد، سنتذكر أياماً مضت وحياة عشناها في الماضي، والأهم أن كل يوم يبزع فجر جديد ببهجته وفرحته وياسمينه وأمانيه.

 

بالحب بدأنا وبالحب والآماني الطيبة نختم بأرق الأمنيات لدوام التوفيق لمملكة البحرين الخالدة وقيادتها الرشيدة وشعبها العظيم.. والأمنية والأمنيات الطيبة موصولة لشعبنا الخليجي والعربي في أن يكون 2018 عام خير ونماء ووحدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا