النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الحلقات التاريخية لمسلسل مدينة القدس

رابط مختصر
العدد 10495 الثلاثاء 2 يناير 2018 الموافق 15 ربيع الآخر 1439

في البدء لابد من إلقاء الضوء على مدينة القدس، كاسم بالمعنى اللغوي - التاريخي قبل الخوض في دهاليز الصراعات، على مدى التاريخ، التي عصفت بهذه المدينة وما حولها، والتي اصطبغت بألوان الدين. يعود الاسم الى فترة «تل العمارنة» في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، عندما كانت فلسطين والشام تحت سلطة الفراعنة، وهذه الفترة سابقة على ظهور العبرانيين في فلسطين. حينه كانت مدينة «القدس» تسمى «أُوْرُو سَلِيْم» أي مدينة السلام، وكلمة «أُوْر» سومرية الأصل وتعني «مدينة»، بينما كلمة «سليم» كنعانية الأصل، ومنها كلمة «سلام»... والكنعانية هي أم اللغات الثلاث، الآرامية، العبرية، والعربية... هذه المدينة التي هي القدس عند المسلمين، وأورشليم عند اليهود، وجيروساليم عند بقية الشعوب، لماذا سميت في البدء «مدينة السلام»؟... ليس في السجلات التاريخية ولا الاستكشافات الآركيولوجية ما يعطي جواباً شافياً او مقنعاً لهذا الموضوع، هناك من يرد كلمة «سلام» الى اسم ملك، وآخرون يعتقدون انها اسم لأحد الآلهة الكنعانية، وهذا هو حدود معرفتنا بمصدر كلمة سلام في اسم المدينة «أوروسليم»، أي أن هذا «السلام» الملحق بكلمة «أور» أي المدينة، ليس من منتجات العبرانيين ولا دين العبرانيين، بل أن العبرانيين عندما آلت المدينة إليهم أخذوها بالاسم القديم الأصيل «أوروسليم»، وتحول، هذا الاسم، عندهم مع مرور الوقت والتحولات في اللغة العبرانية ولهجاتها إلى مسمى «أورشليم»، وهذا هو دأب اللغة العبرانية اليوم فكلمة «سلام» عند العرب تلفظ «شلام» أو «شلوم» عند العبرانيين، وأصبغ العبرانيون صفة القداسة على هذه المدينة بعد أن توطدت سلطتهم على المنطقة بمحاذاة سلطات متفرعة من الأصل الكنعاني، ولم تكن تلك السلطات قد بلغت طور الدولة بالمعنى التاريخي والاجتماعي والسياسي، بل كانت كونتونات قبلية خاضعة للدول القوية التي تحيط بها، مثل الفراعنة والآشوريين والحثيين قبل بزوغ فجر الإمبراطوريات... 

مع هذه المدينة (المقدسة) نحن في رقعة جغرافية تسمى فلسطين وهي جزء من مساحة الشام الكبرى، كان الكنعانيون هم سكان هذه المدينة والبقعة والمساحة، ولشاسعة المساحة فإن الناس (الكنعانيون) توزعوا في تكتلات عشائرية وقبلية، وهذا أمر طبيعي وسنة من سُنَنِ حياة الانسان، العبرانيون هم قبيلة بين القبائل الكنعانية الأخرى مثل المؤابيين والآراميين والعموريين واليبوسيين وغيرهم من القبائل والعشائر، وهذه القبائل كانت موزعة على خارطة الشام الكبرى... هذه كانت مرحلة تاريخية لم تمتزج فيها بعد آسيا مع أوروبا، ولكن مع قيام الدولة الأخمينية في فارس في القرن السادس قبل الميلاد وعبور جيش كورش الأخميني حدود آسيا إلى أوروبا أخذ التاريخ منعطفاً جديداً تمثل في بروز أول أمبراطورية تتخطى طموحاتها حدود جيرانها، ومن طبع الإمبراطوريات النظر الى العالم أجمع على أنه ملك لها، تحول الصراع حينها، من حيث الطبيعة والأدوات والأهداف، إلى استراتيجيات جيوسياسية - اقتصادية (أي نهب الارض بمن عليها وما عليها)، وهذه الاستراتجيات الجديدة صارت تدرس الجغرافيا السياسية لتحديد مراكز الرحى بالنسبة لتوزيع قوتها وسلطتها، فأضحت بعض المناطق في العالم بؤراً استراتيجية، إما سياسياً او اقتصادياً او الاثنين معاً... 

وكانت أول خطوة امبراطورية هي الاهتمام بفلسطين ومدينة القدس (أوروسليم)، فرأت الدولة الأخمينية أهمية استراتيجية في هذه المنطقة مما أوعز اليها أن تؤمن لسلطتها الولاء والسيطرة على هذه البقعة من الأرض، فضمنت الولاء بإعادة سبي بابل من العبرانيين الى أوروسليم بعد أن سباهم نبوخذنصر، فزرعت السلطة الأخمينية في المنطقة فئة من الناس (العبرانيون) يدينون بالولاء لهم، وسمحت الامبراطورية الناشئة للعبرانيين بناء معابدهم في أوروسليم، ودامت هذه السلطة قرابة المائتين عاماً الى أن جاءت امبراطورية الإسكندر (الدولة الهيلينية)، وبقى العبرانيون تحت السلطة الجديدة تتنازعهم جنرالات الإسكندر الذين ورثوا الامبراطورية مقطعة الأوصال، فكان الصراع بين البطالمة والسلوقيين على فلسطين في فترة تزيد قليلاً على المئتين عاماً، إلى أن سطع نجم الامبراطورية الرومانية والتي دام ظلها على مجمل مناطق البحر المتوسط ما يزيد على السبعمائة عام، وفي هذه الفترة كان الصراع كَر وفر، مد وجزر، بين الدولة الرومانية والدولة الساسانية على فلسطين، وكان الفتح العربي الإسلامى خاتمة السلطات على القدس وفلسطين الى نهاية الامبراطورية العثمانية في بداية القرن العشرين، وعلى أنقاض الامبراطورية العثمانية برزت امبراطورية غربية مقتدرة استطاعت أن تزيح عن طريقها طموحات امبراطورية غربية أخرى، فكان الاهتمام البريطاني بمنطقة فلسطين، وفي عملية تقاسم الارث العثماني كان لفلسطين أهمية خاصة في خارطة الاستراتيجية البريطانية، فكان لابد من تأمين الولاء والارض في فلسطين، وهكذا أخرجت الامبراطورية الرأسمالية الكبيرة وثيقتها الشهيرة بإنشاء دولة لشتات العبرانيين حتى يؤسسوا دولة على أنقاض شعب رأت الرأسمالية البريطانية ضرورة تهجيرها وحرمانها من الأرض حتى تأمن لمصالحها الاستراتيجية الاستقرار والدوام، في ظل شعب ليس أمامه بد من الولاء للسلطة الامبراطورية، خاصة وأنها زرعت في وسط من الأعداء، وهذا هو النهج الإمبراطوري منذ الأخمينية الفارسية الى الرأسمالية البريطانية... وعندما شاخت هذه الامبراطورية، التي قالت عن نفسها ذات يوم أن الشمس لا تغيب عنها، حلت مكانها الدولة الامريكية القوية في حلة أمبراطورية تفوق كل الإمبراطوريات السابقة في قوتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية، فتسلمت هذه الامبراطورية الجديدة العهدة الاستراتيجية في أرض فلسطين، فجعلت من دولة اسرائيل أعظم ترسانة عسكرية في المحيط الذي تعيش فيه وميزتها في العلاقات الدولية بأن أعطتها حصانة محصنة ضد القانون الدولي و ضد أي قرار دولي او إقليمي يدين جرائم هذه الدولة ذات الأهمية الاستراتيجية للقوى الامبراطورية... ولأن هذه الامبراطورية تتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي بمنظوماته الرأسمالية، فانها تخطت حدود الإمبراطوريات السابقة، فأضحى مسمى «امبراطورية» ناعماً هزيلاً بالنسبة لجبروتها العسكري وماكينتها الاقتصادية وإمكانياتها العلمية، وليس هناك من وصف دقيق أفضل مما جاء به لينين عندما استقرأ في الحراك الرأسمالي بروز قوة إمبريالية، تمثلت بامتياز في الدولة الامريكية، وهذه الإمبريالية الأولى في التاريخ البشري لا يمكنها أن تتخلى عن بؤرة استراتيجية (فلسطين) حكمت عليها الجغرافيا.. 

هكذا أرى شأن فلسطين بالنسبة للامبراطوريات، واليوم بالنسبة للإمبريالية الجبارة، وغداً بالنسبة لأية قوة عالمية صاعدة.. 

إن فلسطين هي قضية شعب أمام نفوذ الإمبراطوريات على مدى التاريخ، هي قضية التجاذب السلبي بين شعب يستوطن الارض وقوة عظمى ترى في هذه الأرض سلامة قوتها وضمان أمنها القومي، وليس للقضية شأن ديني، رغم التأطير الديني لقضية الشعب على هذه الارض، إنما الدين وسيلة من الوسائل التي تعتمدها القوى السائدة بغية تأمين سلطتها وسطوتها ونفوذها..

فلسطين لها نكهة استراتيجية ومصلحية خاصة لدى الإمبراطوريات القديمة ولدى الدول العظمى الحديثة... 

إن سلطة القوة السائدة عالمياً لا يمكن أن تترك فلسطين في حال سبيل أهلها، هذا هو حال فلسطين منذ عهود العبودية مروراً بالإقطاعية وصولاً الى عهد الرأسمالية السائدة والمهيمنة اليوم.. 

متى ستتخلص فلسطين من مخالب القوى العظمى؟ 

لا أحد يدري... 

هل ستترك فلسطين لسبيل أهلها مع التحول الى النمط الاشتراكي للنظام الاقتصادي العالمي؟

لا أحد يدري، قبل تذوق طعم النظام الاشتراكي العالمي (المرتقب حسب القراءة الماركسية للتاريخ)...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا