النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الذهنية الداعشية تطل برأسها في البرلمان العراقي

رابط مختصر
العدد 10488 الثلاثاء 26 ديسمبر 2017 الموافق 8 ربيع الآخر 1439

عاش الإنسان ونظم علاقاته منذ بدء بداياته في ظل العرف والتقليد، إلى أن استطاع أن يطور الكتابة والتدوين، ومع هذا التطور تمكن أن يتخطى حدود العرف والتقليد الى التشريع المدون، إلى آفاق القانون، والقانون روح يتلازم وروح العصر إنساناً وزماناً ومكاناً، فخطى الانسان مع الكتابة والتدوين خطوته الأولى في تفعيل فكره من أجل استنباط التشريعات التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع وتأمين حقوقهم ومصالحهم، ومهمة التشريع ليست كبقية المهمات في حياة الإنسان، فإن للتشريع روح، هي روح القانون، وهذه الروح تسترق الحواس كلها، وتجتهد بمعادلات الفكر إلى أبعد مدى، من أجل تثبيت العدل وإحقاق الحق، وعدم تجاوز القانون الطبيعي والمنطق الوضعي والمبدء الإنساني، وهذه الروح تتحمل مسؤولية عظيمة قوامها الحق والعدل، ووضع الأحكام الهادية والضوابط الرادعة في مواجهة النزعات اللا إنسانية ودحر النزوات الشاذة..

إن أول تشريع عرفته البشرية هي مجموعة القوانين التي أنتجتها عبقرية الملك البابلي حمورابي (1792-1750 قبل الميلاد)، قبل ما يقارب الأربعة آلاف سنة، وقد أخذت الشعوب الأخرى من هذه التشريعات، فقد اقتبسها العبرانيون ودونوها في تلمودهم وتأثر بها الحثيون والآشوريون وغيرهم من الملوك، وكانت قوانين حمورابي محط أنظار الملوك ومرجعهم في تنظيم علاقات الناس في ممالكهم... وطبيعي أن تتضمن شريعة حمورابي مجموعة القوانين التي تخص «الأحوال الشخصية» لأنها من أهم المواضيع التي تستحق التشريع بغية المحافظة على تماسك بنيان الأسرة وسلامتها، ومع سلامة الأسرة ووحدتها تتأمن سلامة الدولة. ومن الأمور الملفتة للنظر والجديرة بالاحترام والتقدير، فيما يخص «قانون الأحوال الشخصية» بنسخته الحمورابية أن «شريعة حمورابي» لم تكن تجيز زواج القاصرات... نعم، قبل أربعة آلاف سنة في بداية عهد التشريع، كان التشريع إنسانياً وراقياً، يضع في أوْلٰى أولوياته حماية الطفولة ورعاية الطفولة والأخذ بيد الطفولة حتى الوصول بها إلى بر الأمان الزمني في عمر النضج والوعي والمسؤولية، هكذا رسم الملك العظيم حمورابي شريعته الراقية الخالدة، إن حمورابي ذاك اليوم من التاريخ القديم الذي شرب من ماء الرافدين يخجل اليوم، بعد أربعة آلاف عام، من أبناء الرافدين الذين يجيزون «زواج القاصرات»، وكأني به اليوم يصرخ من بين ذراة رفاته موبخاً أعضاء البرلمان العراقي الذين باركوا هذه الجريمة المنكرة بحق الطفولة، والشارع العراقي يبارك ويحترم ويعظم صرخة ملك ملوكه حمورابي، وهو بدوره يصرخ في وجه هؤلاء الأعضاء الذين لا يعيرون لروح القانون أهمية تذكر، ولا هم في وارد الإحساس برقة الطفولة في القاصرات، فهم والدواعش الذين باعوا القاصرات في أسواق النخاسة سواسية، فهم والدواعش الذين افترسوا الطفولة في القاصرات سواسية، فهم والدواعش وجهان لعملة واحدة... ألا تَبّاً لكم وعليكم يا من تدنسون مقاعد التشريع في معبد التشريع... أو ما تدرون أنكم بهذا التشريع قد أوقعتم براءة طفولة القاصرات في شَرَكِ الوحوش من ذوي النزعات الشاذة التي لا تفرق بين أم وزوجة، ولا بين ابنة وعاهرة، وإلاّ من ذاك الإنسان الطبيعي السوي الذي تقبل نفسه ويرضى ضميره أن يفاخذ ويجامع طفلة مازالت تلاعب دمية بين عُنّابِ يديها، طفلة تحتضن دميتها في سريرها، حتماً نحن أمام شرذمة من الشواذ يتربعون على مقاعد التشريع... ماذا سيحصل للقاصرات وهُنَّ في أحضان وحوش شبقة شاذة تتلذذ بالتهام الطفولة. 

لعلمكم يا من اغتصبتم مقاعد التشريع أن «زواج القاصرات» صفحة سوداء ملطخة بدماء الأبرياء، الأبرياء من صبايا قاصرات لم يبلغن بعد العاشرة من العمر، فتيات مازلن في عمر البراعم التي لم تتفتح بعد لخوض معترك الحياة ولا يدركن بعد الفارق الجنسي بين الذكر والأنثى، في عمر لا يستوعبن فيه كيف ولدتهن أمهاتهن، في عمر لا يعرفن معنى الزواج ولا علاقة المخدع بين الزوجة والزوج، إن مخدع الزوجية بالنسبة للقاصرات هو منصة الجلاد لتنفيذ حكم الإعدام، وليس للقاصرات بعد هذا الاعدام موت جسدي ينهي معاناتهن الى الأبد، بل إعدام متواصل يوماً بعد يوم على مدى بؤس حياتهن في سجن الجلاد، وقد يتكرر الاعدام في اليوم الواحد أكثر من مرة، على هوى نزوة الزوج الجلاد الذي لا يفرق بين وردة وصخرة، وهذه الشاكلة من الجلادين لا تفرق بين النجاسة والطهارة، ولا تفرق حتى بين الصبي والصبية، فكلاهما لجلاد الشبق الجنسي أدوات لإفراغ النزوات الشاذة النجسة في طهارة براعم الصِّبٰا، هكذا هو زواج القاصرات، وما هذا الزواج إلا بشاعةٌ، يفرغ بها الجلاد الشاذ نجاسته في طُهْرِ براءة القاصرات... يا نواب «زواج القاصرات» هل دار بخلدكم ذاك المشهد التراجيدي المرعب المفزع الذي ستواجهه الطفلة وهي وحدها أمام رجل في عمر أبيها أو أكبر، أمام رجل جلاد وقد تجرد من كامل ثيابه وهو ينظر الى الطفلة نظرة المفترس الى فريسته؟ هذا المشهد يجب أن لا يحصل، والشعب العراقي يحمل مسؤولية عظيمة لإفشال حصول هذا المشهد الإجرامي البشع المرعب... إن هذا المشهد هو صورة نمطية لسوق النخاسة، نخاسة تحت مظلة التشريع... 

إن أحفاد حمورابي العظيم في أرض الرافدين، هؤلاء الأحفاد الملتزمون بروح القانون وطهارته، يواجهون جيشاً عرمرماً من الشواذ فكراً ونَفْساً ونَفَساً ومسلكاً، وهم أمام تَحَدٍّ عظيم يمس كرامة العراق، ومكانتها الملازمة لها عبر التاريخ، فهذه الأرض هي التي علمت البشرية الكتابة وهي التي علمت البشرية معنى القانون ومسؤولية القانون وروح القانون. 

إن على الشعب العراقي، المؤمن بعراق طاهر، أن يطهر بيته العراقي من دواعش الوطن بعد أن طهر البيت من فلول الدواعش التي اخترقت حدود أرض الوطن وأهانت إنسانية الوطن وكرامته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا