النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أفشــــل محاميـــن لأعــــدل قضيـــة

رابط مختصر
العدد 10485 السبت 23 ديسمبر 2017 الموافق 5 ربيع الآخر 1439

فوراً عقب إعلان الرئيس ترامب الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقول إن «القدس هي عاصمة الشعب اليهودي منذ أنشأها الملك داوود قبل 3000 عام»، وهكذا تصبح تلك الأقاويل حقائق تاريخية أشبه بالمسلمات لدى الكثير من العالم، على افتراض أن دولة إسرائيل الحديثة هي ببساطة إعادة صياغة دولة تاريخية أنشأها الشعب اليهودي في جميع أنحاء فلسطين.
في الواقع، بذل علماء الآثار الإسرائيليين والأمريكيين تحديداً على مدى الخمسين عاماً الماضية وأكثر جهوداً مضنية في محاولة إثبات وتكريس يهودية القدس وفلسطين تاريخياً، لكن عملهم جوبه دائماً بتحديات وحقائق أخرى مغايرة.
قبل 3000 سنة كانت فلسطين منطقة متنوعة تتكون أساساً من القبائل الساميِّة، والمجتمعات التي عُرٍفت فيما بعد بـ«الإسرائيليون» كانت بمعظمها رعاة ماعز استقروا في المناطق النائية من المرتفعات الفلسطينية، والعبرية كانت مجرد لهجة بين اللغات المحلية وثيقة الصلة بالعربية.
مدينة القدس موجودة منذ لا يقل عن سبعة آلاف سنة، وعلم الآثار يؤكد أن ما سيطر عليه الملك داوود من قبيلة منافسة لا يتعدى كونه مجرد قطعة أرض صغيرة مؤلفة من نحو عشرين قرية تضم قرابة خمسة آلاف شخص، وقد تحولت لعاصمة لمملكة جودايا الأسطورية، كانت قطعة الأرض تلك تقع في منطقة جبلية نائية مغطاة بالغابات ويتعذر الوصول إليها، ولا يمكن بالتأكيد أن تكون محوراً لدولة عظمى في جميع أنحاء فلسطين.
وعلى الرغم من أن القدس هي واحدة من أكثر المواقع الأثرية توثيقاً في العالم، إلا أنه لم يتم العثور على صخرة واحدة تعزى إلى المعبد الأصلي للملك سليمان. بالتأكيد هناك شخصيات مثل داوود وسليمان كانت موجودة، ولكن علماء الآثار اليهودية لم يتمكنوا من إثبات أنهما لم يكونا سوى زعمين في مناطق مختلفة من تلك المنطقة.
لقد أصبحت القدس ذات أهمية كبيرة عندما جرى تدمير التجمعات العمرانية الأكثر تقدماً في الشمال من قبل الآشوريين حوالي العام 700 قبل الميلاد، فتشتت السكان وضاعت معالم التاريخ، كما فر المنفيون من الشمال لينضموا إلى التجمعات اليهودية النائية، وساروا إلى القدس بأفكارهم النيرة ودعواتهم الدينية التي تتجمع في كتابات الكتاب المقدس. وقد نجت مملكة يهودا لفترة قصيرة قبل أن يبيدها البابليون عن بكرة أبيها.
العديد من الأساطير التاريخية عن الأمة الإسرائيلية المجيدة وعاصمتها القدس ليست أكثر من دعاية نسجها الملك جوشيا الذي كان يأمل دون جدوى في هزيمة الغزاة الأجانب والمطالبة بالأراضي في الشمال، بعدها كان لدينا سايروس ملك بلاد فارس الذي سمح لليهود المنفيين في عام 538 قبل الميلاد بالعودة وإعادة بناء القدس ومعبدها الذي ظل تحت السيطرة الفارسية ثم اليونانية ثم الرومانية ثم السيطرة العربية.
إن نيتي هنا ليست دحض الصلة الحميمة لليهود إلى القدس، ولكن إثبات أن تاريخ فلسطين كان دائماً تاريخاً مشتركاً، وعندما يحاول أي طرف أن يسرد الحقائق التاريخية من وجهة نظره ينبغي أن نكون حكماء إزاء الأغراض الدعائية التي يخدمها.
باعتبارها واحدة من أقدم المدن في العالم، القدس لديها تاريخ غني ومعقد بشكل لا يصدق، نحن كعرب ومسلمين لدينا عاطفة جياشة تجاه القدس، ولكن هل نعرف ما يكفي عن تاريخنا للرد على مزاعم أولئك الذين يسعون إلى النيل من إرثنا التاريخي؟
لماذا سادت مطالبة إسرائيل بالقدس في حين فقدت الشعوب الأخرى صلتها التاريخية مع فلسطين؟ لأن اليهود أصبحوا شعب القلم، لقد كتبوا سيرهم الشفوية حول رحلة الجد إبراهيم عليه السلام من بلاد ما بين النهرين إلى فلسطين، معطين بذلك انطباعاً للعالم بأن هذا كان تاريخ اليهودية حصراً، لكن سيدنا إبراهيم الذي نسميه «أبو الأنبياء» هو سلفنا كعرب وسلف الشعوب الأخرى في المنطقة.
نحن حتى اليوم لم نتعلم أهمية كتابة تاريخنا على نحو سليم. الكثير من تاريخ العالم العربي هو في المقام الأول درس وكتب من قبل العلماء الغربيين، وكثيراً ما تكون الصحافة الإسرائيلية اليسارية أكثر فعالية بكثير في محاسبة جرائم نتنياهو ضد الفلسطينيين منا نحن العرب، إنني أشعر بالأسف لحالة العديد من وسائل الإعلام الإقليمية التي تنفق جهدها في الهجوم على دول عربية أخرى، في حين تسيطر إيران جزءًا أو كلياً على الرأي العام في المنطقة والعالم شيئاً فشيئا.
لماذا يبدو أن طهران لديها أموال لا حصر لها لإنفاقها على عملياتها الدعائية، في حين أننا في العالم العربي نفشل بشكل قاطع في قول جانبنا من القصة؟ نحن العرب أكثر عدداً من الإسرائيليين بعشرات المرات، لكن إسرائيل أكثر فعالية في الضغط على الحكومات الأجنبية والتحكم بالرأي العام العالمي مئات المرات.
حقيقة أن بنيامين نتنياهو يمكن أن يفوز في الحرب الدعائية حول القدس معتمداً على أساطير لم يتمكن إثباتها إنما هي وجه آخر لفشلنا في قول قصتنا، أو فشلنا حتى في بناء قصة متكاملة.
يقال على نطاق واسع إن التاريخ يقال من قبل المنتصرين. ومع ذلك، في العالم الحديث حيث الحروب الدعائية غالباً ما يكون لها تأثير أكبر من الحروب الإعلامية، يمكن أن نعكس هذا القول ونؤكد أن المنتصرين هم أولئك الذين يتمكنون من تكريس رؤيتهم الخاصة للتاريخ.
لعلنا في العالم العربي سنكون أكثر نجاحاً في الدفاع عن أنفسنا ودولنا عندما نتعلم أخيراً كيفية إقناع العالم بأن يأخذ في الاعتبار روايتنا ورؤيتنا للأحداث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا