النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

محاضن «داعـش» الحقيقيـــة

رابط مختصر
العدد 10475 الأربعاء 13 ديسمبر 2017 الموافق 25 ربيع الأول 1439

هل ستعود «داعش» أو بعض شقيقات العصابة للظهور في أماكن أخرى غير العراق وسوريا؟ أكاد أقول إن ذلك محتم، ما دمنا في هذا الضياع الحضاري، والتخبط الثقافي، والتهرب الفكري!

قد تظهر مثيلات «داعش» في مكان ما من العالم العربي أو الدول الإسلامية، حيث نناقش كل شيء ونتجادل في كل أمر.. إلا ما يقرر مصيرنا!

ما الفكر الذي تجدد في جامعاتنا وفي كليات الشريعة وفي مؤسساتنا الإعلامية والدعوية، بعد كارثة 11 سبتمبر 2001 مثلاً؟ والتي أيقظت كل دول العالم وسائر البشر إلا العرب والمسلمين، المعنيين مباشرة بالأمر، والذين دفعوا عبر 16 عاماً ولا يزالون من حُر ما لهم، ومن أغلى مواضع صيتهم وسمعتهم، بينما لا يزال فكر الإسلام السياسي الذي أفرز «القاعدة» توجهاً وأهدافاً.. بخير! وعندما انفتح المجال في مصر مثلاً، بعد انتفاضة ميدان التحرير وقيام «أبو الهول» من مربضه، أجابت شرائح واسعة من الجمهور بعد ثورة عارمة، وبعد أكثر من عشر سنوات على كارثة «القاعدة» في نيويورك، بإعطاء صوتها لـ «الإخوان» وبقية الإسلاميين. وما كادت سوريا وليبيا وتونس تتخلص من القمع والقيود حتى اشترت لنفسها نوعاً جديداً. من القيود نفسها، بل استدعت عناصر «القاعدة» ومجاهدي «داعش».. إليها! 

 

كان أول ما فعله اليابانيون والألمان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ودمار البلدين، أنهما منعا أي صوت يحاول أن يلوم أميركا والغرب والمؤامرات الخارجية ضد بلديهما. ورفضا أي تفسير سياسي يعتبر ما جرى لهما مجرد «جشع بريطاني فرنسي» ضد ألمانيا، أو «كراهية بيضاء للجنس الياباني الأصفر».

وقد وقف الدكتور مسعود ضاهر في كتابه الصادر في بيروت 2005، «اليابان بعيون عربية بين 1904 و2004»، يقارن بين إعجاب المثقفين العرب الشديد بالنهضة اليابانية الأولى ونظم القصائد الحماسية، وبين ما جرى لهؤلاء المعجبين بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جاءت هزيمة اليابان فأبعدتها كثيراً عن دائرة الاهتمام الثقافي لدى الباحثين العرب، خاصة بعد خضوعها للاحتلال الأمريكي وإقامة القواعد العسكرية فيها. غير أن اليابان يقول الدكتور ضاهر «حققت معجزة اقتصادية قل نظيرها بين دول العالم في النصف الثاني من القرن العشرين»، كما يقول الدكتور ضاهر، غير أنه يلاحظ أن اليابان بقيت «دولة مكبلة الإرادة، ويرابط على أراضيها وفي مياهها الإقليمية قرابة أربعين ألف جندي أمريكي».

 

لكن منهج الدكتور ضاهر «اليساري» و«المعادي للإمبريالية الأمريكية» يعيقه للأسف الشديد عن فهم أعمق للنهضة اليابانية بعد الحرب، ونجاحها الفريد في الاستفادة من العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، فهو مثلنا لا ينظر إلا إلى «القواعد العسكرية الأمريكية» التي أزالتها شعوب عديدة عن أراضيها ولم يزدها ذلك إلا بؤساً وتخلفاً، وإلا إلى الجيوش الأمريكية التي انتصرت عليها فيتنام وربما غيرها، ولكن فيتنام اليوم مستميتة على القواعد والعلاقات والاستثمارات الأمريكية.

إن انتشار جماعات وأفكار الإسلام السياسي منذ سنوات، خاصة بعد هزيمة 1967 في العالم العربي، وعدم نجاح البلدان العربية في اللحاق بمستويات التطور العالمية، بل ونفور وكراهية المثقفين العرب للحداثة والعولمة، ما لم تكن بشروط معينة لم يتفقوا عليها إلى اليوم! وكذلك ما نراه اليوم من تخبط مدمر وحروب وفشل حضاري في العديد من الدول العربية، خير دليل على أن العصر الحديث في واد ونحن في واد آخر.

 

يلخص الدكتور مسعود ضاهر، الباحث في القضايا الآسيوية، مأساة مفكرينا ومسيرتنا السياسية مقارنة بما جرى في اليابان، فيقول مفسراً انصراف المثقفين والجماهير العربية عن هذا النموذج: «خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية دولة منزوعة السلاح ومحرومة من التسلح تحت الاحتلال الأمريكي. بالمقابل، كانت الساحة العربية تضج بمقولات ثقافية قومية تمجد الكفاح المسلح ضد قوى الاستعمار الأوروبي. ووعدت الأنظمة العربية شعوبها بإزالة دولة إسرائيل التي أقيمت بالقول على أرض فلسطين بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي والشرعية الدولية».

 

كيف كانت ردود الفعل العربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؟ يقول: «تمحورت مقولات الفكر القومي العربي في تلك المرحلة حول شعارات تدعو إلى استخدام القوة العسكرية لتحرير فلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة، وإزالة جميع القواعد العسكرية الأجنبية عنها. وكانت الجماهير العربية تردد شعارات ثورية، منها: «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، وأن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، و«الجزائر عربية وستبقى عربية»، و«نفط العرب للعرب»، و«لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل»، وإنها لثورة فلسطينية حتى النصر».

 

في تلك الأجواء المشبعة بشعارات المد القومي التحرري ضد الاستعمار الأوروبي، وتأسيس جامعة الدول العربية، وانتصار ثورات مصر والجزائر واليمن، ودخول الدول العربية المستقلة تباعاً إلى الأمم المتحدة باستثناء فلسطين، بات نموذج اليابان المهزومة عديم الفائدة بالنسبة للمثقفين القوميين العرب. فقد تبنى الكثير منهم نظريات ثورية تدعو إلى الكفاح المسلح، ونادى بعضهم بالثورات الطبقية والأممية، وأظهروا إعجاباً شديداً بانتصارات ثورات كوبا، والفيتنام، وحركات التحرر في أفريقيا وأميركا اللاتينية. نتيجة لذلك تراجعت صورة اليابان بشكل حاد في الأدبيات العربية حتى بروز أزمة النفط عام 1973. فبدأت مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ العلاقات العربية - اليابانية. «ص 127 - 128».

من المؤكد أن ظروف العالم العربي ليست ظروف اليابان، ولكن هل «الإخوان» والسلف و«حزب الله» و«الدعوة»، و«القاعدة» و«داعش» حقاً صناع «المعجزة العربية» أو الإسلامية.. القادمة؟

وهل ستتحقق هذه المعجزة أم تظهر دولة «داعش» الثانية؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا