النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

صباح الأحمد ومحمد بن مبارك

رابط مختصر
العدد 10474 الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 الموافق 24 ربيع الأول 1439

عُمر من الصداقة الحميمية التي جمعت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس وزراء مملكة البحرين، الذي مثَّل البحرين في القمة الخليجية (38) المنعقدة في دولة الكويت مؤخرًا، واستقبله سمو الأمير استقبالًا غير عادي وبقلبٍ محب للبحرين وشعبها، ووثَّقت القنوات الفضائية تلك اللحظات التي اصطحبه فيها سموه في سيارته الخاصة، وودَّعه بابتسامته المشرقة دائمًا بالأمل والطيبة والتفاؤل.

وأستطيع هنا تأريخ عمر تلك الصداقة بالفترة التي قرَّرت فيها بريطانيا الانسحاب من شرق السويس عام (1968م) ودخول منطقة الخليج في عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية المباشرة والمصالح السياسية المتشابكة والتعامل وجهًا لوجه مع أطماع القوتين الكبريين في الإقليم (العراق وإيران)، فقد كان كل من صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة يشغلان آنذاك منصب (وزير الخارجية ووزير الإعلام).

فبعد أن أنهى سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة دراسته العليا في العلاقات الدولية والقانون في المملكة المتحدة في ستينيات القرن الماضي، تقلَّد العديد من المناصب السياسية المهمة، فعمل قاضيًا ثم مديرًا لدائرة العلاقات العامة التي كان مقرها في منطقة باب البحرين، ثم مديرًا لدائرة الإعلام، ثم تولَّى رئاسة (مكتب العلاقات الخارجية) وكان عبارة عن عدد من المكاتب الخشبية في ساحة مقر مكتب مستشار حكومة البحرين تشارلز بلجريف في فريج رأس رمان، ليتحوَّل ذلك المكتب الصغير إلى نواة لتأسيس وزارة خارجية البحرين عند تشكيل أول حكومة بعد إعلان الاستقلال.

لقد كانت لسمو الشيخ محمد بن مبارك العديد من المهمات السياسية والدبلوماسية الناجحة منذ دخول البحرين معترك العلاقات الدولية عام (1971م)، وكان لها الأثر البالغ في احتلال البحرين للمكانة الدولية المرموقة التي وصلت إليها كدولة عربية مستقلة في خضم الصراع الدائر بين الشرق والغرب والأخطار والتهديدات المحدقة بمنطقة الخليج العربي، ومن أبرز تلك المهمات:

أولًا: متابعة شؤون مشروع الاتحاد التساعي بين إمارات الساحل المتصالح (أبوظبي، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة) وكل من البحرين وقطر، وإدارة المباحثات حول إنشاء الاتحاد الذي كان طوق الأمان للإمارات الصغيرة كما صوَّرته بريطانيا العظمى التي تخلَّت عن حماية المنطقة بعد مئات السنين من الوصاية بموجب عدد من الاتفاقيات، وليُشكِّل هذا الاتحاد قوة متحدة أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا أمام الإمبراطورية الإيرانية التي كان يطلق عليها آنذاك (بوليس الخليج) والجمهورية العراقية البعثية الاشتراكية بعد أن أطاحت بالحكم الملكي الهاشمي.

ثانيًا: ترتيب استقلال البحرين الذي بدأ بالتزامن مع فشل مفاوضات قيام (الاتحاد التساعي) بسبب الضغط الذي مارسته طهران على إمارات الساحل المتصالح بعدم قبول البحرين عضوًا في الاتحاد.

ثالثًا: قيادة الفريق الدبلوماسي الذي نجح في إنهاء المطالبة الإيرانية بالبحرين إلى الأبد، وذلك بدعم من الكويت والسعودية وبريطانيا، بعد أن تم الاتفاق مع الأمم المتحدة على إرسال المبعوث الأممي (ونسبير) لتقصي الحقائق عن رغبة شعب البحرين واستقلاله، وانتهى عمله بإصدار مجلس الأمن الدولي قراره الذي يُعدّ أول إعلان دبلوماسي لنجاح محمد بن مبارك في تحقيق حلم استقلال دولة البحرين سلميًا في (أغسطس 1971م)، والذي عارضته آنذاك الجمهورية اليمنية الشعبية الديمقراطية في مجلس الأمن كونها كانت تسير في فلك الشيوعية السوفيتية، وأصبحت البحرين بذلك الانتصار الدولة العربية الوحيدة التي استطاعت حل هذه المشكلة المصيرية وفقًا للمبادئ المستقرة للأمم المتحدة.

رابعًا: بناء علاقات دبلوماسية وسياسية مع دول العالم بالانضمام إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وحركة عدم الانحياز، وهنا كان دور الدبلوماسية الكويتية بقيادة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الذي قام بتعريف دول العالم بالبحرين وبشخصية وزير خارجيتها محمد بن مبارك ودولته المستقلة حديثًا.

خامسًا: تولّي مهمة عَرض فكرة المغفور له صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه بإنشاء (مجلس التعاون) على الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله الذي طلب منه التشاور حولها مع المغفور له سمو أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، وبعد مباركة كل من السعودية والكويت للفكرة، تم الاتفاق بين سمو الشيخ صباح وسمو الشيخ محمد على إعداد الدراسات الخاصة بإنشاء المجلس لتوحيد صفوف الإمارات الخليجية ومواقفها تجاه التهديدات الإيرانية والعراقية، فعُقدت العديد من الاجتماعات التحضيرية لبحث النظام الأساسي للمجلس بين (الرياض والطائف وخميس مشيط) حتى وقّعه القادة المؤسسون في مدينة أبوظبي بتاريخ (25 مايو 1981م)، ليؤكد إنشاء منظومة مجلس التعاون في تلك الظروف السياسية والأمنية الصعبة على دقة الدور الذي لعبته الدبلوماسية البحرينية بقيادة سمو الشيخ محمد بالتنسيق مع رفيق دربه سمو الشيخ صباح الأحمد ونجاحهما في قيام التجمع العربي الوحيد الناجح في الوطن العربي بعد سلسلة من التجارب الوحدوية العربية الفاشلة، والذي استطاع حماية كيان دول المجلس واستقلالها رغم ما مرَّ على الوطن العربي من حروب وأحداث جسام، وما واجهته من تحديات صعبة لا يتسع المجال لذكرها، غير أن أهمها نجاح الثورة الخمينية ذات الأهداف التوسعية في (فبراير 1979م)، وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في (سبتمبر 1980م)، والغزو العراقي على الكويت عام (1990م)، والغزو الأمريكي على العراق (2003م)، وأحداث ما يسمى بـ (الربيع العربي) الذي انطلقت شرارته في نهايات عام (2010م) وتبعاته التي لم تخمد نيرانها حتى الآن.

سادسًا: لقد آمن سمو الشيخ محمد بن مبارك بمبادئ الأمم المتحدة لتحقيق الأمن والسلم الدوليين وبناء المواقف السياسية بعد دراسة متأنية ومتعمقة؛ لذلك أَسندت إليه القيادة الحكيمة مهمة تولّي أهم قضايا البحرين المصيرية وهي الخلاف الحدودي مع دولة قطر والذي كاد أن يتسبَّب بانهيار منظومة مجلس التعاون عندما رفعت دولة قطر دعوى منفردة أمام محكمة العدل الدولية استنادًا إلى تفسيراتها بأن قرار قمة الدوحة عام (1990م) يجيز لها ذلك إذا لم يتمكَّن الوسيط (المملكة العربية السعودية) من حل الخلاف في غضون ستة أشهر، في الوقت الذي يؤكِّد موقف البحرين أنَّ اللجوء إلى المحكمة الدولية يجب أن يتم بتوافق الطرفين إذا لم يتمكن الوسيط من حل الخلاف بينهما، إلا أن سمو الشيخ محمد بن مبارك استطاع بحنكته وحسّه السياسي وبفضل خبرته الغزيرة واتصالاته ورحلاته المكوكية ومتابعته المستمرة وتقديمه الأدلة والبراهين والوثائق العثمانية والبريطانية والهندية التي استخرجها فريقه القانوني أن يحقِّق نجاحًا مهمًا للبحرين بإصدار المحكمة حكمها النهائي المُلزم وغير القابل للاستئناف في (مارس 2001م) والذي انتهى إلى أن جزر حوار هي جزء لا يتجزأ من البحرين، وبذلك استطاع سموه أن يحقق إنجازًا جديدًا بالتوصّل إلى حل سلمي لقضية مصيرية قائم على مبادئ الأمم المتحدة.

إن العلاقة التي جمعت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت وسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة تمتاز بالخصوصية والذكريات، فقد كان سمو الشيخ صباح -نظرًا لمعزته الشديدة وتقديره لسمو الشيخ محمد- حريصًا على وجوده في العديد من المؤتمرات، وإصراره على التوقف في البحرين بطائرته الخاصة لاصطحاب سمو الشيخ محمد معه إلى المؤتمرات العربية والإقليمية، وكان لسمو الأمير صباح دورًا كبيرًا في تقديم الخبرات الدبلوماسية الكويتية لكوادر وزارة الخارجية البحرينية، واستقبال وزارة الخارجية الكويتية لعدد من الدبلوماسيين البحرينيين في المعهد الدبلوماسي الكويتي (أمثال المرحوم الشيخ عبدالرحمن بن فارس آل خليفة وعلي المحروس وإبراهيم علي إبراهيم وغازي القصيبي) وغيرهم لتلقّي علوم السياسة والدبلوماسية وكيفية إدارة المفاوضات وبحث ودراسة الاتفاقيات القنصلية والقانونية، كما عمل عدد من الدبلوماسيين البحرينيين في بعض البعثات الكويتية بالخارج كجزء من برنامج التدريب الدبلوماسي العملي.

سيظل الصديقان (صباح الأحمد ومحمد بن مبارك) شاهدين على تاريخ الخليج العربي وتأسيس مجلس التعاون والإنجازات والمكتسبات التي حققها، لتشاء الأقدار أن يعملا معًا على تصحيح العلاقات الخليجية الخليجية وإعادة ترتيب البيت الخليجي الذي يواجه أخطر مرحلة في تاريخه على الإطلاق بسبب الأزمة القطرية، والتي ترجم تأثيراتها البيان الختامي للقمة الخليجية الثامنة والثلاثين الذي دعا إلى استكمال الجهود لتنفيذ مقترح المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بـ (الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد) الذي أعلن في قمة الرياض في (ديسمبر 2011م)، وكذلك تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود التي أعلنها في قمة الرياض (ديسمبر 2015م) حول استكمال المنظومة الدفاعية المشتركة والمنظومة الأمنية المشتركة وبلورة سياسة خارجية موحَّدة وفاعلة تحفظ مصالح المجلس ومكتسباته وتجنبه الصراعات الإقليمية والدولية وتلبّي تطلعات مواطنيه نحو استكمال مقومات الوحدة التي نصَّت عليها المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجلس.

  

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا