النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10478 السبت 16 ديسمبر 2017 الموافق 28 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ذاكرة الشتاء

رابط مختصر
العدد 10470 الجمعة 8 ديسمبر 2017 الموافق 20 ربيع الأول 1439

للفصول ذاكرتها وملامحها وتضاريسها، ولها أيضا وجوهها الغائرة في الزمن الذي مضى وانقضى.

وكلما جاءنا الشتاء عاد بنا الى شتاء الطفولة والصبا، وبلا تخطيط نذهب لنفتش فيما تبقى من صور هناك في الأعماق التي لا تنسى زمنا شكل لها حياة وعمرا ومشوار طريق لم يكن مفروشا بالورود.

وفي البرد الذي أطلت علينا بشائره هذه الأيام نذكر برد طفولتنا وصبانا في تلك البيوت المفتوحة من كل الجوانب التي لم تكن مهيأة لبرودة طقس يداهمها بلا انذار، فيخترق ما تبقى من جدران ويتسلل من فتحات النوافذ الخشبية ومن تحت الابواب، ليملأ الدور الصغيرة بصقيع بارد لا تنفع معه بضعة «برانيص» نتقاسمها في الليل مع أشقاء لنا صغار، ونظل نرتجف بردا رغم اننا ننام بثيابنا كاملة وكأننا ذاهبون الى المدرسة لا الى النوم، في محاولة للتغلب على برد لا يرحم في بيوت لم تعرف المدفأة وتكتفي بالفحم في «الدوة او المنقلة» كما نسميها.

ولعلنا نستطيع بما نملك من بقايا ثياب ان نتغلب في الليل على البرد أو نخفف من وطأته وشدته، لكننا في النهار وعند الصباح الباكر حين نستعد للذهاب الى المدارس نواجه معضلة اسمها البرد وكيف «نتسلح» لمقاومته، ولم يكن سلاحنا سوى ان يضع الواحد منا ثلاثة او اربعة أثواب من أثوابه القديمة تخرجها الوالدة من الصندوق القديم، فنرتدي ونلبس منها ما تيسر حتى يبدو الطفل منا وقد تضخم جسده وصار الواحد اثنين وربما ثلاثة من كثرة ما يرتدي من ثياب قديمة وفوقها الثوب الجديد او آخر ثوب فصله له الوالد في العيد قبل الماضي...!!

ونختبئ عن البرد والهواء البارد في «دواعيس» وطرقات المحرق الضيقة التي نختارها بعناية للوصول الى مدارسنا مشيا على الاقدام، وربما «مردفين» على بقايا «سيكل» لزميل او صديق او حتى مدرس من مدرسي مدرستنا، إذ كان المدرسون يستعملون الدراجات الهوائية في زماننا الصعب الذي نادرا ما امتلك الموظف سيارة حتى لو كانت «قرنبع».

ورحمك الله استاذنا عتيق سعيد مؤلف اشهر مونولوج «موتر خربه يا رباح - يضرب هندل بتري طاح»، وقد استوحاه رحمه الله من سيارات بعض الموظفين «الكحيانين» من اصدقائه، وحين امتلك المرحوم بوهاني عتيق سعيد سيارة كانت اصغر من الصغيرة وبالكاد تتسع لراكبين او ثلاثة بالكثير، وكان ينقلنا فيها الى الاذاعة عصرا او ظهرا ليعود بنا عند المغرب، حيث كنا نقدم برنامج «ركن الاشبال» في ذلك الزمن.

ورغم البرد الشديد والامكانات المتواضعة لمقاومته، فإننا أبدا لم نكن لنؤجل اللعب في الهواء الطلق والبرد القارس في أي ساحة نشاهدها ولا تعيقنا كثرة بقايا الثياب التي نرتديها، وان كانت ولاشك تؤثر على سرعة الحركة والجري والركض.

وشخصيا لا أدري او بالأدق لا اجد تفسيرا لحنينا إليه، ذلك الزمن، رغم قسوته وشح امكاناته وتواضع احوال معيشتنا مقارنة بهذا الزمن المختلف بلا حدود. 

واقول لعله حنين الشيخوخة الى طفولتها وصباها وزمانها الذي نظل نراه جميلا رائعا برغم قسوته وصعوبته وحتى شقائه.

وسنظل نروي حكاياتنا وقصصنا ورواياتنا لأبنائنا واحفادنا ونكررها عليهم حتى يصيبهم ملل لا نلاحظه نحن المسكونون بحنين جارف الى ذلك الزمن.

وها هو الشتاء يعود ببرودته وبرده، وها نحن بلا تخطيط نعود إلى سردياتنا وحكاياتنا وقصصنا عنه، ولربما كانت حكايات ومرويات مكررة، لكننا لا نلاخط ولن نلاحظ، فتحملونا وأيضا سامحونا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا