النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

إيقاف شيرين ومنعها من الغناء لإهانتها «النيل»!!!

رابط مختصر
العدد 10467 الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 الموافق 17 ربيع الأول 1439

تكميم الأفواه وإصدار الأحكام وجَرِّ الناس الى محاكم القضاء وشيطنتهم في محاكم الشعب، هذا السرد المرعب من سيطرة الظلام على النور نطق بها فعلها أعداء الانسانية والفكر والتعبير الحر منذ عهد سقراط الذي حكم عليه الظلام بالموت باجتراع السم، مروراً بعهد محاكم التفتيش في أوروبا عامة واسبانيا خاصة، وصولاً إلى عهد التكفير في عالمنا العربي والاسلامي اليوم... أناس فارغو الفكر ليس بامكانهم سوى الرصد والتربص والتصيّد لقيل وقال، وحبك التهم الكيدية، في ظل أجواء قضائية ضبابية، ضد أناس أبرياء من أي جرم اللهم إلاّ كلمة عابرة أو فكر مبدع أو ناقد أو مزحة عفوية لا تنم عن تجريح ولا إهانة، وهؤلاء الشرذمة من فارغي الفكر يحلو لهم التشفي بأصحاب الفكر والانتاج والإبداع، وهم بهذا التشفي يعوضون عن عقدة النقص، التي تضخم الحقد في نفوسهم، بالحاق الأذى بغيرهم، وخاصة بمن هم أفضل منهم قولاً وفكراً وعملاً..
أن يأتي تكميم الأفواه من مراكز الظلام، فهذا أمر لا غرابة فيه، ولكن أن يأتي تكميم الأفواه من مركز فني في الإبداع الموسيقي، فهذا أمر جلل وفيه من الغرابة ما يربو الى الاستحالة..
 لقد دخلت نقابة الموسيقيين في مصر جوقة تكميم الأفواه، فيا للعجب!!! نقابة الموسيقيين في جمهورية مصر العربية قررت تكميم الأفواه والدخول في حرب قضائية لمجرد كلمة او تعبير أو رأي يصدر من فنان أو فنانة، لا يروق لقادة هذه النقابة، وتتمادى هذه القيادة بفتح أبواب جهنم على هؤلاء الفنانين بحشد إعلامي تحريضي ضدهم، وإشغال الناس بأمور لا تستحق كل هذه العاصفة، وهي أقل من أن توصف بزوبعة في فنجان، كونها لا تعدو كلمات عفوية خرجت من على لسان إنسان، كان فناناً او غير فنان. لقد أعلنت نقابة الموسيقيين الحرب، حرب تكميم الأفواه، ضد المغنية المتألقة الناعمة صاحبة الصوت الجذاب شيرين عبدالوهاب... وقررت النقابة إيقاف المغنية المتألقة شيرين عبدالوهاب عن الغناء حسبما جاء في هذا الخبر:
«في أول قرار لنقابة الموسيقيين على خلفية ما صدر عن المطربة شيرين عبد الوهاب بإحدى حفلاتها، وتهكمها على مياه نهر النيل، قررت النقابة إيقاف شيرين عن الغناء وتحويلها للتحقيق، وذلك وفق القرار الذي أعلنته النقابة أمس الثلاثاء، والذي اعتبر أن ما بدر من شيرين يعد سخرية واستهزاء غير مبرر   لمصر. وهو ما اعتبرته النقابة يسيء إليها وإلى جموع الشعب المصري الذي رفض كل ما جاء على لسان المطربة المصرية، وأكدت النقابة أن القرار يقضي بعدم منح شيرين التصاريح اللازمة للحفلات التي ستقوم بإحيائها لحين المثول أمام النقابة والتحقيق معها»، وأضافت العربية.نت: «أكد المايسترو حمادة أبو اليزيد وكيل النقابة، أن التواصل مع شيرين سيتم بشكل رسمي من خلال التحقيق، ولم يحدث أي حوار معها قبل اتخاذ القرار»...
يا للهول!!! هل حقاً قالت شيرين ما يستحق كل هذا التنطع الوطني للذود عن كرامة الوطن في رمزه الخالد، نهر النيل؟!!!
هذا يجر فضولنا المبرر تلقائياً الى طرح هذا السؤال: ماذا قالت المطربة شيرين عن النيل (المقدس!!!) حتى تعلن نقابة الموسيقيين الحرب ضدها؟ وهي حرب لا تنحصر في إطارها القضائي و ضرورة التحقيق معها، بل أن الحرب تعدت حدود القضاء الرسمي الى القضاء الشعبي، وحكم الشعب على أي مواطن أشد قساوة من حكم القضاء، وهكذا فان نقابة الموسيقيين بإعلان هكذا حرب قد قررت إنهاء الدورالغنائي لهذه الفنانة التي أحبت جمهورها وأحبها جمهورها في مصر وفي بقية بقاع الجغرافيا العربية...
ماذا قالت الفنانة شيرين حتى يأتي الحكم عليها بهذه القسوة، وبالبعد القضائي الرسمي والقضائي الشعبي؟ قالت، وقولها مزحة، وهي إنسانة مرحة صاحبة نكتة حاضرة، أن ماء النيل «حيجيبلك بلهارسيا»... قالتها في إحدى حفلاتها عندما طلبت منها إحدى المعجبات أن تقدم أغنية «مشربتش من نيلها»، فردت متبسمةً وبعفوية وبراءة دونما قصد، لا إهانة لمصر ولا للنيل، النهر الخالد... ومن الناحية الصحية هي محقة، لأن شرب ماء أي نهر في العالم غير صحي، ومن المعروف و الملزم معالجة جميع مياه الأنهار والعيون والآبار قبل أن تكون صالحة للشرب، وهذا مطلب صحي أساسي... فهل مزحة خفيفة ناعمة عن النيل العظيم تعتبر إهانة للنيل ولمصر، بينما الشعب المصري اعتاد على اتخاذ أهل الصعيد من شعب مصر موضوعاً سلساً مقبولاً لأنماط من النكت تتعدى حدود المزاح الى مستويات الاهانة بأهل الصعيد، ووصمهم في النكت المنتشرة والمتجددة بالغباء والسذاجة الى درجات الاهانة... بمعيار إدانة المغنية شيرين، أليست النكت المتداولة عن غباء وسذاجة أهالي الصعيد هي كذلك إهانة بفريق من أهالي مصر، إهانة بالشعب المصري في ثوبه الصعيدي؟ أليس إهانة أهل الصعيد هي إهانة للشعب المصري، وكل إهانة للشعب المصري هو بالنتيجة إهانة للنهر الخالد، كون النهر الخالد هو رمز الشعب المصري العظيم؟... ونحن بهذه المقارنة لا نعرف السبب الحقيقي وراء قرار نقابة الموسيقيين،  هذه النقابة التي تماهت وتكيفت مع التطرّف الديني في تكميم الأفواه والتهديد بسيف القضاء ضد أصحاب التعبير، وفي حالة المغنية شيرين التعبير العفوي غير المقصود، تعبير المزحة الخفيفة. كان بإمكان النقابة التعبير عن وجهة نظرها للمغنية شيرين، وتوفر على نفسها عناء الحرب العبثية ضد شيرين، ولكن الذهنية المحجوبة عن النور ليس باستطاعتها تبصر سبيل العقل والتعقل والحكمة، والتخبط هو من طبيعة هذه الذهنية المتحجبة المحجوبة...
إن الذهنية التي أنتجت هكذا حكم على المغنية شيرين هي ذات الذهنية التي حكمت على فرج فودة ونصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ وغيرهم من حملة القلم والفكر التنويري... إن الوجه الحقيقي لقرار نقابة الموسيقيين ليس الدفاع عن كرامة مصر والنيل الخالد، وإلاّ كان من الاولى الدفاع عن كرامة مصر بإدانة التعرض لأهالي مصر في الصعيد، إننا هنا أمام ذهنية فارغة من أي قدرة على العمل المجدي والمبدع وتحسس المشاكل والتحديات التي تعصف بالمجتمع والوطن، ذهنية ليس أمامها من مهمات سوى الرصد والتصيّد لتوافه الأمور وأصدار الأحكام القاسية والقاتلة على مزحة او كلمة او رأي، أحكام أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها تافهة فارغة هزيلة، وهذه حالة نموذجية من العدمية المرعبة، عدمية التآكل بالذات في الذات، عدمية خلق المشاكل من التوافه وتناسي المشاكل و القضايا الجوهرية التي تعصف بأمن الوطن واستقرار المجتمع...
إن قرار نقابة الموسيقيين فيه إدانة للنقابة ذاتها، والنقابة بهذا القرار قد خرجت من دائرة نشاطها الإبداعي المضيء الى دائرة الانغلاق المظلم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا