النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

خاطرة من البحر

رابط مختصر
العدد 10464 السبت 2 ديسمبر 2017 الموافق 14 ربيع الأول 1439

في مساحة من مساحات إمارة دبي وعلى شاطئ الخليج اعتدنا ارتياد البحر للسباحة والاستمتاع بأشعة الشمس وهواء البحر المنعش. هو شاطئ يمتد حوالي الكيلومتر تحده من اليمين واليسار فلتان فخمتان يمتد سور إحدها الى داخل البحر لإبعاد الغرباء، أما الفيلا الأخرى فقد سورت الى ما قبل الشاطئ بقليل، وأقيم على بعد أمتار منها كاسر للموج من أحجار كبيرة من الأمام ومن الجنب، بحيث أبقي على خليج صغير ثبت عليه مرسى عائم لقوارب تنقل أصحاب الفيلا الى يخت كبير، هو أقرب الى السفينة، ألقيت مراسيه في الجهة المقابلة قرب شاطئ جزيرة نخلة جميرا.
الشاطئ بين الفلتين لا يشبه جواره في شيء، فهو غير منسق والطريق اليه من الشارع العام غير مرصوف تحيطه الرمال، وفي أماكن منه ركن بعض الهواة بيوتًا متنقلة تسحب بالسيارات. لقد اختار أصحابها وضعها هنا على الشاطئ بدلاً من الخيام، فهي تحوي غرفًا للنوم ومطبخًا وحماماتٍ ومولدات للكهرباء. يأتون بها الى الشاطئ ويجلسون في ظلالها ويتسامرون في الليل بعيدًا عن البيوت المغلقة وعن صخب المدينة، وفي النهار يمارسون هواياتهم في البحر وعلى شاطئه، او يتجهون بسياراتهم الى المدينة ويعودون متى ما شاءوا، فالبيوت المتنقلة تبقى في الغالب أيامًا عدة.
كان يوم جمعة حين ذهبنا الى الشاطئ، لذا فقد ازدحم المكان بالسيارات وبالناس. كنا أمام مشهد جميل، فعلى امتداد الشاطئ وضعت مظلات بألوان مختلفة، وفرش الناس سجادات ومناشف استلقوا او جلسوا عليها. منهم من كان يقرأ ومن كان يستمع الى الموسيقى من خلال سماعات الأذن وآخرون ناموا تحت الشمس. هناك من كان يلعب الكرة مع أصحابه وأولاده. بالقرب من الماء انشغل العديد من الأطفال بحفر الحفر وبناء القلاع الرملية. سيدة فلبينية يبدو أنها خادمة عند أسرة هندية كانت تدفن صبيين برمل الشاطئ المبتل وهما يقهقهان من السعادة. في الطرف القريب من المرسى العائم وعلى أحجار كاسر الموج وقف بعض الرجال يمارسون هواية صيد الأسماك، وقد تجمهر حولهم بعض الأطفال والنساء بدافع الفضول لرؤية ما قد يصطادون.
ليس بعيدًا عن هذه الزاوية وعلى الرمال غرست امرأة باكستانية وتدين من المعدن متباعدين يقابلان بعضهما البعض، وضعت بينهما وصل معدني علق عليه عدد من الفوانيس الملونة، وفي الأسفل وضعت باقة من زهور اصطناعية ولوحة كتب عليها (اليانا)، وهو اسم لطفلتها، كتب عليها بألوان مختلفة أمنيات ذويها، وفي الطرف الآخر لوحة كتب عليها الرقم 1 بين بالونات ملونة جمعت في شكل عنقود، وذلك احتفاءً بعيد ميلاد اليانا الأول.
العشرات من النساء والرجال والأطفال بلباس السباحة جمعهم البحر وشاطئه. لا شيء يهم هنا سوى البحر والشمس والرمال البيضاء الناعمة. إنه نزوح جماعي الى البحر لأناس لا يعرفون بعضهم بعضاً، لكن سببًا من أسباب سعادتهم في هذا المكان هو وجود الآخرين، وهذه السيمفونية الرائعة من ضحك الأطفال وحركة الناس وهم يلعبون أو يسيرون على الشاطئ وصوت أمواج البحر الخفيفة وطيور النورس، وهذه الشمس التي بدأت تكتسب لون الذهب مع ميلها للغروب. جمع من البشر لفحتهم الشمس، ممن قدموا الى الإمارات من كل زوايا الدنيا للإقامة او السياحة او العمل، توافدوا معًا الى هذا المكان والى غيره لمجرد المتعة وتجديد النشاط وتنقية النفس.
لا فرق هنا بين أحد. خليط من الأعراق والأديان. اللون الأسود والأشقر والأصفر والحنطي تتمازج في المساحة لتشكل لوحة إنسانية أممية رائعة على هذه الرمال البيضاء وعلى خلفية البحر الأزرق. الكل منتشٍ بطريقته، منهم من فضل النوم، أما اليقظون فلم تفارق الابتسامة وجوههم.
الى البحر نزلت شابة متناسقة الجسد ذات ملامح اغريقية، تحمل في يدها جهاز راديو صغير على شكل كرة زرقاء، كانت تتمايل وهي تتقدم في البحر مبتسمة، ثم أدارت وجهها نحو الشمس وبدأ جسدها يرقص بهدوء على صوت أغنية وموسيقى هادئة. كانت مغمضة العينين تعانق الشمس والهواء وهي تدور حول نفسها وهي تسير في الماء، تضع يدها الأخرى على صدرها كما لو كانت تضم اليها حبيبًا غاب عنها ويوشك أن يعود. بقيت ردحاً من الوقت ثم أقفلت متجهة الى الشاطئ الى أن وصلت الى الرمال فاستلقت عليها منتشية. في مكان آخر قريب كانت هناك عائلة افريقية يلهو أفرادها في الماء وقد تميزت بشرتهم السمراء القاتمة وسط آخرين من أصول أوروبية تحولت بشرتهم الشقراء الى اللون الذهبي بفعل أشعة الشمس.
جميلة هي الحياة حين يتناجى الإنسان والطبيعة ويتعانقان في حب متبادل تصفى فيه النفوس من الشر والعنصرية والكراهية. ما بال البعض ينشر الحقد والموت والدمار والتفرقة بين الأمم، ليتهم يرتادون الشواطئ لعلهم يهدؤون، ولكن ليس شواطئهم المنغلقة، بل الى الشواطئ حيث الناس، وحيث لا تملق ولا نفاق، ولا تآمر. الى هناك حيث يغتسل الإنسان من خطاياه وشروره وينعم بالسلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا