النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

ليس هناك ما يمنع من قمة خليجية بدون قطر

رابط مختصر
العدد 10460 الثلاثاء 28 نوفمبر 2017 الموافق 10 ربيع الأول 1439

لم تزلْ مؤامرة الربيع العربي تتلوَّن حسب الظروف والتغيّرات التي تمرّ بها المنطقة، فخطة (الفوضى الخلاَّقة) التي أعدَّتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس منذ (أبريل 2005م) ليس لها سقف زمني محدد، بل أهدافاً متعددة واضحة تحت مظلة الهدف الأكبر وهو (إعادة تشكيل الشرق الأوسط) عبر تغيير الأنظمة العربية القائمة دون استثناء وتفتيت الدول على أُسس دينية ومذهبية وطائفية وفق مراحل، ويعتبر هذا الأمر حقيقةً واقعة وهدفا أمريكيا مُعلَن صرَّحت به وزيرة الخارجية الأمريكية لصحيفة الواشنطن بوست في عددها الصادر بتاريخ (9 أبريل 2005م)، وتَشهَد وقائع الأحداث على الحرص الأمريكي على تنفيذه بدقة متناهية.
وقد تأرجحت المرحلة الأولى من الخطة بين النجاح والفشل، حيث نجحت في إشعال الفوضى الأمنية والسياسية بإسقاط الأنظمة القائمة في مصر وليبيا وتونس، وفشلت في تحقيق هدفها في إسقاط أنظمة الحكم في المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، والذي سيتبعه -حسب الخطة- انهيار كافة أنظمة الحكم الخليجية الأخرى وإقامة أنظمة تعددية ديمقراطية إسلامية على النهج الإخواني التركي القريب فكراً ورؤيةً من نظام ولاية الفقيه الإيراني.
ولو اطّلعنا على خريطة المنطقة العربية، وبالتحديد (من العراق وسوريا ولبنان وحتى مشارف البحر الأبيض المتوسط) لوجدنا أن أنظمة جديدة قد ظهرت وأخرى على وشك الظهور بدعم أمريكي إيراني واضح، فقد تلاقت المصالح الإيرانية والأمريكية في هذه المنطقة، وترجمها التوجه الاستراتيجي الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة باستكمال خطة التغيير الشامل في البلاد العربية وإعطاء إيران الضوء الأخضر لتحقيق السيطرة الإقليمية الكاملة على المنطقة كأحد أدوات تنفيذ خطة الفوضى الخلاَّقة، وقد ساعد الاتفاق النووي الموقَّع في (يوليو 2015م) على ذلك بشكل كبير.
ووسط التطورات والتغيّرات المتسارعة والمتلاحقة على الساحتين الدولية والإقليمية، وانعدام الثقة بين القيادات الخليجية والأصدقاء التاريخيين أصحاب المصالح في المنطقة، والصورة الضبابية للعلاقات (الخليجية الأمريكية) في ظل ما يتمّ تداوله حول اتصالات الرئيس ترامب بالرئيس الروسي خلال فترة الانتخابات الرئاسية، وما تعانيه العلاقات (الخليجية الخليجية) منذ تفجّر الأزمة القطرية في (5 يونيو 2017م) التي تهدّد وجود منظومة (مجلس التعاون)، وسط كُل تلك المتغيرات والتهديدات يعيش الخليج في حالة ترقّب مستمرة.
وحول هذا المضمون كانت مداخلة السفير عبدالله يعقوب بشارة (الأمين العام لمجلس التعاون منذ تأسيسه وحتى 1993م) في (ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الرابع) المنعقد في (12 نوفمبر 2017م)، الذي شدَّد على ضرورة التفكير بنهج جديد لمجلس التعاون في المرحلة المقبلة، خصوصاً وأنه بوضعه الحالي غير قادر على مواجهة الأخطار والتحديات التي تعيشها المنطقة.
إن تأسيس منظومة (مجلس التعاون الخليجي) عام (1981م) كان لأهداف واضحة، فبعد استقلال البحرين وقطر وقيام اتحاد الإمارات العربية عام (1971م) شعرت هذه الدول وبما فيها الكويت والسعودية وعُمان بالخطر الذي يهدد استقلالها وسيادتها، خصوصاً بعد الانسحاب البريطاني من شرق السويس في (1968م)، وانكشاف الغطاء الأمني عنها وتزايد قوة وخطر دول شمال الإقليم (إيران الخميني، وعراق صدام حسين) اللتين أشعلتا نيران الحرب في (سبتمبر 1980م) ولم تكن لها حينذاك نهاية معروفة، بل انعكست تأثيراتها على الإمارات المترامية على رمال الخليج الساخنة التي خشيت من امتداد هذه الحرب إلى أراضيها، فكان (الاتحاد التساعي) الذي سقط بسبب التهديدات الإيرانية، ليتأسس بعده (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) ويشكِّل ترجمة واقعية لحالة أمنية خطيرة جداً على كيانات واستقلال دول الخليج، ويُكوِّن منظومة للتعاون الإقليمي وليس منظومة سياسية تعمل ضد قوى الإقليم، خصوصاً بعد أن حلَّت الولايات المتحدة الأمريكية محل بريطانيا كضامن لأمن منطقة الخليج التي كان عليها أن تدخل عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية المباشرة والمصالح السياسية المتشابكة.
إن الأهمية العظيمة لوجود (مجلس التعاون) واستمراره في حماية أمن المنطقة وسيادتها في ظل الأخطار المحدقة بها من كل جانب، يتطلَّب حِفظ هذا الصرح العظيم من الانهيار، وذلك بعقد قمته المقبلة في موعدها المحدد (ديسمبر 2017م) حتى وإن عُقدت دون حضور دولة قطر، فهذا ليس بالأمر المستحدث، فقد سبق للمجلس أن انعقد دون كامل أعضاءه في قمة الدوحة عام 1996 الذي لم تحضره مملكة البحرين بسبب جزر حوار والخلاف الذي برز بعد قرار قمة الدوحة عام 1990 الذي فسرته الدوحه ضوءًا أخضر لذهابها منفردة لمحكمة العدل الدولية بدون موافقة البحرين، وكذلك انسحاب قطر من قمة مسقط عام 1995 بعد تعيين القمة للمرشح السعودي جميل الحجيلان أميناً عاماً بدلاً من المرشح القطري عبدالرحمن العطية.
إن القمة الخليجية المقترح عقدها يومي 6 و7 ديسمبر القادم في دولة الكويت يجب ان تعقد في موعدها حتى بدون قطر لانها تشكل حدثاً تاريخياً مهماً لا يمكن ان تؤثر عليه الأزمة القطرية، وانعقادها دلالة من دلالات التعاون والوحدة بين شعوب مجلس التعاون. وما دفعني لذلك وجود تلك السوابق التي ذكرتها أعلاه. إلا انه في حالة تعذر ذلك فان بالإمكان عقدها في عاصمة دولةالمقر كما ينص على ذلك النظام الأساسي، ومن المهم جداً أن تتخّذ القمة المقبلة قرارات تنفيذية حاسمة تمهِّد الطريق نحو الوحدة والاندماج الخليجي ووضع الأسس الصحيحة لمعالجة الأزمات، ولعل أهمها ما يلي:
1. وضع الآليات التنفيذية لتفعيل (هيئة تسوية المنازعات) المعطَّلة منذ تأسيس المجلس والمنصوص عليها في المادة العاشرة من نظامه الأساسي، وذلك للبحث بعدالة في القضايا الخلافية وإيجاد الحلول القابلة للتنفيذ وتحديد العقوبات التي تتدرج من دفع التعويضات المالية إلى (إسقاط العضوية) في حال عدم الامتثال لقرارات الهيئة.
2. استكمال المواطنة الخليجية الكاملة (كالسوق الخليجية المشتركة والوحدة النقدية والجواز الخليجي الموحَّد ومشروع الربط المائي...) وغيرها من المشاريع التنموية التي تنصب جميعها في تعزيز الخطوات الوحدوية بين دول المجلس للوصول إلى الوحدة الاقتصادية بما يعزز منطقة مجلس التعاون كمركز مالي واستثماري واقتصادي عالمي.
3. وضع الحلول الفورية للخلافات الحدودية التي تشكِّل حالة مبطنة من عدم الثقة بين دول المجلس، وتؤثر على العلاقات الثنائية والجماعية، وتلقي بظلالها على كافة القضايا الحساسة المطروحة للنقاش على جميع المستويات.
4. توحيد السياسية الخارجية الخليجية تجاه القضايا الدولية والإقليمية بما يضمن حماية أمن ومصالح المنطقة، ويحقّق الحد الأدنى من التوافق لدور المجلس وسياسته كمنظمة إقليمية جامعة تجاه إيران.
5. تعزيز مبادئ حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والمشاركة الشعبية الفاعلة في الحكم، على نحو يؤكد تثبيت حكم القانون والعدالة والمساواة وأسس الحكم الرشيد باعتباره السبيل الأمثل لتحقيق تطلعات شعوب المجلس نحو الحرية والديمقراطية ما يردع الخطط الغربية لتنفيذ سياسة التغير في المنطقة العربية.
وبذلك تنتهي القمة الخليجية السادسة والثلاثون إلى إيصال رسالتين مهمتين:
• الرسالة الأولى إلى إيران: إن للعلاقات الخليجية آليات وأسس تعكس سيادة دول مجلس التعاون وموقفها الموحَّد تجاه التهديدات التي تقودها إيران، والتي لا يمكن أن تستقيم أي علاقات معها دون توقفها عن التدخل في الشؤون الداخلية الخليجية واستخدام أذرعها في (العراق ولبنان واليمن) لتهديد أمن الخليج والمنطقة.
• الرسالة الثانية إلى دولة قطر: أصبحت العلاقات (الخليجية الخليجية) وفي إطار منظومة (مجلس التعاون) محكومة بأسس وشروط جديدة مُلزمِة، ووفقاً لذلك فإن على قطر إثبات التزامها بتلك الأسس عبر الإعلان الفوري والجاد عن تنفيذها كل ما ورد في اتفاق الرياض والاتفاق التكميلي الموقعان عام (2014م) والذين يتضمنان العديد من المطالب التي قُدِّمت إليها إبَّان تفجّر الأزمة، مع تحديد جدول زمني صارم للتنفيذ.
إن الحالة المقلقة التي تمرّ بها منظومة مجلس التعاون يجب أن تنتهي فوراً، فتفكّك المجلس وانهياره ينصبّ مباشرةً في مصلحة إيران الساعية منذ قرون إلى بسط سيطرتها على المنطقة باستخدام كافة الوسائل وبالتعاون والتنسيق مع كافة القوى المتوافقة معها في الأهداف والمصالح.


المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا