النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10473 الإثنين 11 ديسمبر 2017 الموافق 23 ربيع الأول 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

معضلة قطر وحالة تضخم الذات (42)

رابط مختصر

يلهج لسان عزمي بشارة وقناة الجزيرة «بالديمقراطية وثقافتها!» ولكنهم يضيقون ذرعًا من آراء واصوات وافكار قد تختلف معهم فعلًا او لا ترى هوى في عقولهم وقلوبهم.
لم أكن أخال ذلك الانفعال صادرًا من «المثقف والمفكر والمستشار الحساس» ولو كانت جمانة نمور المذيعة اللبنانية شخصية أوروبية لربما رمت الاورق في وجه عزمي بشارة وخرجت من الاستديو، فالمهانة في تعامله معها كان واضحًا نتيجة الشعور بالفوقية، وروح الاستعلاء والنزعة التسلطية على كل من يجده مختلفًا.
لم أكن قادرًا على تحمل الاسفاف الذي مارسه بشارة مع جمانة ولا السلوك الفظ القمعي والاستهزاء الواضح لمذيعة ضمن نطاق مسؤوليته في قناة الجزيرة، التي بات من موقع ادارة مركز الابحاث ووظيفة المستشار، يتصرف مع الاخرين وكأنهم عبيد في مزرعته، بل عبّر انفعاله المشين معها بطبيعة داخلية نزقة. أحيل القارئ الى مشاهدة يوتيوب بعنوان «بشارة يضع مذيعة قناة الجزيرة في موقف حرج» ومن يشاهد البرنامج فلن يكتشف انه يضعها في موقف حرج بل في وضع أسوأ من حالة الاحراج، وبدت هي مرتبكة من وضعها واستطردت في كلام لا معنى له وقد بدا كلامها لا صيغة سؤال ولا استطراد منطقي، إذ لم يكن عزمي دبلوماسيًا اطلاقًا حين قال لها «هذا ليس سؤال هذا خطاب بتصغيرها» وكل ذلك كما قال: «هذا غير مقبول لهجتك». ما هكذا يتم معالجة الآراء الخاطئة يا سعادة المستشار المفكر، فمن يحمل على عاتقه مشروعًا تنويريًا وثقافة ديمقراطية عليه السيطرة على انفعاله الصبياني المنفلت. شعر في داخله بشارة مدى ارتباك جمانة وبعد اذلالها بسوط عباراته، لم يفكر الجنتلمان لارتفاع حدة صوته في وجهها ولا في الاعتذار، وانما كان عليه ان يعود لنبرة الهدوء والتحدث بصوت لائق، فمن لا يقبل احد ان يرفع صوته في وجهه عليه ان يدرك ان الاخرين لديهم كرامتهم وهم لا يقبلون بالمثل. ذلك المفكر الذي يتحدث عن «الكرامة» ومعجب بحالة تلك الانفجارات من اجلها كمعنى ودلالة، نجده لا يمارسها مع من هم يخالفونه او يخرجون عن «مظلته». في هذا البرنامج اكتشفنا انياب واظافر الانسان البدائي الداخلي في المثقف العربي، الذي يناقض قوله في ممارساته البشعة، التي تذهل كل من تأمل تلك اللحظات من «البهدلة».
اشفقت فعلًا على جمانة نمور اللبنانية، وادرك انها كم كانت متماسكة وقوية وهادئة دون ان تنجح في اخفاء عثرتها الفعلية في كيفية أن تطرح لاحقا أسئلتها، واتفهم بعدها لماذا مثلها كان عليه ان يغادر قناة الجزيرة بعد تراكم حالة التدخل والتعسف الاداري والمهني في القناة، التي مع قدوم عزمي بشارة لقطر باتت مستوطنة داخل مستوطنة، ولكنها هذه المرأة مستوطنة عربية الطابع والملامح والمواصفات.
ستدخل قناة الجزيرة في مآزق جديدة الواحدة بعد الاخرى بعد عام 2011، تخللتها استقالات عديدة اشرنا اليها، غير ان القناة كانت قبل تلك السنة قد راكمت لسنوات في داخلها الكثير من المساوئ، لم تنجح كل الادارات تذليلها، فقد باتت الشللية والمحسوبية والبيروقراطية سرطان تلك المؤسسة، غير ان «الربيع العربي» لم يهز انظمة سياسية وحسب، بل وعبرت رياحه لداخل استوديوهات قناة الجزيرة، فهي لن تكون بمعزل عن طوفان نوح، ولن تكون سفينته قادرة على البقاء في مكان قصي من الطوفان. فماذا جلبت رياح الربيع لبيت العنكبوت وشبكات قناة الجزيرة ؟ فقد تكشفت كل الاوراق عن توجهات ودور القناة الفعلية، وتحولت نظرة العالم نحوها مختلفة عن بداياتها البراقة المخادعة، نتيجة محدودية وعي وفكر الرأي العام البسيط، بل وخدعت نفر من المثقفين وجد فيها هوى في نفسه ولغاية في نفس يعقوب، حيث اعتلى منصة شاشتها كل طرف لديه خلاف وخصومة مع نظام بلده او مع مجموعات معينة، فجاء ليفرّغ ما في جعبته، على شكل حوارات وبرامج يتم هندستها في مطبخ بيت العنكبوت. في تلك اللحظة التاريخية من انعطاف الريح داخل ربيع تائه، ادرك عزمي بشارة ان مركز الابحاث بحاجة لتنوع مشاريعه، وان دولة قطر الصغيرة بقناة الجزيرة معرضة للغرق كسفينة نوح، وعليها ان تجد مستقرًا جديدًا لها وادوات ووسائل تستكمل بقية ما يملك من مؤثرات سياسية واعلامية، فكان عليها ان تعلن عن صدور جريدة يومية «العربي الجديد» وقناة تلفازية باسم «العربي» يتقدمها برنامج هام هو «العربي اليوم» ليصبح عزمي بشارة الضيف الدائم «والرفيق الطليعي !» لبث تجريبي للمحطة من بلد الضباب. كان يدرك بشارة الانتهازي في داخله ان الضغوط التي تواجهها قطر منذ عام 2014 من دول مجلس التعاون، لن يتيح لها مستقبلًا التحدث بحرية حول كل المشاريع المتبقية في الادراج، وفي ادراج غرفة بيت المستشار، ويدرك ان الضمانات الفعلية والعملية للمشروع النصف معلن لم تعد قناة الجزيرة قادرة على استكماله بمفردها، وانما الحمل بات ثقيلا وعليها بعد ان توحلت في الربيع العربي، وتعرت ملامحها بعد ضرورة ازالة المكياج الاعلامي الحقيقي عن وجهها.
ولكي يواصل «الحاوي» العابه فهو بحاجة لمسرح جديد مختلف واستمرار لقناة الجزيرة، فجاءت «قناة العربي» كجزء من مرحلة جديدة اقتضتها الظروف والتحولات الجديدة في الاقليم والعالم العربي. ولم يكن اختيار وتوقيت 25 يناير عام 2015 كبداية لبث تلك القناة، خاليًا من المعنى ففي منظور بشارة أن «للثورة المصرية و25 يناير» دلالة على منعطف تاريخي عربي جديد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا