النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

«أبو نظــــــــارة»

رابط مختصر
العدد 10454 الأربعاء 22 نوفمبر 2017 الموافق 4 ربيع الأول 1439

مهلاً صديقي لا يذهبنّ بك الظنّ، بمجرد قراءة العنوان، أني أقصدك أنت، أو كل من يحمل نظارة وأنا أولهم طبعًا!. مهلاً! مهلاً! ولا تكن جادًّا ولا حازمًا في الحكم عليّ فمن شدة الصرامة والحزم والجدّ في وسائل الإعلام ولا سيما الصحف وما يطفح به كل هذا وذاك من همّ وحزن وكدر قررت أن أزور أيام «أبو نظارة»، و«أبو صفار» وأبو نظارة زرقا «وأبو زمّارة» فما رأيكم أن تصاحبوني في رحلة قصيرة مع الصحافة العربية الهزلية؟ ألم تشتاقوا إليها في هذا المشهد الإعلامي الجاد والرهيب؟

 إذا كانت الصحافة ولا سيما العربية منها في أصل نشأتها منذ القرن 19م قد اهتمّت بالأخبار تنشرُها، وبالقضايا الأدبية والاجتماعية تحلُّلها، وفي مقالات جادة تعالجها، فإنّها قد انزاحت عن هذا التوجّه في مطلع القرن العشرين ليبدع زمرةٌ من الأدباء والكتاب الاجتماعيّين في إنتاج ما اصطلح عليه بالصحافة الساخرة. غير أنّ هذا الوجه الآخر من الصّحافة عرف تقلبات جعلته حينًا مقروءًا مطلوبًا وطورًا منبوذًا منفورًا. 

وللأدب الساخر في تراثنا أصول عريقة؛ إذْ لا تخونك (مقامات الحريري) ولا (مقامات الهمذاني) ولا (البخلاء) للجاحظ إذا بحثت فيها جادًا عن الأدب الساخر، ومن هذه المتون استقى ثلة من أدبائنا في القرن العشرين على غرار محمد المويلحي في كتابه (حديث عيسى بن هشام) ومن بعده توفيق الحكيم ثم إيميل حبيبي في روايته الرائعة (المتشائل). ولكن هل يا ترى تجنح صاحبة الجلالة السلطة الرابعة اليوم إلى خفّة الظل والنقد الخفيف الساخر، وهي التي لطالما حطّت قوما ورفعت أقواما؟ أم أنها كباقي السلطات الأخرى تظل محافظة على وقارها، ملتزمة ضرورات التحفظ قبل النشر؟

الحقيقة أنّ الصحافة العربية الساخرة أو الهزلية لم تتأخر طويلاً فها هو يعقوب صنوع في مصر يدشنها قبل أن ندشّن القرن العشرين، فكانت فاتحة الصحف الهزلية (أبو نظارة) تحت شعار «مسليات ومضحكات» وانطلق معها تيار صحفي مهمّ لطالما خشيه المحافظون من رجال العلم (الدين) ومن رجال الحكم (الساسة). وقد توالت محاولات صنوع مستعملاً الفصحى حينًا والعامية الدارجة حينا آخر، ثم أصدر صحيفة (أبو نظارة زرقا) بعد إيقاف الأولى ثم (أبو صفارة) فـ (أبو زمارة).. ليكون بذلك يعقوب صنوع رائدًا لهذا النوع من الصحافة دون أن يكون الوحيد؛ فقد شهدت تونس فصلاً مبكرًا من فصول الصحافة الساخرة على يد «عزوز الخياري» في صحيفته (ترويح النفوس) وكذا الأمر في العراق وسوريا ولبنان...

هذه التجارب المتنوعة شكّلت مفهومًا للصحافة الهزلية مفاده أنها: «الرمز المختصر الراسخ لتناول القضايا بشكل مباشر أو غير مباشر وبلغة مفعمة بالسخرية الهادفة التي لا تتناول مسألة الإضحاك لمجرد الإضحاك» وذلك كما عرّفها رسام الكاريكاتير صالح العقاري. وحين نتحدث عن صحافة ساخرة فإننا نقصد الالتزام في كامل صفحات الجريدة بهذا الأسلوب في تناول القضايا إخبارًا وتحليلاً وتعليقاً ورسمًا وتصويراً... وليس مجرد وجود صفحة للتسلية والهزل كما يحضر في العديد من الصحف العربية اليوم. 

غير أنّ هذا النوع من الصحافة، وأعني الهزلية، لم يكتب له الامتداد في الزمان، ولا الانتشار في المكان بالقدر الذي يستحق وذلك لأسباب عديدة لعلّها تجتمع في طغيان عقلية المحافظة السياسية والدينية والأخلاقية التي لا تلتقي البتة في نظر المحافظين مع الكتابة باعتبارها رسالة جادة بل ورسمية قد تذكرنا بديوان الرسائل أو ما شابه. لذلك لم تصمد جرائد يعقوب صنوع إذْ لشدة تهكمه من الخديوي إسماعيل في مصر تمّ إيقاف صحفه أكثر من مرة، وكذا في تونس بسبب تسلط المستعمر من جهة وتواطؤ بعض المحافظين التقليديين من جهة أخرى...

وعلى العموم تظل الصحافة الساخرة في نظر عامة الناس مرفوضة في الظاهرمطلوبة في الخفاء؛ ذلك أنّ العقلية العربية محافظة بطبعها ترفض «السخرية» من منطلق أخلاقي وديني فهي منهيّ عنها بظاهر النص صراحة، معيبة بالأخلاق، مجرّمة أحياناً بالقانون. ورغم ذلك يطلب الكثير من القراء هذا النوع من الكتابات الصحفية.

إنّ المثل العربي الشهير «كثر الهمّ يضحك» هو الترجمة الحرفية لواقعنا اليوم، فما يرزح تحته الإعلام اليوم من تخمة في الأخبار المحزنة والأحداث المأساوية والأزمات المتصاعدة والصراعات المتعاظمة والحروب المدمرة والفقر المدقع في العديد من دولنا العربية والإسلامية والجوع والجهل... زد على ذلك آفة الإرهاب الذي أتى على الأخضر واليابس باسم الإسلام... كل ذلك وغيره جعل القراء في شوق جامح ولهفة شديدة إلى الصحافة الهزلية فتراهم يتسقّطون تلك الكتابات في مواقع التواصل الاجتماعي في عصر صار فيه كل واحد منّا «صحفيا» ينشر ما يشاء. ولمّا كان كل ممنوع مرغوب فإنّ متصفّحي هذه الكتابات والتعليقات والمحادثات الساخرة الهزلية يزداد يوما بعد يوم حيث يتحوّل كل متلقّ إلى مرسل بمجرد كبسة زرّ فتنتشر تلك الكتابات البناءة حينا والهدّامة أحيانا كثيرة كونها غير مؤطرة ودون حسيب ولا رقيب.

إنّ الحرية الواسعة التي تحظى بها مواقع التواصل الإلكتروني جعلت مراقبة المادة الصحفية الساخرة ممتنعة وغير مقننة بالشكل الذي يتناسب مع الصحافة الهزلية في مفهومها الصحيح. لذا بات من الضروري توفير البيئة المناسبة لهذه الكتابات التي يتلهف القارئ إليها، ولِمَ لا، إصدار صحف ورقية وإلكترونية تحترم مبادئ هذه الكتابة الصحفية باعتبارها مدرسة لها أسسها وأصولها وأهدافها السامية حتى تكون هذه الصحف ملاذ القراء الباحثين عن نوع آخر من الكتابات غير المألوفة بدل الارتماء في المواقع الإلكترونية غير المسؤولة والمساهمة بشكل مقصود أو غير مقصود في نشر الأكاذيب والأباطيل عبر هذه المادة الصحفية الساخرة التي تستميل القلوب والعقول لِما لها من قوة نفاذ وجاذبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا