النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

التمادي في قدرات العلم كارثة على البشرية

رابط مختصر
العدد 10453 الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 الموافق 3 ربيع الأول 1439

خلال مهرجان للشباب في سوتشي قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «الجنود الخارقين المعدلين وراثيًا أسوأ من القنبلة النووية، وهذا الأمر قد يصبح قريبًا حقيقة واقعية»... إن كلام الرئيس الروسي، الذي يترأس دولة رائدة في العلم والتكنولوجيا، لم يأتِ من عبث، ولا هو بالكلام الاعلامي المراد له الترويج السياسي، ولا يخامرني أدنى شك بأن المختبرات العلمية في علوم «الشفرة الوراثية للإنسان» تعمل على مدار الساعة ودون كلل على تطوير معادلة بيولوجية - وراثية لتغيير ذهنية الانسان وسلوكه. ومثلما حذّر الرئيس الروسي، فإن العلماء في هذا المجال قريبون منه وقادرون على إحداث هذا التغيير في الشفرة الوراثية، مما يعني الفعل والتفعيل المختبري على الانسان لكي تتغير فيه الفطرة التي وُلِدَ بها إلى نمط مُغَيَّرٍ (معدل) من الذهن والشعور والسلوك، ومحو ملكته الفطرية الملازمة لشخصيته إلى شخصية أخرى على هوى صاحب القرار (السياسي والعسكري) الذي يمول المختبرات ويوجه العلماء ويدفع لهم أجورهم والمكافآت حسب إنجازاتهم في مجال محو شخصية مبنية على الفطرة، واستخلاص شخصية أخرى، من نتاج المختبرات العلمية، مختلفة مبنية على هوى أصحاب القرار، وهم قادة الجيوسياسة في العالم. بهذه القدرة العلمية أصبح بمقدور أصحاب القدرة والقرار العبث بملكة الفطرة عند الانسان، وهذا نمط من تسلط الانسان على الانسان لم تعهده البشرية مطلقاً منذ نشأتها. وهذا المنحى المميز في علم الانسان بالانسان هو النذير بنهاية الانسان... وهذا المجال من منعرجات العلم ومستوى قدراته تنذر بكارثة إنسانية ليس بمقدور الذهن تصور كارثيته قبل حصوله وتفعيل فعله في علاقة الانسان بالانسان، لأن كارثية منتوج هذا التطور العلمي تختلف نوعياً عن كارثية أسلحة الدمار الشامل التي تتضمن الأسلحة الكيميائية والجرثومية والنووية والهايدروجينية... إنه منتوج علمي مختلف لا يمكن التنبؤ ولا حتى التصور بطبيعة الكارثية التي تنتظر البشرية، إذا ما أطلق العنان لهذا العلم، دون رادع، لمواصلة الجهود المختبرية لتجريد جندٍ من الناس من ملكتهم الفطرية ومكوناتهم الموروثة ومحو شخصيتهم الطبيعية-الاجتماعية، واستخلاص شخصية أخرى مغايرة، شخصية مغايرة وعلى هوى مخططات مسبقة، مخططات ترسم صورة شخصية لانسان مجرد من الحس بالمطلق، إنسان لا يتألم، لا جسدياً ولا نفسياً، إنسان مجرد من العاطفة، لا حب ولا كره، إنسان مجرد من الشعور، لا يستوعب معاناة الآخرين وآلامهم، وهو نفسه لا يتألم جسدياً مهما فعلت فيه السيوف والخناجر، ولا يشعر بالإهانة مهما فعلت فيه سياط الكلام المهين، فهو لا يعرف الكرامة... هذا المنتوج المختبري ليس سوى كتلة لحمية في صورة إنسان، يتمتع بقوة جسدية خارقة للناتج الطبيعي، ويفتقر الى ملكة العقل المفكر، وقد اختزل العلماء عقله فقط لتلقي الأوامر، وهو خارج دائرة علم النفس... حتماً، فبهذه الاحتمالات، فإن كارثية هذا العلم تختلف جوهرياً عن الكارثية التي ترعبنا اليوم والمتمثّلة في تنوعات أسلحة الدمار الشامل. 

الفيلسوف البريطاني برتراند راسل كان مرعوباً، وكان يعبر عن الرعب الذي يتملك البشرية، من وصول العلم الى انتاج القنبلة النووية، فأصدر كتابه «هل للإنسان مستقبل» في عام 1961 في ذروة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، يحذر فيه من مصير كارثي يتربص بالانسان في غضون عشر سنوات، بمعنى أنه كان يتوقع أن يفقد ساسة الحرب الباردة الحكمة والتعقل وينزلقوا الى مواجهة عسكرية نووية لا تبقي للإنسان على الارض أثراً غير الرماد... ولكن استطاع الانسان تخطي هذه النبوءة المشئومة الى يومنا هذا، والفضل فيه يعود ليس الى حكمة الحكمة بل الى ميزان الردع على طرفي القوة النووية، أي حكمة الخوف... إن هذا الردع المتبادل هو الذي استثار الخوف والهلع في نفوس قادة الحرب الباردة، ومن لسان الخوف خرجت قرارات حكيمة... فالخوف مَلَكَة خير. ولكن العلم الحديث والتطور في علوم الأجنة فتح باباً آخر من نوع مرعب قد يخل بميزان القوة ومعه يخل بميزان الردع، ومع اختلال ميزان الردع ينتفي الخوف، خاصة وأن هذا السلاح الجديد الذي يتمثل في جند من آلات بشرية، في مقابل الانسان الآلي، فالآلة البشرية هو إنسان طبيعي ولكنه معطل الفكر والاحساس ويكون دوره آلياً لا إنسانية فيه بالمطلق، وهذا السلاح يقتل الانسان ويبيدهم دون حاجة إلى دمار البنية الأساسية ولا حرق الاراضي الزراعية ولا تدمير المدن بما حملت من مبانٍ ومؤسسات ومصانع، حرب لا ينتج عنها دمار، والمهيمن يستحوذ على الأرض بما تحمل وهي في كامل كمالها، ولا حاجة لإعادة البناء، مع هيمنة كاملة على من تبقى من البشر الذين لا قدرة لهم على مواجهة جيش جرّار من آلات بشرية... هذا هو الفارق بين أسلحة الدمار الشامل (التقليدية) الحالية التي شَلَّ فاعليتها ميزان الردع، وبين أسلحة جند الآلة البشرية. 

المعادلة المخيفة مع هذا السلاح الجيني هي أن الحرب لا ينتج عنها دمار شامل، بل هيمنة شاملة، وهذه الهيمنة الشاملة تفتح باباً تاريخياً جديداً أمام نمط جديد من العبودية لم تعهدها البشرية. 

هذا هو السيناريو العام الذي يمكن استخلاصه من نجاح الانسان في إنتاج هذا السلاح الجيني، أي الآلة البشرية.. 

وماذا لو أن الحرب الباردة استعادت أنفاسها مع هذا السلاح، حيث يتواجد سلاح الآلة البشرية بين قطبين وأكثر!!!

 وما هي السيناريوهات المُحتملة مع هذا السلاح في ظل قطبية متعددة؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا