النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

وعد من يملك لمن يستحقّ

رابط مختصر
العدد 10447 الأربعاء 15 نوفمبر 2017 الموافق 26 صفر 1439

بالتوازي مع النشاطات التي بدأت وستتواصل في عواصم عالمية وعواصم ومدن عربية إحياءً للذكرى الأليمة، الذكرى المائة لإصدار «وعد من لا يملك لمن لا يستحقّ»، ومن أجل المطالبة باعتذار بريطاني للشعب الفلسطيني أو ما يمكن أن نصطلح عليه بـ «وعد من يملك لمن يستحق»، بالتوازي مع هذا كله احتفلت بريطانيا مع الكيان الإسرائيلي بمئوية وعد بلفور(1917) وذلك في الثاني من نوفمبر 2017 بالعاصمة البريطانية لندن. لكن هل يمكن أن يتحوّل الحلم باعتذار بريطاني للفلسطينيين إلى وعد فحقيقة؟ هل أنّ الظروف السياسية العالمية والإقليمية والوطنية اليوم مهيّأة فعلا؛ لأن يتحوّل هذا الحقّ الموعود (حق الفلسطينيين في اعتذار) إلى واقع، كما تحوّل يومًا حلم اليهود إلى وعد (وعد بلفور) فحقيقة؟
 لا غرو أنّ استمرار احتلال الأراضي العربية الفلسطينية وعدم الاعتراف الكامل بدولة فلسطين وعاصمته القدس سيبقى وصمة عار على جبين منظمة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمحكمة الدولية، وغيرها من المنظمات التي تتشدق بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي تدشّن الألفية الثالثة ولا تزال فلسطين ترزح تحت نير الاستعمار الإسرائيلي.
لكن، طالما هذه المنظمات واقعة بدورها تحت مطرقة الإمبريالية الغربية وسندان الصهيونية الدولية، فإنّ قرارًا ما يخدم القضية الفلسطينية قد يكون مجرد حلم لن يرقى يومًا إلى وعد ولا إلى حقيقة؛ ذلك أنّ وعد بلفور، منذ قرن خلا، قد هيّأت له ظروف وسبقته وعود بلفورية من شتى الدول الاستعمارية المتحكمة في العالم آنذاك؛ فها هو نابليون بونبارت يعد بأن: «تقدم فرنسا فلسطين لليهود، وتدعوكم فرنسا للاستيلاء على إرثكم، بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به» على حدّ قوله، وها هو «دون إيلونبرج» باسم حكومة قيصر ألمانيا في خطاب إلى (هرتزل) مؤرخ في سبتمبر 1898م، يؤكّد أنّ: «جلالته يحب أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسؤولية محمية (يهودية) في حالة تأسيسها، وأنه على استعداد أكيد أن يناقش الأمر (توطين اليهود) مع السلطان...».
 ولم تكن روسيا القيصرية تغرّد خارج السرب الاستعماري، بل كانت تدعم جوقة التوطين فقد وجّه (فون بليفيه) وزير الداخلية الروسي رسالة إلى (هرتزل) جاء فيها: «ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبّذ ذلك وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا...»، وهكذا ترعرع الحلم الموعود ليصبح وعدا غير مكذوب حين توَّجهُ وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في رسالة منه إلى اللورد روتشيلد أكّد فيه أنّ: «حكومة ملك بريطانيا تنظر بعين اللطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين...»، في وقت لم يتجاوز فيه عدد اليهود 5% من السكان الأصليين لفلسطين، وهكذا بحكم مكانة بريطانيا ونفوذها الاستعماري استطاعت أن تحوّل الوعود إلى إنجازات هيّأت سريعا لقيام دولة إسرائيل على الأراضي العربية الفلسطينية عام 1948 وتحديدًا يومًا واحدًا بعد إعلان بريطانيا إنهاء الانتداب في فلسطين.
هكذا تحوّل الحلم إلى وعد والوعد صار حقيقة بفضل ذكاء اليهود في إقناع القوى العظمى بذلك. واليوم وبعد 100 عام يحلم العديد من الفلسطينيين وبعض العرب بأن تقدم بريطانيا لهم وعدًا: وعدَ من يملك لمن يستحق، جوهر هذا الوعد اعتذار للفلسطينيين على تصرفها في ما لا تملك بوعد لمن لا يستحق، وهامش هذا الوعد تقديم تعويضات للفلسطينيين لما أصابهم جراء هذا الوعد المشؤوم.
لكن هيهات، فلا الظروف السياسية عالميًا وإقليميًا ووطنيًا في فلسطين يمكن أن تعدّل من موقف بريطانيا، ولا القوى العظمى في العالم اليوم متفقة على مناصرة الحق الفلسطيني كما وقفت منذ قرن مع مطلب الشعب اليهودي، والأكيد أنّ قادة هذه الدول يظلون أوفياء لسياسة بلدانهم وساستهم، وهذا من حقّهم. أمّا إقليميًا وعربيًا، فالقضية الفلسطينية بالكاد تدرج في جدول أعمال الاجتماعات الروتينية، وإن هي أدرجت، أو تبوّأت المركز من الخطابات الرسمية، فإنها عمليًا وعلى مستوى القرارات لن تكون أوكد من محاربة الإرهاب ومؤمرات تقسيم المقسم وتشتيت المشتت وقضايا الجفاف والفقر... التي تعصف بالبلاد العربية مشرقًا ومغربًا منذ عقدين من الزمان. وحتّى فلسطينيًا فلا تكاد تتحد القوى والحركات والتيارات على أمر حتى تعصف بهم رياح الاختلاف فالخلاف إن لم يصل الأمر إلى... فكيف للحلم أن يصبح وعدًا وكيف للوعد أن يتحقق؟
هكذا لا يبدو في الأفق وعدٌ باعتذار لأهل الدار ولا حتى بارقة أمل، بل إنّ الحقيقة المرّة تأتي على لسان تيريزا ماي منذ أيام حين رفضت تقديم هذا الاعتذار رسميًا، وها هي الحكومة البريطانية تستعد لتنظيم احتفالية بمناسبة مئوية وعد بلفور، وتدعو نظيرها الإسرائيلي إلى لندن لإحياء هذه المناسبة في ردّ غير لطيف على مطالبة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في سبتمبر الماضي خلال كلمته في الأمم المتحدة بضرورة أن تقدم بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا