النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أدب النقد غافل عن أدب النكتة

رابط مختصر
العدد 10446 الثلاثاء 14 نوفمبر 2017 الموافق 25 صفر 1439

النكتة لها مكانة خاصة في الأدب وفي المجتمع وفي حياة الفرد، والنكتة هي نافذة في الأدب يطل منها الانسان على فضاء رحب من بهجة النفس، حيث أشكال الضحك ودرجاته هي الاستجابة المباشرة ودون عناء فكر لما يرويه هذا الأدب، أدب النكتة... والنكتة من حيث الشكل والمحتوى أدب وفن وإبداع، هي بضع كلمات تأتي في صيغة ساخرة، والسخرية منها وفيها تحمل معاني متعددة ومختلفة، والنكتة في الأدب يقابلها الرسم الكاريكاتوري الذي يحمل رسائل مختلفة، منها الساخرة وغير الساخرة، وقد دأبت هذه الرسوم في الصحف اليومية على إرسال رسائل سياسية، والصورة المرسومة تكون بألف كلمة للتعبير عن فكرة سياسية معينة... ويتميز أدب النكتة عن بقية أشكال الأدب أن كلماتها بحد ذاتها لا تحمل المعنى او المغزى المقصود، بل أن تلك الكلمات تحفز الذهن، بسرعة البرق، لاستقراء المعنى المقصود من صاحب النكتة، وهكذا يوصل أديب النكتة، المُنَكِّتْ، الرسالة التي يقصدها الى ذهن القارئ أو المستمع، ولظرف هذا الأدب وخفة الإحساس به، فقد اعتاد كثير من الناس حفظ عدد من النكت وسردها شفاهة بين الأهل والأصدقاء في سويعات اللقاءات الاجتماعية، فمعظم النكت يتداولها الناس فيما بينهم شفاهة، وهي تنتقل بين الناس كهبات النسيم في الخمائل... ويتميز كذلك أدب النكتة عن بقية أشكال الأدب أنه بمثابة السهل الممتنع، فهو أدب قليل الكلمات وسهل التركيب وسلس التعبير، ولكن هيهات أن يأتي بمثله عظماء الشعراء و الأدباء والكتاب، فمثلما لسادة الشعر ملكة في أدب الشعر، كذلك لسادة النكتة ملكة في أدب النكتة، هذه مَلَكاتٌ، جُلُّها، فطرية موروثة غير مكتسبة يتميز بها أصحابها، وهم القادرون أن يبدعوا وينتجوا (الآداب) والفنون بأشكالها... والدهاليز الإباحية الساخرة في هذا الأدب لها مساحة تكاد أن تغطي على بقية المساحات كلها، ولهذه الدهاليز حواجزها الجنسية بين الإناث والذكور، وذلك درءاً للإحراج، وهذه المساحة من أدب النكتة تميز هذا الأدب عن بقية أشكال الادب. النكتة تغطي مساحات الحياة كلها، طولاً وعرضاً، دون حواجز ولا موانع ولا حتى محرمات، فحرية التعبير فيها شبه مطلقة، وحتى إن حُرِّمَتْ بعضها بفعل الدين والسياسة إلاّ أن قوتها أمَضُّ من كل سلطة، فلها سلطان على النفس تخترق به كل الحواجز وتوصل نفسها الى مبتغاها. ومن أهم ميزات هذا الأدب أنه عاش دون مساس من ناقد أو جارح، فأشكال الأدب كلها تفنن النقاد في عرض عضلاتهم عليها وفعل الأفاعيل في نصوصها ومعانيها، حتى أن الشعراء والروائيين وبقية الأدباء صاروا يحسبون للنقد والنقاد ألف حساب قبل نشر أعمالهم... ولكن أديب النكتة يلهوا ويمرح بالكلمات والمعاني دون خوف ولا وجل، فلا رقيب ولا حسيب، وحتى المعاني والمفاهيم التي تحملها النكتة تنتشر بين الناس دون وقفة نقدية، وكأن الضحكة الملازمة بالنكتة تعطل الاحساس بضرورة النقد، ومما قد يساعد على هذه العصمة ضد النقد هو أن أكثر النكت لا يعرف لها صاحب، من قالها، من كتبها، لا أحد يدري... فهل هذه ميزات محسوبة لصالح هذا الأدب حتى لا يقع في قبضة التقييم الأدبي والنقد؟ هذا هو حال النكتة في عالم الأدب، ولكن أدب النكتة يحمل في مخزونه جملة من النكت التي تتنافى والقيم الانسانية والاخلاقية، وللأسف فان هذا النمط من أدب النكتة هو الغالب بين الناس وهو المفتاح الذي يخرج انواع الضحك ودرجاته من النفس المتحفزة لاستراحة فكرية ونفسية.
لنستعرض هذه النكتة التي تتعرض لكرامة المرأة وإنسانيتها بكل وضوح وأسفاف:
 «زوج غير راضٍ عن زوجته وغاضب
أرسل مسج إلى عمته أم زوجته
وقال فيه:
المنتج الخاص الذي تم استلامه منكم غير مطابق لمتطلباتي الخاصة»!!
ردت عليه أم الزوجة:
«انتهت صلاحية الضمان، ونحن غير مسؤولين عن المنتج بعد فتحه والعبث بمحتوياته!!!!!!»...
يا للهول... نعم، هذه نكتة يتداولها الناس ويا للهول منها، والناس بها من الضحك سكارى، دون تفكير ولا تمحيص في معانيها... نكتة تهين المرأة، في دائرة العلاقة الزوجية، وتعتبرها مجرد سلعة للمتعة، الزوج هو المشتري، وأم الزوجة هي البائعة، والزوجة هي السلعة... يا روعة الأدب في هذه التجارة... فهل من أدب الأدب وأخلاقياته ورسالته، رسالة الحرية والانسانية، أن تهان المرأة بهذا القدر من الإسفاف والانحطاط ؟... هل حرية الفكر والتعبير تجيز بهذا التعدي على كرامة المرأة ؟...
لقد تعلمنا من أقلام الأدب والفكر التي ترسم مفاهيم الحرية أن الحرية مسئولية، وأن المسؤولية الأُولى والأَولى هي عدم تجاوز حرية الآخرين وعدم تدنيس قدسية كرامتهم، فكيف إذا كانت قضية الحرية في التعبير في أدب النكتة هي تجاوز كرامة الانسان في جنس الأنثى... كيف سوغ لهذا الأدب أن يرسم المرأة في صورة سلعة، وكأن هذا الرسم البذيئ أمر بديهي ؟...
لا شك أن لا أحد ولا حتى أية سلطة بإمكانها تكميم الأفواه وكسر الاقلام لِلَجْم هذا الأدب السفيه، ولكن لماذا يُتْرَكُ هذا الادب ينخر أذهان الناس ويلوث مفاهيم الحرية والانسانية دون نقد... فأين سادة الأدب في دائرة النقد من تجاوزات هذا الأدب، أدب النكتة؟
أعتقد جازماً أنه من واجبنا الانساني والاخلاقي أن نتصدى لهذا الأدب بالنقد، ذاك النقد الذي يفصل كلمات النكتة كلمة كلمة، ويسبر غور معانيها والمفاهيم التي تفوح منها، ووضع تلك المعاني والمفاهيم على مشرحة النقد الذي يستحقه، نقد يتدرج من نقد ناعم الى نقد جارح، صوناً لمكانة الحرية في حياة الانسان... وهذه مسؤولية كل متلقٍ، من سامع وقارئ، لهذا الأدب... الأدب الذي لا يمكن وفقه، ولكن لابد من نقده...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا