النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الشيخ عيسى بن علي حكيم عصره..عُرف بـ«الملك المعظم»

رابط مختصر
العدد 10439 الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 الموافق 18 صفر 1439

تؤكد الكثير من الوثائق المتوافرة أن الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الذي حكم البحرين في الفترة من عام 1869م إلى عام 1932م كان يُخاطب بـ«الملك المعظم»، وكان يتميز بصفات قل أن تجدها مجتمعة في شخص آخر. فهو مثال الشجاعة والشهامة، والعدل، والكرم والعزة، والتواضع، أي أنه كان حكيم عصره. 

وصفه المؤرخ البحريني المعروف الشيخ محمد علي التاجر الذي عاصر عهده بقوله: «استلم زمام الملك بيد الحزم والتدبير، فدانت له القبائل والعربان، ونشر رايات العدل والأمن، وقمع بسيفه أهل البغي والعدوان، وأظل بحلمه وكرمه ونداه القاصي والداني. وكان معروفا بالبذل والكرم، موصوفًا بالحلم وطول الآناة، وصولا لرحمه وقرابته، لا يدخر دونهم شيئا، وكان متواضعا رفيق الحاشية سهل الخلق».

اتخذ والده الشيخ علي مدينة المنامة سكنًا له، فعاش في منزل والده الذي يقع بالقرب من المسجد المقابل لمنزل الشيخ قاسم المهزع. وعندما تولى الحكم، اختار مدينة المحرق سكنًا له، وعاش الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي وجميع إخوته في هذا البيت أثناء حياة والدهم.

شهد عهده بروز النظم الإدارية وبناء المؤسسات على اختلاف أنواعها. فقد اتجه إلى بناء الدولة على أسس حديثة تضمن الأمن والرخاء والعدل لجميع المواطنين. وكانت الظروف مواتية لإصدار النظم الإدارية، والاهتمام بتطوير القضاء، وبناء المؤسسات التعليمية والثقافية. فسنوات حكمه الطويلة جعلته ينفذ ما كان يهدف إليه من تثبيت أركان الدولة وبناء المؤسسات على اختلاف أنواعها.

اهتم في بداية حكمه بالقضاء؛ وذلك من أجل ضمان سير العدالة بين المواطنين، وأمر بتأسيس محكمة لدعاوي الغوص وحساباتها في عام 1894م، وكانت هذه المحكمة ضرورية لفض المنازعات والخلافات، باعتبار البحرين تعتمد بشكل رئيسي في اقتصادها حينذاك على صيد اللؤلؤ، وتم في عام 1928م وضع أنظمة للمحاكم الشرعية.

كانت خطواته في بناء مؤسسات الدولة تسير بخطى سريعة، ففي عام 1917م تم تأسيس المكتب الجمركي لإدارة الجمارك، كما تشكلت في العقد الثاني من القرن العشرين مجالس للزراعة والري. وتم في عام 1919م تأسيس أول بلدية في منطقة الخليج العربي والثالثة على مستوى الوطن العربي، الأمر الذي يؤكد طموح الشيخ عيسى بن علي في بناء الدولة الحديثة.

ونظرا لأهمية دور ووظائف البلدية وكذلك المجلس البلدي الذي تشكل أيضا في نفس عام تأسيس البلدية والذي من مهامه الأمن، والتعليم، والصحة، والمواصلات، والأشغال، فقد عهدت رئاسة البلدية إلى كبار رجالات الأسرة ممن يتصفون بالفطنة والحكمة والدراية وبعد النظر.

فقد عين الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة أول رئيس للبلدية ورئيس المجلس البلدي. وفي عام 1920م تولى رئاسة البلدية الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد وبقي رئيسا لها حتى عام 1929م، حيث طلب تعيين أخيه الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة رئيسا لها وبقي حتى عام 1938م وهو العام الذي كلف فيه الشيخ عبدالله بن عيسى رئاسة البلدية للمرة الثانية، واستمر حتى عام 1956م، وخلفه في رئاستها سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل حين كان وليا للعهد. وبعد أن تولى مقاليد الحكم عهد إلى أخيه صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان رئاسة البلدية، واستمر رئيسا لها حتى عام 1967م.

وفي بادرة هي الأولى من نوعها في المنطقة تم إنشاء أول مكتب بريد في البحرين في العاصمة المنامة عام 1884م. وكان مكتب بريد البحرين يتبع بريد مدينة بومبي (مومبي حاليا) في الهند. وبقي مكتب بريد المنامة المكتب الوحيد في البلاد منذ افتتاحه وحتى عام 1944م حين افتتح مكتب بريد المحرق. شغل الوضع الصحي للمواطنين والمحافظة على سلامتهم من الأمراض فكر الشيخ عيسى بن علي، وعمل جاهدا على توفير الخدمات الصحية مهما كلف ذلك من مال.

فقد تفهم عظمته ما كان يعانيه المواطن من ظروف صحية في غياب أمور الوقاية وعدم وجود المستشفيات، فتم تأسيس محجر صحي في القضيبية في بادئ الأمر، إلا أن هذا المحجر نقل في عام 1889م إلى القلعة في حالة (أبو ماهر) كي لا تنتشر العدوى بين الناس.

بدأ أول مستشفى في البحرين في عهده حيث تم استئجار منزل تحول فيما بعد إلى مستشفى الإرسالية الأمريكية، وكان الشيخ عيسى بن علي يدعم المستشفى ماديا ليقدم خدماته للمواطنين. وفي عام 1902م تبرع عَظَمتُه بقطعة أرض لبناء مستشفى الإرسالية، وتم وضع حجر الأساس في شهر مارس من عام 1902م، وبدأ تشغيله في عام 1903م.

بني في عام 1904م مستشفى فكتوريا من قبل بريطانيا على غرار مستشفى الإرسالية الأمريكية، وكان العلاج فيه مجانا، واستمر هذا المستشفى يقدم خدماته حتى عام 1948م. واهتم الشيخ عيسى بن علي بصحة الغواصين، فقامت الحكومة بإرسال ما يعرف بالمستشفى العائم في سفينة مجهزة بالأطباء والأدوية لمعالجة رجال الغوص في الخليج.

كان اهتمامه بنشر التعليم لا يقل أهمية عن اهتمامه بالصحة، فقد عرفت البحرين في عهده ولأول مرة في تاريخها بداية التعليم النظامي، وكانت البداية تأسيس المدرسة الإرسالية في عام 1899م. وبدأ التعليم النظامي بطابعه الأهلي في البلاد اعتبارا من عام 1919م بتأسيس مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق. وفي عام 1921 افتتحت مدرسة ابتدائية في المنامة. وكان لبنات البحرين نصيبهن في تأسيس المدارس، فقد تم افتتاح أول مدرسة للبنات بالمحرق في عام 1928م، وهكذا أخذت المدارس تنتشر في عهده في مدن البحرين وقراها.

لم تغب الثقافة وتشجيع المؤسسات الثقافية على الانتشار في ربوع البحرين عن باله، بل كانت هاجسه الأول وعمل على تشجيعها، الأمر الذي جعل البحرين في عهده منارة للعلم والأدب والثقافة. ففي عهده تأسس النادي الإسلامي عام 1910م. كما تأسس في عام 1920م النادي الأدبي، وساهم هذا النادي بأنشطة ثقافية متعددة كان أهمها المشاركة في المهرجان الأدبي الذي نظم في القاهرة عام 1927م بمناسبة مبايعة أحمد شوقي أميرا للشعر. وأهدت البحرين ممثلة في النادي الأدبي أحمد شوقي نخلة مصنوعة من الذهب تحمل رطبا من اللؤلؤ تبرع بها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ولي العهد. برزت في عهده طبقة من الشعراء والأدباء الكبار من بينهم الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، والشيخ محمد بن عيسى آل خليفة، ومحمد علي التاجر، وسلمان التاجر، وعبدالله الزايد، وإبراهيم العريض، وكان لهم دورهم الكبير في رفد الساحة الثقافية الخليجية والعربية بنتاجاتهم في الأدب والشعر. وقد عرفوا كأدباء كبار على مستوى الوطن العربي حينذاك.

واستمرارًا لتطور وازدهار الحركة الثقافية في عهده فقد برزت المكتبات التجارية في عهده لأول مرة في تاريخ البحرين. فقد تأسست (مكتبة التاجر) لصاحبها محمد علي التاجر في المنامة في عام 1921م. وفي عام 1922م تأسست المكتبة الكمالية لصاحبها سلمان أحمد كمال في المنامة أيضا. وأسس إبراهيم عبيد مكتبته التجارية التي أطلق عليها (المكتبة الوطنية) في سوق القيصرية بالمحرق عام 1929م.

كان لتلك الانجازات الكبيرة التي تمت في عهده أثرها الكبير على جميع أبناء المجتمع البحريني آنذاك، وأخذوا يخاطبونه بالملك المعظم. وتوثق محاضر جلسات الهيئة الخيرية المشرفة على تأسيس مدرسة الهداية الخليفية في عام 1919م مخاطبته بالملك المعظم. فقد جاء في محضر الجلسة التمهيدية للإدارة الخيرية للتعليم في الخامس من ديسمبر 1919م، الثالث عشر من ربيع الأول عام 1388هـ النص التالي:

«أما بعد فإن مما من الله علينا الاهتمام بتأسيس مدرسة دينية فتوجهت همم حكام البحرين وأعيانها إلى ذلك، وعقدوا جلسة تمهيدية في دار ولي العهد حضرة الشيخ حمد نجل الملك المعظم..».

وجاء في محضر الجلسة الأولى التي انعقدت في صباح يوم الاثنين الثالث عشر من ربيع الثاني عام 1338هـ، أي بعد مضي شهر على عقد الجلسة التمهيدية النص التالي:«الجلسة الأولى تحت رئاسة الشهم الهمام جناب الشيخ عبدالله بداره الرحبة وذلك يوم الاثنين 13 ربيع الثاني 1338ه، وبعد انتظام عقد الجلسة بأعيان البحرين الذين حررت أسماؤهم في دفتر الإعانة دخل مندوب الملك المعظم حاملا بيده مرسومه الكريم لنجله المحترم رئيس اللجنة..». 

بعد أن تمت تلاوة المرسوم شكر الجميع الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حيث ورد النص التالي: «فشكر الحاضرون تعطف الملك المعظم ودعوا له بدوام التأييد». جاء في مضبطة الجلسة الخامسة للإدارة الخيرية للتعليم في 25 ربيع الثاني 1338هـ توثيق حفل وضع حجر الأساس لمدرسة الهداية الخليفية من قبل الملك الشيخ عيسى بن علي وفق نص المضبطة التالي:

«.. وفي الساعة الثالثة وصل جلالة الملك الشيخ عيسى بن علي وفي معيته الملوكية صاحب السمو ولي العهد الشيخ حمد، ونجله الثاني الفاضل صاحب السمو الشيخ محمد، فاستقبله الحضور بما يليق بجلالته من الإجلال». وذكر في جانب من هذه المضبطة النص التالي «.. فتقدم جلالة الملك إلى حيث يوضع الأساس ووضع يده المباركة على الحجر الأساس وأمر بتمكينه الأرض... ثم قصد جلالته السرادق للجلوس وتبعه الجميع».

وكان يطلق على القصور التي أسست في عهد الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، وعهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة بالقصور الملكية. وتوثق اتفاقية بين حكومة البحرين والهيئة الإدارية لسينما البحرين التي تسمى (مرسح البحرين) الموقعة في 23 يناير 1938م تؤكد إطلاق القصر الملكي على قصر الشيخ حمد بالقضيبية، وفق هذا النص الذي يبين حدود الأرض المؤجرة لتأسيس مبنى السينما عليها «يحدها من الشمال الشارع وبعده فناء مدرسة الهداية الخليفية للبنين وحوطة ملك محمد وعلي يتيم وشركاؤهما. ومن الغرب مقبرة السنة. ومن الجنوب أرض خالية. ومن الشرق شارع القصر الملكي». وتشير الوثائق المتعلقة بتاريخ التعليم في البحرين إلى - قصر القضيبية الذي أصبح الآن مبنى الحكومة – بالقصر الملكي، حيث جاء النص في مخطوطة «مديرو المعارف ووزراء التربية والتعليم» للباحث كما يلي: «في عام 1943م أقامت مدارس البنات في القصر الملكي بالقضيبية المعرض السنوي للخياطة والتطريز وهو أول معرض من نوعه..».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا