النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

قطر.. تاريخ من تزوير الحقيقة

رابط مختصر
العدد 10439 الثلاثاء 7 نوفمبر 2017 الموافق 18 صفر 1439

تعيش دول مجلس التعاون والدول العربية وإقليم الشرق الأوسط ككل وضعاً سياسياً وأمنياً معقّداً جداً، تشابكت فيه مصالح الدول الكبرى ودول الجوار الإقليمي؛ حيث تَشكَّل هذا الوضع على امتداد مراحل تاريخية طويلة، كان لكل مرحلة مخاطرها وتحدياتها التي شكَّلت واقعاً مريراً هزَّ كيان المنطقة بالأزمات السياسية المتلاحقة، ويمكن اختصار أبرز تلك المراحل في:

• نجاح الثورة الخمينية عام (1979م) واعتمادها لمبدأ تصدير الثورة ونشر المذهب الشيعي عبر الوطن العربي بتأجيج الطائفية الدينية بين الشعوب واستخدام أذرعها المنتشرة في دول مجلس التعاون والعراق واليمن وسوريا وغزة ومصر ولبنان، ما ساعد على بروز الإرهاب بكافة صوره وأشكاله وتنظيماته، والذي تسبَّب في خَلق حالة من الرعب والتوتر في كافة دول العالم.

• الحرب العراقية الإيرانية عام (1981م) التي أطاحت بالمخططات الأمريكية وأجبرتها على إعادة النظر في حساباتها السياسية والاستراتيجية والأمنية مع دول المنطقة بشكل عام.

• قيام النظام الأيديولوجي البعثي العراقي -الذي لم يتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج من خلال خلاياه المنتشرة- بغزو دولة الكويت عام (1990م) الذي تسبَّب بتتالي الكوارث الأمنية والسياسية على دول المنطقة.

• اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية من هجمات (سبتمبر 2001م) ذريعة لإحكام سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط؛ بتنفيذ خطة (الفوضى الخلاَّقة) لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد)، واستبدال (الأنظمة العربية القائمة) باعتبارها سبباً مباشراً لأعمال العنف والإرهاب والتطرف الذي يهدّد الأمن القومي الأمريكي والعالم (بأنظمة تعددية ديموقراطية)، واستغلال شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير كمدخل مشرَّع الأبواب للتدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية وإحداث التغيير المطلوب.

• الغزو الأمريكي على العراق عام (2003م) الذي استمر حتى (ديسمبر 2011م)، وتمّ خلال تلك السنوات تقديم العراق (على طبق من ذهب لإيران) كما قال المغفور له الأمير سعود الفيصل، لتقيم إيران أول دولة عربية شيعية، وتعيث في المنطقة فساداً انطلاقاً من الأراضي العراقية، وتنشئ الشبكات الإرهابية في دول الخليج ولبنان واليمن وأفغانستان وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتؤسس معسكرات متطورة لتدريب الإرهابيين وإطلاقهم لتنفيذ العمليات الإرهابية في المنطقة لتحقيق أهدافها وأطماعها التوسعية.

• أحداث ما يسمى بـ(الربيع العربي) الذي انطلقت شرارته من تونس في نهايات عام (2010م) ولم تخمد نيران تبعاته حتى الآن.

• القطري للإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، والدور الفاعل لذلك الدعم في تهديد أمن واستقرار دول المجلس وزعزعة أنظمة الحكم الخليجية المستقرة منذ مئات السنين، ما أدى إلى تفجّر أزمة تاريخية بين دولة قطر وشقيقاتها أوجدت حالة رهيبة من فقدان الثقة في النظام القطري الحالي.

إن تفجّر الأزمة الخليجية يوم (5 يونيو 2017م) بإعلان المملكة العربية والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية ودول أخرى قطع علاقاتها مع دولة قطر، توَّجت جميع مراحل التعقيد السياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة منذ نجاح الثورة الخمينية عام (1979م).

فتداعيات الأزمة أصابت الكيان العربي الوحدوي الوحيد بخطر التفكك والانهيار، وهذا عين ما أشار إليه صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت في خطابه السامي لمجلس الأمة الكويتي بتاريخ (24 أكتوبر 2017م)، حيث أوضح سموّه أن (... الأزمة الخليجية تحمل في جنباتها احتمالات التطور، وعلينا جميعاً أن نكون على وعي كامل بمخاطر التصعيد بما يمثله من دعوة صريحة لتدخلات وصراعات إقليمية ودولية لها نتائج بالغة الضرر والدمار على أمن دول الخليج وشعوبها ... وإن تصدّع وانهيار مجلس التعاون هو تصدع وانهيار لآخر معاقل العمل العربي المشترك ...).

إن الدعوات المتكررة التي يطلقها حكيم العرب للتهدئة وتجاوز الأزمة لحماية البيت الخليجي من التصدّع والانهيار، تقابلها دولة قطر بمزيد من التشنج وصبّ الزيت على النار، وإطلاق أعمدة الحكم القطري للتصريحات التي لا تمتّ للحقيقة بصلة.

فما تضمَّنته مقابلة سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني في برنامج (60 دقيقة) على قناة (CBS) بتاريخ (29 أكتوبر 2017م) من إشارات، تؤكد التعنّت والمكابرة في الاعتراف بالأضرار البالغة التي ألحقتها السياسات القطرية العبثية بالدول الأربع والمنطقة عموماً، في محاولة لإيهام العالم ببراءة ساحتها وبأن الهدف الأساس للدول المقاطعة هو (إسقاط النظام القطري)! وسبقه في ذلك الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السابق الذي أسهب (بصراحة ودون قيود رسمية) -كما ادّعى- في شرح مساعي قطر (الخيّرة) ومواقفها (الحيادية والموضوعية) تجاه العديد من الملفات كالملف الإيراني والفلسطيني والسوري والمصري والليبي والعلاقات القطرية البحرينية والقطرية السعودية إلى جانب الأزمة الخليجية، وذلك في مقابلته في برنامج (الحقيقة) على تلفزيون قطر يوم (25 أكتوبر 2017م).

حقيقةً، أقف بذهول تام أمام ما ذكره الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني خلال تلك المقابلة، لسببٍ بسيط، وهو أنه بحكم عملي بوزارة الخارجية منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد شاركتُ في جميع الاجتماعات التحضيرية لدراسة وإعداد النظام الأساسي لمجلس التعاون، وكنتُ مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن عدد كبير من الملفات الحسّاسة جداً، وعاصرتُ أصعب فترات تاريخ المنطقة وكنتُ في قلب أحداثها وشاهداً على تفاصيل تطوراتها، لذلك فهناك ردود تكشف (حقائق) الكثير مما أدلى به وزير خارجية دولة قطر السابق في البرنامج المذكور.

فعندما يقول إن (حكومة مملكة البحرين أعطته صلاحية التدخل بينها والمعارضة)، فالحقيقة التي شهدتها أمامي هي أنه خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون في (مارس 2011م) تلقَّى الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني اتصالاً هاتفياً، قال للمجتمعين بأن: (الاتصال من علي سلمان رئيس جمعية الوفاق وطلب منه التوسّط لحلّ الأزمة البحرينية، وأبدى الشيخ حمد استعداده لذلك حال موافقة الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية مملكة البحرين)، غير أن الشيخ خالد طلب منه بوضوح وحزم وأمام جميع الحضور عدم التدخل في هذا الأمر كونه شأناً بحرينياً خالصاً، وهذا الحدث مدوَّن بتفاصيله في محضر الاجتماع، كما أن ما يُثبت عدم صحة ما ذكره الوزير السابق هو الإنفاق القطري غير المحدود على البرامج الإخبارية الملفقة والأفلام الكاذبة حول أحداث البحرين والمحرضة على الفتنة والانشقاق في المجتمع البحريني كبرنامج (الفقر في البحرين)، وفيلم (صراخ في الظلام)، وتخصيص قنوات الجزيرة المدعومة من قبل الحكومة القطرية لبثها مراراً وتكراراً بهدف كسب المزيد من الدعم للمعارضة البحرينية وعلى الأخص دعم الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان!

وعندما يقول الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بأن (الجسر المزمع إنشاؤه بين البحرين وقطر كان سوف يتمّ بتمويل قطري كامل)، فهذا أمر مشكوك في صحته؛ فقد كان من المخطط أن تشترك الحكومتان في تمويل مشروع إنشاء الجسر بالمناصفة، وأن تقدم قطر قرضاً حسناً للبحرين مستحق الدفع بموجب الاتفاق الذي سيحدد لاحقاً لكيفية سداده.

ليبقَ السؤال الذي لم يجرؤ مقدِّم البرنامج لطرحه على الوزير السابق وهو: سبب عدم قيام دولة قطر بدفع حصتها من مشروع المارشال الخليجي إلى مملكة البحرين، رغم أنها من اقترحته خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الطارئ الذي عقد في (مارس 2011م) لدعم كلّ من البحرين وسلطنة عُمان لمساعدتهما في تنفيذ المشاريع التنموية والبنى التحتية وتجنب تعرّضهما لشرارة الربيع العربي آنذاك، ورغم المباركة الخليجية للاقتراح وتنفيذه من قبل جميع دول المجلس عدا قطر! إذن، نحن أمام حملة قطرية شرسة هدفها تظليل الرأي العام العربي والعالمي وقَلب الحقائق وتشويهها وتسجيل معلومات غير صحيحة في صفحات تاريخ المنطقة، وهذا ليس بالأمر الغريب على قطر وهي التي صرفت الأموال الطائلة لتزوير (81) وثيقة تاريخية حول أحقيتها في جزر حوار ومنطقة الزبارة عندما رفعت دعوى منفردة ضد البحرين أمام محكمة العدل الدولية في (يوليو 1991م)، إلا أن فحص تلك الوثائق ومعاينة نوعية الورق والحبر والخطوط والأختام المستخدمة فيها أثبت بأنها وثائق مزوَّرة، ما شكَّل فضيحة مدوية على مستوى العالم وبالغة الإحراج للحكومة القطرية اضطرتها لسحب تلك الوثائق من المحكمة واعتبارها كأن لم تكن.

على قطر أن تُدرك أنها السبب في استمرار الأزمة وتعقيدها، وذلك بوقوفها المتكرر أمام نجاح جهود صاحب السمو أمير دولة الكويت المتواصلة وعدم تجاوبها مع مساعيه الرامية لرأب الصدع الخليجي، وادعاءاتها الباطلة بالتعدّي على سيادتها الوطنية، وسياساتها العبثية وقراراتها غير المدروسة بالسماح لعناصر حزب الله اللبناني الإرهابي بدخول قطر دون تأشيرات، وإصرارها على توفير الحماية والدعم والتسهيلات اللازمة لتنظيم الإخوان المسلمين الهادف لإسقاط النظام الحاكم في مصر والإمارات، واستمرارها بتوجيه قناة الجزيرة لبثّ سمومها ومواصلة دورها التخريبي ودعواتها التحريضية من خلال برامجها وأفلامها وأخبارها الكاذبة والملفَّقة، وعدم وفائها بالتعهدات والالتزامات المتَّفق عليها خليجياً.

فالعبث القطري غير المسؤول يؤكد عدم الاكتراث لما ستؤول إليه المنطقة العربية نتيجة لذلك، وهو ما يضع منطقة الخليج في خطر محدق يشقّ الصف الخليجي ويدخله في معارك ضارية تدمّر كل إنجازاته وتزعزع استقراره الداخلي، خصوصاً وأن هذا الخلاف الحادّ يقدِّم لإيران فرصة ذهبية لتصبح قلب القرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة. وفي ظل هذه الظروف المؤسفة تمرُّ الأزمة الخليجية بتطورات جديدة من خلال تأكيد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ (30 أكتوبر 2017م) على (ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر حزماً تجاه قطر التي أثبتت عدم احترامها للمواثيق والمعاهدات والروابط التي قام عليها مجلس التعاون بممارستها لسياسات استهدفت أمن دول المجلس ... وطالما استمرت قطر على هذا النهج فإنه يتعذَّر على مملكة البحرين حضور أي قمة أو اجتماع خليجي تحضره قطر ما لم تصحّح من نهجها وتعود إلى رشدها وتستجيب لمطالب الدول التي عانت منها الكثير)، وهذا مؤشر واضح على تطورات خطيرة تلوح في الأفق القريب.

المحلل السياسي

 للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا