النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

مجبرٌ أخاك لا بطل

رابط مختصر
العدد 10436 السبت 4 نوفمبر 2017 الموافق 15 صفر 1439

في كل مرة أزور فيها موطني الأصلي، لبنان، أشعر بالأسى لمَ آل إليه حال هذا البلد الذي كان في فترة من الفترات «سويسرا الشرق»، حيث الرقي والجمال، المال والأعمال، العلم والتعليم، الدين والأدب والفلسفة، الحضارة والتاريخ والمستقبل.
بدأت حياتي المهنية في بيروت في ستينيات القرن الماضي، في شارع الحمرا وتحديدًا في بناية (البافليون)، كانت مكاتب (البافليون) خلية من النحل، لبنانيون يظهرون نجاحًا مبهرًا في مختلف الأنشطة التجارية وسط بيئة تنافسية شديدة، والكل يبحث عن النجاح دون اكتراث بأية أمور أخرى سياسية أو دينية أو طائفية...
الأعمال تزدهر في كل لبنان حينها، والناس يقصدون هذا البلد الصغير في جغرافيته الكبير في تاريخه من كل أصقاع الدنيا، ويحسدوننا على نمط حياتنا، وعلى انفتاحنا على العالم وتمسكنا في نفس الوقت بتقاليدنا الأصيلة.
لكن (هي الأمور كما شاهدتها دولٌ.. من سره زمنٌ ساءته أزمانُ) كما يقول الشاعر، فمع منتصف السبعينات بدأت الأمور تتغير مع هبوب سموم بوادر الحرب الأهلية، حتى وصلت الأمور إلى أنني أجريت حينها نقاشًا مع صديق يدعى د. أنطوان حول تردي الأوضاع في لبنان، وقلت له إن العقلاء من جميع الأطراف يجب أن يصغوا إلى صوت العقل والحكمة وتغليب مصلحة البلد، لكنه أجاب «أكرم، لو رأيتك على حاجز ووجدت أن هويتك تحمل وصفًا دينيًا لك غير الذي أرغب برؤيته، فسأقتلك بمسدسي فورًا».
نظرت في عينيه غير مصدقٍ أذني، لكني أدركت أنه جاد في كلامه إلى أبعد الحدود، وأدركت منذ تلك اللحظة مدى خطورة بقائي وعائلتي في لبنان، كما أدركت أن لبنان قد ضاع، وربما إلى الأبد. وأجد اليوم بعد مرور أكثر أربعين عامًا على هذه الحادثة أنني كنت محقًا.
في آخر زيارة لي للبنان قبل أيام وجدت بيروت كئيبة حزينة قلقة، ترزح تحت وطأة ضعف الخدمات العامة من ماء وكهرباء وغيرها، وتملأ القمامة كثيراً من شوارعها، فيما بنيتها التحتية تتهالك دون مشاريع تجديد تذكر، والناس هناك وصلوا إلى درجة كبيرة من اليأس والإحباط من إمكانية تحسن الأوضاع.
لتشعر بالسعادة لا يكفي أن تملك مالاً وأن تكون قادرًا على الإنفاق، وإنما يجب أن ترى السعادة في وجوه الناس حولك، وهذا ما لم أرَه في بيروت، وإنما رأيت أناسًا تكافح من أجل البقاء، تبحث عن لقمة العيش.
اللبنانيون العاديون تعايشوا مع الأمر الواقع، ورضخوا له، هم يريدون فقط ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم بعد كل ما عانوه من حروب ونزاعات وعنف وإكراه، لمست فيهم الخشية من كل شيء، من السلطات، ومن أصحاب النفوذ وحتى من أشخاص آخرين مثلهم، لكنهم عندما فتحوا لي قلوبهم شعرت أن في داخلهم براكين ثورة تكاد تنفجر جارفة معها كل شيء.
شعرت أن الهدف الأسمى لمعظم اللبنانيين لم يعد بناء المجد العلمي والمهني والمادي والاجتماعي، وإنما أصبحت أعظم انتصاراتهم هي الوصول بأسرهم إلى بر النجاة في بحر النفاق والشقاق وقلة فرص العمل وارتفاع قيمة كل شيء ما عدا الإنسان.
هل هؤلاء اللبنانيون بالفعل هم أحفاد جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي؟ أين عائلات الأدب والفن؟ أين أعلام الفلسفة؟ هل بات رحم لبنان عاقرًا غير قادر على ولادة الخلاقين المبدعين؟ هل بات الحديث عن الفكر والأدب والفن رفاهية وسط أناس مكسوري الخاطر جُلَّ همهم واهتماهم تأمين لقمة عيش كريمة؟
إن بقاء هذه التركيبة الطائفية المقيتة في لبنان واستمرار المحاصصة في النظام السياسي، والأحزاب ذات اللون الواحد، وحركات شباط وآذار، والمناطق التي لا تشبه بعضها أبدًا داخل المدينة الواحدة، كل ذلك يجعل من محاولات الخروج من عنق الزجاجة عقيمة، فلا قانون انتخابي جديد ولا غيره يمكن أن يضمن الخلاص من حالة التأزيم في هذا البلد.
المفارقة أن لبنان الذي يتمتع بالكثير من الحريات يعاني من انعدام الديمقراطية نتيجة تركيبة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، والتي أفضت إلى تمترس السياسيين خلف كراسيهم، وتدويرهم على المناصب في عملية أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية، كما أنهم هؤلاء السياسيين يعرفون تمامًا أن رأينا فيهم عديم القيمة وغير مؤثر ولن يؤدي إلى أية نتيجة ملموسة.
في كل مرة أفكر في لبنان أحمد الله تعالى ألف مرة على أن أحداث البحرين في العام 2011 مرت بسلام، فالحالة البحرينية مشابهة كثيرًا للحالة اللبنانية لناحية وجود بلد صغير متعدد الطوائف في محيط إقليمي مضطرب، وأنا أدرك في قرارة ذاتي أن البحرينيين جميعًا باتوا يدركون جيدًا معنى ما أقول.
المشكلة هي أن من يفترض بهم إنقاذ لبنان من السياسيين لا مصلحة لهم في ذلك، لأن بقاء الوضع على ما هو عليه يضمن لهم زعاماتهم واستمرارية مواردهم المالية التي يأتي معظمها من خارج لبنان.
هذه المشكلة ناتجة عن مشكلة أكبر، وهي موقع لبنان نفسه ضمن محيط إقليمي تسود دوله الكبرى صراعات عسكرية وإيديولوجية عنيفة، ولم تكن إسرائيل ولن تكون في يوم الأيام بعيدة عن مجريات الساحة اللبنانية، بل كانت على الدوام اللاعب الأكثر تأثيرًا على لبنان بشكل غير مباشر أو مباشر كما شاهدنا في حرب 1982 و2000 وغيرها، جنبًا إلى جنب مع أطماع إيرانية توسعية ترى لبنان «جمهورية إسلامية تابعة للولي الفقيه»، مقابل محاولات بذلتها على الدوام المملكة العربية السعودية للحفاظ على لبنان بلد عربي مستقل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا