النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

سنغافورة.. ادرسوا التجربة!

رابط مختصر
العدد 10432 الثلاثاء 31 أكتوبر 2017 الموافق 11 صفر 1439

لابأس من الحديث هذه المرة عن سنغافورة.. ففيها مايغري حقاً بالحديث عنها.. فمنها يمكن ان نستخلص دروسًا وعبرًا ونأخذ عنها ما ينفعنا كتجربة، وكدولة!
هذه الجزيرة الواقعة في أطراف جنوب شرق آسيا، هي من حيث المساحة أصغر من البحرين بقليل اذ لا تتعدى 720 كيلو متراً مربعاً، ويسكنها نحو 5 ملايين و300 الف نسمة، وهي التي أوصلت حليمة يعقوب، امرأة مسلمة من أقلية الملايو الى سدة الرئاسة تكريساً لهدف تعزيز الشعور بالتعدد الثقافي والعرقي.
أمور كثيرة تلفت الانتباه في سنغافورة، منها انها تتحرك برؤية، وهدف تمضي اليه بعزم وحسم حتى تحققه وفق جدول زمني لا تهاون فيه، ومن لا يستطيع من المسؤولين المعنيين ان يقوم بدوره كما يجب لتحقيق هذا الهدف، عليه ان يتوكل ويرحل طوعاً او قسراً، اما القانون هناك فهو قانون، بمعنى انه يطبق على الجميع دون استثناءات، لا حصانة لأحد ضد القانون، الكبير والصغير، السياسي والوزير والنائب والوجيه والفقير على حد سواء امام القانون، لا مراوغات، ولاواسطات، ولا هذا ولدنا، او هذا من جماعتنا، ولا اي شيء من هذا القبيل، هناك لا تهاون على من يلقي بعقب سيجارة في الشارع، ولا تجاه من يركن سيارته في موقف خاطئ او مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، او يرتكب مخالفة او تجاوزاً، او يستغل وظيفته بأي شكل من أشكال الاستغلال والتربح، وهناك لايعيّن احد في اي موقع من مواقع العمل والمسؤولية لأنه ابن او قريب مسؤول او وزير او من حاشية فلان، او علان، او من هذه الجمعية، او ذاك التيار، بل بحسب معايير أساسها الكفاءة والمقدرة على تحمل أعباء المسؤولية،
المهم، بل بالغ الأهمية، انهم في سنغافورة لا يتحدثون عن الوحدة الوطنية، اوالثوابت الوطنية، اوالمواطنة، ولا احد يحذر من مغبة دفع البلد الى منزلقات تفرق المجتمع وتشتته وتدق اسفين الفتنة بين ابنائه لأنهم وحدّوا الدولة منذ تأسيسها نحو هدف واحد لم يفرطوا او يتساهلوا فيه، واعتبروه أولى الخطوات في سلم التقدم والنهضة، وهو زرع معاني الوحدة الوطنية وإلغاء الفوارق بين الأعراق والأجناس والديانات، واختاروا دوماً الأفضل لتولى المسؤوليات والمهام مهما كانت انتماءاته او اصله او دينه، كما انهم تعالوا عن المصالح الحزبية او الفئوية وتخلوا عن ثقافة التعصب، ولأنهم أيضاً لم يسمحوا للانتهازيين والوصوليين والمنافقين ان يلبسوا لبوس الدين، او يتاجروا بالوطنية، يغالطوا، او يفتىوا، او يؤولوا مالايؤول، او لو عنق الثوابت، او يتعاملوا مع الدين بمنطق تاجر التجزئة، كلٌ له الحرية فيما يعتنق او يعتقد دون تكدير او تهديد، او تخوين، او رفع سيف على رقبته، ممنوع هناك، ممنوع حقاً ان يرفع سلاح الأمر والنهي باسم الدين، او الطائفة او العرق اوالمذهب، ليس القانون وحده يمنع ذلك، بل لان المواطنين هناك يمنعون ذلك، ولا يعطون الفرصة لأي كان ان يفتك بهم باسم الدين، حياتهم هناك تترجم على ارض الواقع التعايش بين الأديان، وبين مكونات المجتمع، بلد يعيش فيه المسلمون والمسيحيون والهندوس والبوذيون والملحدين وغيرهم.. وكلهم يستظلون بالمواطنة، لم يسمحوا ان يعبث بهم عابث، كما لم يسمحوا ان يقصي او يلغي او ينبذ او يشوه اي طرف الآخر.. لذلك الوحدة الوطنية من البديهيات التي تتجلى في شتى المظاهر والتصرفات والممارسات دون مزايدة من اي كان وبالتالي لاحاجة هناك للتأكيد عليها في اي مناسبة.
سنغافورة، دولة صارمة مع الفاسدين، تتعقبهم، ولا تتهاون مع من يكرس روح التواطؤ فى الإفساد ويتعاون على خرق القانون بكل الأشكال والحيل، لايترددون في الكشف عن اي قضية فساد، انهم ينطلقون من قناعة بانه من الأفضل ان يواجهوا الاحراج مؤقتاً كي يحفظوا النظام العام على المدى الطويل عوضاً عن الإدعاء بان شيئاً لم يحدث وان كل شيء على خير مايرام، ثم ينتشر الفساد كالوباء، خلقوا منظومة قيمية في المدارس واجهزة الدولة، تحض على تجنب الفساد وتشجع على تفعيل دور كل مواطن في محاربته، هناك لايتحدثون عن فساد من دون فاسدين، يَرَوْن ذلك بانه شكل من أشكال استصغار او احتقار عقول السنغافوريين، وكمثال، حاكموا وزيرا بتهمة الرشوة في قضية سلاح مع فرنسا، طبقوا مبدأ «من أين لك هذا» على كل شخصية عامة تحوم حولها شبهات، فساد، او رشوة، او تربح من المنصب، أنشأوا وكالة وطنية رسمية مخولة بمتابعة كل مظاهر الفساد، مقرها في مجلس الوزراء، تمتلك كامل الصلاحيات للقيام بواجباتها، في متابعة ورصد مظاهر الفساد حتى في القطاع الخاص، وكالة مدعومة بتشريعات قانونية ضد الفساد، وتنظيمات ادارية ضد الفساد عبر تسهيل الإجراءات الإدارية، وسد الثغرات التي تؤدي الى التعسف او استغلال المنصب، وصرامة في تنظيف الحكومة من العناصر الفاسدة، مهما كان نوع ومستوى الفساد، ومخططات وقائية ضد الرشوة والفساد، ذلك وغيره فرض الانضباطية في كل مناحي الحياة، علاوة الى تعزيز الثقة في مناخ أعمالها، وبيئة الاستثمار فيها، وباتت نموذجا في جذب الاستثمارات، وثقة المستثمرين، بعد ان باتت سنغافورة بحسب منظمة الشفافية الدولية وصندوق النقد الدولي من الدول الأقل فساداً في العالم.
في كتابه «من العالم الثالث الى العالم الأول» يشرح لي كوان يوو، المؤسس وزعيم نهضة سنغافورة، واحد الشخصيات المحورية في تاريخها الحديث والذي تولى المسؤولية طيلة 8 ولايات وغادر الحكم طوعاً حتى يفسح المجال لجيل من الشباب وليس لجيل من المتخشبين والمتهالكين، كيف حوّل سنغافورة من دولة خالية من اي موارد الى دولة مزدهرة ناجحة تحظى باحترام الجميع ونموذجاً يحتذى، وحقق لسكانها اعلى مستويات الدخل وأجود الخدمات، وتبنى خططا تنموية واقتصادية مدروسة دون ضجيج اعلامي او شعارات فضفاضة، او تشكيل مجالس او لجان ولجان منبثقة وما الى ذلك، كما يشرح كيفية إقامة دولة صغيرة شكك البعض في قدرتها على البقاء الى دولة تفوز وتتفوق وتعوض بالذكاء والانضباطية والابداع والتغيير عن غياب الموارد، ولعل مايثير الدارسون في تجربة هذا الرجل الى انه لم يحرث في البحر، اذ انتهج نهجاً وطنياً متجنباً السياسات الشعبوية وتناقضاتها لصالح التدابير الاجتماعية والاقتصادية المستحقة، واعتنائه بالجدارة والتعددية السياسية، والاعتماد على أهل الكفاءة والاختصاص، والتخطيط الجيد، والارادة القوية، والتسامح الديني، وجودة التعليم، وللعلم سنغافورة حققت المركز الأول في جودة التعليم على مستوى العالم في تقرير التنافسية عن عام 2015، مما أدى الى نتائج مبهرة، وان كان قد المؤسس لى كوان يوو قد اتخذ تدابير سلطوية في فترة تأسيس الدولة واعتبرها ضرورية للاستقرار السياسي، الا انه لم يتعامل مع شعبه وكأنه يعاني من قصور عقلي مزمن، كما انه وقف مع سيادة القانون وبناء مجتمع العدالة الاجتماعية، وهو امر أساسي لتحقيق اي تقدم اقتصادي واجتماعي.
هناك الكثير مما يمكن ان يقال عن سنغافورة، وما هو جدير بالنظر والبحث والدراسة في وصفات نجاحها وتفوقها، والأدلة اكثر من ان تحصى، ياترى، هل يمكن دراسة التجربة السنغافورية، وكيف لهذا البلد ذي الإمكانيات المحدودة ان يحقق ما حققه من إنجازات هائلة، ياترى هل يمكن ان نستفيد من هذه التجربة، ولو في الحد الأدنى وبأي شكل من الأشكال؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا