x
x
  
العدد 10453 الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 الموافق 3 ربيع الأول 1439
Al Ayam

مقالات - قضايا

العدد 10421 الجمعة 20 أكتوبر 2017 الموافق 30 محرم 1439
 
 

حلم البشر في الحياة السعيدة على الأرض راود عقول كثيرة منذ القدم. كانت هذه العقول ترى أن العالم يحتاج الى تغيير الى نظام جديد يعيد اليه التوازن المفقود. المصلحون والفلاسفة كانوا الأكثر اهتمامًا بالحياة السعيدة للبشر؛ فانشغلت عقولهم عبر القرون بأحوال هذا العالم الذي يفتقر الى العدالة والمساواة والتآخي. انه عالم غريب جائر، غير منصف، ولا يشعر الانسان فيه بالطمأنينة والسلام. رفض الفلاسفة والمصلحون هذا العالم كما هو كائن، ووضعوا بدله صيغة أخرى لما يجب أن يكون. 

كان أفلاطون «347-427 قبل الميلاد» أشهر فلاسفة الاغريق هو أول من صاغ هذا العالم البديل في مدينته الفاضلة، التي يتعاون فيها البشر؛ وشبه فيها الناس كالخلية في الجسد؛ لا تستطيع الخلية أن تنفصل عن الجسد، ولا يستغني الجسد عن الخلية، لأنه يتكون من مجموعة من الخلايا. 

صورافلاطون مدينته الفاضلة في كتابه الشهير «الجمهورية» الذي افترض فيه أن من يحكم هذه المدينة المثالية الفاضلة هم الفلاسفة، بصفتهم أعقل العقلاء، وأكثر الناس معرفة وحكمة، ومعيارية، وأقومهم خلقا. وإذا صلح الحاكم صلحت الرعية. تلاه الفيلسوف الإسلامي أبو نصر الفارابي «874- 950م» الذي حدد ملامح مدينته الفاضلة في كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة»، مستلهما تصور أفلاطون في الجمهورية. صاغ الفارابي هيئة البلاد الفاضلة السعيدة، ووضع صفات عليا مثالية للحاكم الذي رَآه «انساني على أكمل وجه» وهو: «محب للصدق وأهله، كبير النفس، محب للكرامة، وأن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده، ومحب للعدل وأهله». 

لم تتحقق فكرة المدينة الفاضلة والبلاد السعيدة التي راودت أفلاطون قبل الميلاد، والفارابي بعد الميلاد، لكن جذوة هذا الحلم الإنساني لم تخمد. في العام 1515 للميلاد، كتب المفكر الإنكليزي الإنساني النزعة والشجاع توماس مور كتاب «يوتوبيا»، ليحيي حلم البلاد السعيدة. 

في هذاالكتاب يصيغ توماس مور ملامح البلاد السعيدة التي تتغلب فيها القيم الروحية على النزعة المادية التي رآها سائدة في إنجلترا في ذلك الوقت؛ لذا اعتبر هذا الكتاب نقدا للمجتمع الإنكليزي في زمنه. 

وهناك العشرات من الفلاسفة والمفكرين – غير هؤلاء- الذين وضعوا تصوراتهم للبلاد السعيدة والمدن الفاضلة، لكن تلك التصورات والأماني ظلت في الكتب، كما كانت في عقول أصحابها؛ ذلك لأنها كانت مغرقة في الخيال، والمثالية، وغير واقعية، وأحيانا مشوهة. وبين زمن توماس مور وعصرنا الحديث حدثت تطورات هائلة في العالم بخاصة في الغرب؛ خلال هذه الفترة حدثت الثورة الصناعية بدءًا بإنجلترا، ونهضت العلوم التجريبية، والفكر المعرفي. وما كاد قرن العقلانية والتنوير ينتهي في الغرب «القرن الثامن عشر» حتى قامت الثورة الفرنسية «1789» التي كرست حقوق الانسان وقادت الى تكريس النهج الديمقراطي في الحكم، تبع ذلك ازدهار اقتصادي في الغرب لم يشهد العالم مثله، وبدا كما لو أن البشرية تنهض فيها روح جديدة، وقيم خلاقة، وتوجه شعبي واسع، لإقامة مجتمع العدل والمساواة، وقطف ثمار الازدهار والرفاهية ليس فقط للطبقة الرأسمالية، لكن أيضا للطبقة الواسعة من الشعب؛ هنا نبتت بهدوء فكرة المدينة الفاضلة والبلاد السعيدة، مرة أخرى، لكن بحلة جديدة وبصيغة واقعية، وبمقاييس ممكنة؛ ولعلها تدرجت ونمت مع تدرج ونمو حكم الشعب؛ الديمقراطية. في العام 2012 ظهرت الى الوجود مبادرة الأمم المتحدة للبلاد الأكثر سعادة في العالم؛ لتحفيز الدول على توفير رعاية أفضل لمواطنيها. 

وأعتقد أن ذلك كان تتويجا لحلم قديم سعى اليه البشر منذ قرون. وشكلت الأمم المتحدة هيئة تشرف على هذه المبادرة مكونة من أخصائيين في الاقتصاد وعلم النفس والاحصاء والصحة، ووضعت هذه الهيئة مقاييس تتشكل عليها سعادة الانسان، وبناء على هذه المقاييس تختار الهيئة كل عام أسعد بلد في العالم، والبلدان العشرة الأكثر سعادة في العالم. المقاييس التي وضعتها الهيئة تعتمد على ستة عوامل: نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، ومتوسط العمر، والحريّة، وسخاء الدولة مع مواطنيها، والدعم الاجتماعي، وغياب الفساد في الحكومات. كان من المتوقع أن تنحصر نتائج المبادرة بين الدول الغربية في الأغلب، وبخاصة على المراكز العشر الأولى، لكن لماذا الدول الغربية، وبخاصة دول الغرب الشمالي «الاسكندنافية»، لأن هذه الدول تتمتع بازدهار اقتصادي، واستقرار سياسي، ونهج ديمقراطي رفيع المستوى، وعدالة اجتماعية واقتصادية، تغطي كل احتياجات المواطنين؛ من رواتب عالية، وخدمات صحية وتعليمية راقية، وتوفير السكن، وعلاوات للأولاد، وغيرها من الخدمات الكثيرة. 

المبادرة شملت 155 دولة من جميع القارات. في هذا العام 2017 فازت النرويج بالمركز الأول فهي البلاد السعيدة لهذا العام، بعد أن أزاحت الدنمارك التي تربعت على عرش السعادة ثلاث سنوات متتالية. الدول العشر الأولى في هذه المبادرة للعام الحالي هي كالتالي: النرويج، ايسلندا، سويسرا، فنلندا،هولندا، كندا، نيوزيلندا، أستراليا، السويد. والملاحظ في هذه الدول المذكورة أنها تتمتع برفاه اقتصادي، واستقرار سياسي. والجدير ذكره هنا أن الدول الخليجية جاءت في مقدمة الدول العربية في مقاييس السعادة، فهي الأفضل عربيا، لما وفرته مداخيل النفط من ازدهار اقتصادي، وارتفاع في مستوى دخل الفرد، وخدمات صحية متقدمة، وبرامج تعليمية متطورة، مع استقرار سياسي. 

وجاءت الإمارات، التي قفزت قفزات نوعية في كل المجالات في العقود الثلاثة الأخيرة في المركز الأول عربيا. وقد عينت الإمارات مؤخرا وزيرا للسعادة أسوة بدول أخرى. ولوحظ في هذا الاستبيان أن الناس في البلدان السعيدة الفائزة يتمتعون بأعمار طويلة، فيما تقصر أعمار البشر في الدول التعيسة، ومعظمها من العالم الثالث.


زائر
عدد الأحرف المتبقية
   =   

تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة
  إقرأ في عدد اليوم
  الأيام "واتساب"

المواضيع الأكثر قراءة

هل تؤيّد ما ذهبت له دراسة حديثة بأن انتاجية الموظّف البحريني 42 دقيقة فقط في «اليوم الواحد»؟