النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

آفة استخدام العقل..!!

رابط مختصر
العدد 10404 الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 الموافق 13 محرم 1439

 قفز الى الواجهة في السنوات القليلة الماضية أنواع من المشايخ والمتحذرين من فئة المشايخ من دعاة وغيرهم ممن يحملون أوصاف وأسماء كثيرة، أهمها صفة رجال الدين، والفتوى في المدة الأخيرة كما قال الدكتور محمد عابد الجابري «أصبحت بضاعة رخيصة يصدرها من لا تتوافر فيهم شروطها»، المشكلة أن هؤلاء يعدون في نظر البعض بأنهم أهل يقين وثقة وفقه وعلم ومنطق وثبات، وأن الناس منهم تستفيد وتستزيد، هؤلاء يفاجئوننا بما لم يخطر على بال، فهم يثيرون الزوابع، ويستثيرون المشاعر، فضلاً عن الشكوك في المرامي والمنطلقات والمقاصد والأهداف، ووجدنا من وصف هؤلاء بأنهم «دعاة فتن»، و«دعاة عبث»، و«دعاة جهل وحماقة»، وأصحاب «فتاوى شاذة»، و«فتاوى تخدش الحياء وتفسد الذوق العام».. و«أنهم تسونامي» الظلام، هؤلاء يبدعون بامتياز في مهامهم أكثر مما يقوم به او يخطط له أعداء العرب والإسلام، حتى وإن غلفت بغطاء ديني او وطني او مذهبي..!!
مشايخ ودعاة كلٌ له أفكاره، وأسلوبه، وخطابه، ومريدون وأتباع، وقنوات ومنابر، ولهم حضور بارز في قنوات فضائية عدة، ومنابر دينية ومواقع تواصل إلكتروني، كلها باتت تعج بمشايخ ودعاة يفتون فتاوى وصفت بأنها شاذة لا مرجع لها ولا سند، وأصبح أي انتقاد لهؤلاء يقابل ابتداءً وانتهاءً بالرفض والاستنكار، ويمكن أن يدفع البعض الى أبعد من ذلك، ربما إطلاق قائمة من الاتهامات الجاهزة من قبيل الكفر والزندقة، او الاتهام بالتهجم على الدين ورموزه لمصالح مشبوهة او لمصالح أعداء الإسلام، او الاتهام بالعلمانية على أقل تقدير..!!
في هذه الأيام ثمة ضجة على مطلقي بعض الفتاوى والأحكام التي وصفت بأنها شاذة، ولا تتوافق مع روح العصر، بل ومسيئة للإسلام والمسلمين، كتلك الفتوى التي أطلقها أستاذ بجامعة الأزهر والتي تجيز نكاح الزوج لزوجته الميتة تحت تسمية «مضاجعة الوداع»، او تلك الفتوى التي صدرت من دكتورة أزهرية بجواز معاشرة البهائم، وقبل ذلك فتوى تجيز للمرأة العاملة إرضاع زميلها في العمل منعاً للخلوة الشرعية وتوثيق هذا الإرضاع رسمياً، وفتوى لواحد من دعاة الفضائيات بعدم جواز تقديم التهاني من مسلم لغير المسلم، ومسلسل الفتاوى المثيرة لا يتوقف عند حد، فقد وجدنا من أفتى بإباحة تدمير الإهرامات وأبو الهول والمعابد الأثرية، وفتاوى كوميدية مثل فتوى اعتبرت الراقصة اذا توفيت وهي في طريقها لعملها شهيدة، وفتوى أجاز فيها داعية من ذات الصنف أكل لحوم الجن، وأخرى تسمح بوهب الزوج لزوجته لرجل أثناء السفر كي لا تشعر بالوحدة، وأخرى تحرم اليوغا، وفتوى تكفّر من يقول بأن الأرض تتحرك. وفتوى تحرم دراسة اللغة الإنجليزية بذريعة أن ذلك يورث محبة أهل تلك اللغة من الكفرة، وهو مخالف لعقيدة الولاء والبراء من الكفار، يمكن الاسترسال في التذكير بالعشرات من الفتاوى الهزلية او «فتاوى أكل العيش» كما وصفها البعض، ومعها فتاوى التوظيف السياسي، فتاوى أثارت الكثير من الضجيج واللغط والدهشة والاستغراب، وكان أسوأها وأخطرها تلك الفتاوى التي تنّشط فيروس الكراهية والجموح ضد التنويعات الدينية والمذهبية والعرقية الأخرى، وتخلق بيئة ترفع من شأن الولاءات الضيقة، وكل ذلك أدى الى اعتراف مراجع دينية وأزهرية كبيرة بأن تلك الفتاوى هي شطط غير محسوب ونزق غير مسؤول، ولعب بالنار، والوصف هنا لشيخ الأزهر الذي شنَّ حملة على أصحاب هذه الفتاوى الشاذة الأخيرة، وطالب بالحجر عليهم، مشدداً على أن للفتوى ضوابط وقواعد وأسس وأداباً تحمي الفتوى من عبث الجهلة والأدعياء الصاعدين صعوداً خطراً..!! كما وجدنا في ذات السياق مطالبات كثيرة من الأزهر والمرجعيات وكليات الشريعة والقانون وكل الجهات ذات العلاقة بأن تقوم بدورها في التصدي لهذه الفتاوى وتنقيح التراث من كل الآراء والتفسيرات الشاذة التي لا تتوافق مع الواقع ولا تتناسب مع العصر.
إذن نحن أمام فتاوى لا يتوقف سيلها في كل مكان وبمناسبة ومن دون مناسبة، سوق منفلت من عقاله بتزايد القنوات الفضائية الخاصة، وقد قدرت الفتاوى التي تصدر عبر شيوخ الفضائيات والانترنت بنحو 1000 فتوى شهرياً، ويرى وائل لطفي في كتابه (ظاهرة الدعاة الجدد) أن المتتبع لهذه الظاهرة في مصر لا يسعه إلا أن يتوقف أمام المسار الذي اتخذته من حيث طبيعة العلاقات التنافسية بين الدعاة الجدد، حيث يتشيع لكل داعية فريق من رجال الأعمال والمؤيدين والجمهور، بالاضافة لقنوات فضائية تتبنى الدعاة وتستخدمهم كعامل جذب تجاري تجذب به المشاهدين والإعلانات في ظاهرة «تسويق الدين وتديين التسويق».  
إذن نحن أمام شيوخ ودعاة يحملون صفة رجال دين، ومنهم من لا هم لهم إلا النجومية، هؤلاء لا يتوقفون عن إصدار الفتاوى، والمساجلات، وتبادل الاتهامات فيما بينهم، وبينهم والآخرين، فتاوى في معظمها هي من الخطورة الى حد يمكن وصفها بأنها «أقرب ما تكون الى الضلال»، ولم تحسب يوماً أنها انتصار للدين، فتاوى يطلقها الضالون والمنحرفون والمتطرفون وشواذ الفكر في زماننا، والوصف هنا لأحد مشايخ الأزهر، فتاوى يتحالف فيها الجهل والحمق والغباء والمآرب والأهواء والتمويل من أصحاب المفاسد، واللعب بورقة الدين وتسييس الدين، والتغاضي عن القضايا الكبيرة او ركنها جانباً، فتاوى ينتحر فيها المنطق وينفصل فيها الواقع عن التحضر، حتى في الانتخابات البرلمانية وجدنا في بلادنا وفي غيرها من البلدان العربية فتاوى صدرت ممن يتذرعون بالمقدس ويدعون أنهم يمثلون الإسلام تقول «انتخبوا من يعرفون الله»، أي لا تنتخبوا غيرهم فهم كفار وملحدون وزنادقة، وكأن ليس هناك عقول تفكر، هم يرون أن المواطن الصالح هو الذي لا يفكر، يكفي أن يفكروا بالنيابة عنه، ولا بأس من أن يجعلوا كل ما يمثل المواطن صورياً، او متواطئاً، او متحالفاً، او متغافلاً، او مفروغاً من مضمونه، وهذا الدجل المستفز يتعاظم في أجواء يشتعل فيها الإرهاب التكفيري، أَلمْ يظهر لنا قبل سنوات داعية في مصر محذراً من خطورة آفة استخدام العقل، واعتبار العقل مفسدة للقلب وجرثومة ضارة يجب أن تعبأ الجهود من أجل مواجهتها ومحاربتها والقضاء عليها، حتى لا تحل الكوارث على أمة الإسلام والمسلمين..!!!
الهجوم على العقل والتفكير ليس جديداً، هو أمر يتكرر بأكثر من صورة، وشهدنا حملات ضارية على العقل، في ظل جهود مضنية من جانب الملتزمين بأدوارهم من أجل إبقاء الناس في حالة غيبوبة، وما تلك النوعية من الفتاوى والانشغالات إلا أحد أوجه هذه الحالة، وأداة من أدوات التجهيل والتسطيح وهي كثيرة، ولا يمكن أن ننسى أن بعض الغلاة ومن باتوا مبدعين في الهدم والشذوذ الفكري، ومن يتخذون من الدين مطية، وخلطوا الدين بالسياسة والمصالح، هؤلاء ذهبوا الى اعتبار أن من لا يتنازل عن عقله مثير للفتن والمشاكل، لذلك لا يتوانى هؤلاء والأنظمة او الجهات التي تقف وراءهم و«تطبطب» عليهم عن بذل كل ما يمكن من جهد لخلق المناخات التي تسمح بالجمود الفكري وبتمكين الجهل، ومناهضة تشغيل العقول، كي نكون في واقع يلتهم فيه ماضينا حاضرنا، واقع معدوم الفرص وعصّي على التحمل، بعدما أصبح مستعصياً على الفهم، واقع يكون فيه الجميع لا حول ولا.....!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا